إن المواطنة تتمثل في بنية من المستلزمات والمقومات، وبنية فكرية وقيمية، وبنية حقوقية ودستورية وقانونية، وبنية مؤسسية، وكذا بنية تتعلق بالسياسات والممارسات، تنشط في المجالات الاجتماعية والسياسية والقانونية والتشريعية، حيث تناقش العلاقات بين المواطنين بغض النظر عن الاختلافات فيما بينهم، وتفيد بأن الجميع له من الحقوق وعليه من الواجبات وفقا لقاعدة المساواة، ولكل مواطن شخصية قانونية مستقلة. الحالة الاستبدادية تفترس مفهوم المواطنة وتشكل تآكلا لجوهره وقيمه والممارسة الحقيقية من خلاله، وأن الانقلابات كما تشكل حالة اغتصاب للسلطة تؤدي إلى حالة اغتصاب عامة للسياسة واعتداء سافر على المواطنة في كل معانيها؛ خاصة بما تمثله من قطع الطريق على مسار ديمقراطي، حيث تحاول الانقلابات من كل طريق محاصرة المواطن وانتهاك حقوقه بشكل مباشر وغير مباشر، وتصادر حقوقه التأسيسية والسياسية والمدنية والمجتمعية. وتبدو طبعة الانقلابات الجديدة فيما بعد الثورات العربية مستهدفة الحالة الثورية بكل أبعادها، وكل أفق بها يتعلق بأشواق التغيير لكل مظاهر الحالة الاستبدادية وفتح الطريق واسعا لحالة من الانتقال السياسي والديمقراطي المأمول حفاظا على الحقوق الإنسانية وحقوق المواطنة الأساسية؛ نيلا للعيش الكريم والكرامة الإنسانية، وتمكينا للحرية الأساسية والعدالة الكلية وعلى رأسها العدالة الاجتماعية.
كيف يتصور المستبد المجتمع وتعامله معه؟ وكيف يمكنه أن ينظر إلى مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية؟ المستبد في واقع الأمر لا ينظر إلى مسألة الحقوق إلا من منظور الاستخفاف والإهانة، الاستهانة والمهانة.. في ظل هذا التصور لا يمكننا إلا أن نرى المستبد لا ينظر إلا لعموم الناس بكونهم تحت ملكيته الخاصة يتصرف بهم كما شاء وكيف شاء، وفي سياساته العامة لا يراهم إلا قطيعا يجب أن يتبعه لا يعقب عليه، فضلا عن أن يحاسب أو يراقب سياساته أو ظلمه وطغيانه.
ومن ثم فهو يؤمم كل فاعليات المجتمع لمصلحته، ويعيد تشكيل هذا المجتمع على مقاسه، ويحاول أن يبني علاقاته على تلك القاعدة التي تستغل كل هذه الأمور التي تتعلق بقابليات الاستبداد والخضوع. أما هؤلاء الذين يظلون في مواقع المقاومة فهم محل استهدافه من قبل أجهزته البوليسية والأمنية، يطلق عليهم كافة أسلحته البوليسية لينال من إرادتهم ويحاول أن يدخلهم الحظيرة وفق تصوره لإدارة القطيع.
هذه الصورة إنما تشكل في حقيقة الأمر أخطر ما يكون في بناء مجتمع الاستبداد من خلال طقوس الإهانة المستمرة للمجتمع وقواه؛ مستهزئا بقدرته، مسخرا كل إمكاناته لمساحات طغيانه وسياسات استبداده، ويرى في فاعليته خصما من سلطانه، ومن ثم يحاول من كل طريق إخصاء مؤسسات المجتمع المدني، مؤكدا أن عموم الناس لا حقوق لهم، وأن الحقوق الوحيدة التي تعتبر ضمن تصوره هي حقوق المستبد التي تقوم على صناعة الخوف، وتمكين مؤسسات الظلم، وتشييد مزيد من مؤسسات القمع والعقاب من سجون جديدة، ومن أجهزة أمنية عتيدة؛ يحاول من خلالها أن يملي على الجميع معالم طغيانه، لا يتحدث إلا بلغة القهر والعنف والحصار والمطاردة والاعتقال، ويصل به الأمر في النهاية إلى حد التهديد بالقتل، أو إغراء بعض زبانيته بالاعتداء والبلطجة على كل من تسول له نفسه أن يستخدم حقه في حماية الحقوق والتأكيد عليها، أو ممارساته في الدفاع عن المظلومين أو مكافحة كل مسارات الاستبداد وأشكاله وتجلياته.
يتسم خطاب المستبد بالاستخفاف بالإنسان وإغفال الحقوق، بينما يحاول أن يثبت حقه في ما يصدره من قرارات أو يتخذه من سياسات وبما ينتجه من خطابات وأنه لا يقوم إلا بكل ما هو رشد أو صلاح. وغايته في ذلك أنه حينما يبرر تلك السياسات الطاغية، ويواجه تلك الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، فإنه لا يملك إلا تخريجات خطابية تعبر في حقيقة الأمر عن كلام أقرب ما يكون إلى الهذيان منه إلى ضرورة مراعاة الحقوق المعتبرة في حق الإنسان وحماية الكيان وممارسة كل ما يتعلق بحريته في حقوقه الأساسية، وكذلك حقوقه المدنية والسياسية.
ولعل هذا يرتبط في الأذهان بموضوعات أخرى تجيب عن سؤال: كيف يتصور هؤلاء (من يظنون أنفسهم أنهم يتحكمون في مصائر البلاد والعباد ضمن مفهوم العصابة أو استحلال مقدرات البلاد والعدوان على حقوق العباد) الأمر فيصورونه وكأنه يتعلق بعدم أهلية هذه الشعوب لأن تنال تلك الحقوق، أو حتى أشباه الحقوق؛ ويعتبرون ذلك من الأمور التي تدخل ضمن عمليات بيع وشراء وضمن مساومات وصفقات على تلك الحقوق؟.
في كل مرة تهب علينا نسمات الثورات العربية بذكريات مفعمة بأجواء التغيير الذي صاحب تلك الثورات، وخصوصا
ثورة ديسمبر التي فتحت الباب واسعا للتغيير في نظام استبد بوطنه ومواطنيه. حينما تأتي تلك الأيام يستشعر المستبدون بالخطر، ويشعر هؤلاء الذين آمنوا بتلك الثورات أن التغيير آت لا محالة، وأن تلك الثورات أحدثت في عالمنا العربي متغيرات ومعطيات لا يمكن أن تعود بأي حال بالمنطقة إلى ما كانت عليه قبل تلك الثورات، حتى لو قامت أحلاف المضادين للثورات بكل عمل من شأنه أن يلتف على تلك الثورات ويحاصرها بهدف القضاء عليها قضاء مبرما حتى يفقد الناس كل أمل في التغيير، وتعشش روح اليأس والإحباط بين الشباب الذين طالما حلموا بتغيير ينشد حريات الناس وكرامة عيشهم وعدالة اجتماعهم، بينما في المقابل يستنفر المستبد للتأكيد على أن تلك الأيام التي اقترنت بالثورات لم تكن إلا جالبة للخراب، ومهددة للكيان، ومضيعة للأوطان، هذا الاستنفار من الطاغية يوجه فيه الحديث لأعوانه، ويحذر فيه من أعدائه.
ومن أهم الآليات والمداخل التي يسلكها المستبد في هذا المقام أنه يحاول دائما أن يربط هذه الثورة بكل نقيصة والآثار السلبية التي عرفتها البلاد عقب ذلك، ويسند كل تلك السلبيات إلى الثورة في ذاتها لا إلى استبداده وممارساته وسياسات طغيانه.
رغم أن الإنسان بنيان الله (ملعون من هدمه)، وأن التكريم الإنساني اختص به الله سبحانه وتعالى بتفضيل هذا الإنسان عن كافة مخلوقاته؛ إلا أن النظم العسكرية والانقلابية تتخذ استراتيجية أخرى في مواجهة الإنسان، فهي لا تقيم له وزناً، ولا لحياته مغزى، ولا لكيانه معنى، بل إنها تحترف استراتيجية يمكن تسميتها (استراتيجية الاستخفاف بالإنسان) لتقوم بذلك وفق تصور معين، وفي إطار سياسات ومواقف كلها تشير إلى هذا الإدراك الذي يتعلق بنقض كيان الإنسان.. ولا بأس في هذا المقام أن تقوم تلك النظم بتزيين أمورها ببعض الكلمات الفائضة والزائفة حينما تعبر عن استراتيجية حقوق الإنسان. ولعل تلك الاستراتيجية الزائفة التي تحدثنا عنها قبل ذلك تتخذ أشكالا وألوانا من الشواهد التي تعد قرائن فادحة وفاضحة لهذا المعنى الذي يترجم استراتيجية الاستخفاف بهذا الإنسان، والتي تعد إنسانيته هي أساس وجوده، وجوهر مواطنيته.
هكذا تبدو في النهاية تلك المشاهد مجتمعة لتعبر عن كيف أن حالة (العسكرة )تلك ضمن استراتيجيتها الكبرى بالاستخفاف بالإنسان، ترويعا وتفزيعا، تطبيعا وقطيعا، إفقارا وتجويعا، تزييفا وتزويرا، إنما تقوم بكل ذلك في محاولة منها ليس فقط لإثبات الوجود، بل هي تطالب الجميع بأن يخالفوا كل هذه الحقائق المشاهدة ليعبر ذلك الإنسان عن أنه ينعم بالحقوق ويرفل في كل عطايا المواطنة، وأنه يعيش في مجتمع مزدهر.. فقد نال فيه الإنسان أكثر من حقوقه، والمواطن قد أغرقته العطايا والمنح.
هكذا يريد هؤلاء أن يصوروا حال الإنسان والمواطن، وهو حال عكس واقعا مؤلما وبائسا يتسم بصناعة الكراهية وتمزيق كل ما يتعلق بلحمة المجتمع، وافتقاد البلاد للأمان الاجتماعي والأمن الإنساني؛ ضمن سياسات لنظام فاشي احترف تلك العقلية العسكرية، وتمكين المنظومة البوليسية والأمنية.
وتذكرني هذه الاستراتيجية كذلك بنكتة شهيرة حينما أطلق المعنى الذي يتعلق بمراعاة ورعاية حقوق الإنسان، فتساءل الإنسان العادي: (ما معنى مراعاة ورعاية)؟ وتساءل الثاني: (ما معنى حقوق)؟ وتساءل الثالث: (ما معنى الإنسان)؟ فهذه الكلمات في حقيقة الأمر لم تكن إلا كلمات الزينة تطلقها الأنظمة الاستبدادية اعتقاداً منها أن كثرة الكلام عن حقوق الإنسان هو بمثابة الحفاظ عليها؛ ولكن الممارسات والسياسات كانت تؤكد عليهم كل يوم مرارا وتكرارا: (كذبتم وافتريتم).
فالاستراتيجية عقل العمل، وهذا النظام الانقلابي رؤيته للوطن والمواطنين تخلو من العقل وتتسم بعطالة في الفعل والعمل، بطالة وعطالة مقصودة لأنها لا يمكنها بأي حال أن تجعل مصالح المواطن والوطن محلا لنظرها وبناء استراتيجياتها. وهل في الحقيقة يمكن لذلك النظام أن يبني استراتيجيات وهو لا يقيم وزنا لدراسة كل خطوة يقدم عليها، بل إن ذلك محل فخر من جانبه، فهو نظام جاهل يحترف الفشل، ولا يتبنى إلا استراتيجية الترويع والتفزيع وصناعة الخوف، وكذلك استراتيجية الإفقار والإهانة والتجويع. كل ذلك في سياق صناعة استبدادية كبرى لحالة العبودية والقطيع.
فحال الإنسان المقهور والمهدور معروف للكافة، فلا حقوق تأسيسية، ولا حقوق مدنية أو سياسية، ولا حقوق جماعية أو اجتماعية، والإنسان محل للتنكيل والاعتقال والمطاردة، بل وارتكاب المجازر في حقه. فالمواطن بين مقتول خارج إطار القانون بتصفية جسدية، أو بالقتل البطيء من جراء إهماله طبيا وصحيا، أو معدم بإفقاره وتجويعه وتحميله ما لا يطيق من غول غلاء أسعار، وجباية أموال وضرائب.
مرة أخرى نعود الى ما بدأنا به: كيف يأكل الاستبداد والانقلابات حقوق المواطنة، فتصادر حق الشعوب في اختيار ممثليها؟ وكيف تدوس على الاستحقاقات الانتقالية بيسر وسهولة؟ وكيف تنتهك الأصول الدستورية الحامية للحقوق والخيارات؟ وكذا فإن من أهم التساؤلات: كيف نفكك الاستبداد بنية وممارسات وبيئة قابلة لإعادة إنتاجه؟
ولعل التساؤل هنا أيضا حول كيف تفقد الشعوب مناعتها ضد الاستبداد وتتفرق في مواجهته؛ ضمن مسارات صناعة الفرقة والكراهية والفوضى، فتسمح لأطراف خارجية ضمن بيئة الاستقطاب العقيمة أن تعبث بشئون البلاد والعباد وتقيم صروحا للاستبداد والاستعباد.
أسئلة لم يعد طرحها رفاهة من أي قوى لها مصلحة في التغيير، والتغيير الاستراتيجي الكبير قادم لا محالة؛ والسؤال المهم كيف نعد له العدة فكريا وحضاريا وفعليا؛ وعيا وسعيا ..
وقد صدق أحمد مطر حينما قال (ليس لدينا إنسان)..
mido34067@gmail.com
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم