حكايتي مع سعادة اللواء .. بقلم: ناجي شريف بابكر


التحية بدءا لكافة ضباطنا ولجنودنا البواسل بالقوات المسلحة السودانية، في عيد الجيش الثاني والستين. التحية والسلام لقتلاهم الأبطال في العلمين، وفي كرن، وفي سيناء، وفي الكويت والعراق..
لقد كان الإستقلال لمن يقرأ التاريخ هدية نالها المقاتلون البواسل في القوات المسلحة، تتويجا لعهد قطعته المملكة المتحدة للمستعمرات التي تقاتل جيوشها إلي جانب التاج البريطاني ضد قوات المحور.. لم يكن الإستقلال حصاد ألسن المدعين ومرتزقي السياسة، بل كان ثمنا لتضحيات حقيقية وفادحة، كان لقاء دماء سالت وأنفس أزهقت.

النص:

عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في أيلول 1980.. كان المحيط العربي مشحونا بمشاعر القومية ووحدة المصير العربي وبروتوكولات الدفاع المشترك..
ففي ذلك الخضم الآهل بالعواطف الجياشة، أرسلت الخرطوم المسكونة بالقضايا الإقليمية حتى شأفتها، قوة من الجيش السوداني بقيادة سعادة العقيد سليمان جوهر لمناصرة القضية العربية، ولخوض المعركة بكل ويلاتها، جنبا الي جنب مع الأشقاء العراقيين
.
كان أفراد القوة الأبطال، كقائدهم، يملؤهم الحماس ومشاعر التضامن والفداء.. وقد كان البروتوكول الذي أرسلوا بموجبه، يقضي بأن يتم إستقبال أفراد القوة بمدينة البصرة.. ومن ثم إنخراطهم في برامج تدريبية لثلاثين يوما يتم خلالها التعرف علي أنواع الأسلحة الأمريكية المستخدمة، ودراسة التضاريس والتكتيكات المتعلقة بأرض القتال.

لكن القوة تفاجأت عند هبوطها مطار البصرة بأن تم نقلها دون إستقبال مراسمي، ودون المرور ببرامج الإعداد المتفق عليها، وذلك بأن حمل أفرادها دون تشاور، علي متن طائرات نقل عسكرية كانت في انتظارهم بمطار البصرة، ليتم إنزالهم، منذ اليوم الأول، مباشرة في مقدمة الإشتباكات بأرض القتال في إقليم الفاو.
ليس ذلك فحسب.. فعلى الرغم من الظروف القاسية التي عاشتها القوة في التعامل مع أنواع معقدة من الإسلحة تعرفت عليها للوهلة الأولى.. حدثت خلال الشهور القليلة الاولي للعمليات، تطورات لم تكن أبدا في الحسبان.. فقد حضر يوما أحد الضباط العراقيين، لسكنة العقيد جوهر، أثناء العمليات ليصطحبه الي القيادة العراقية بالفاو إثر إخطاره بإستدعاء طارئ له هناك.

فوجئ الضابط جوهر بأن القيادة العراقية قد وجهته بمباشرة استلام قتلى سودانيين أخبروه أنهم سقطوا أثناء الإشتباكات. . ولم تحتوي قائمة القتلى، بالطبع، علي أي فرد من القوة المصاحبة للعقيد.. لكنه علم لاحقا أن الجثث كانت لمقاتلين متطوعين سيئي الطالع ، تم تجنيدهم إختياريا وفق برنامج روج له القوميون العرب.. كان يدعو السودانيين وبعض الجنسيات العربية الأخرى، للسفر إلى بغداد والانخراط في المعارك هناك مقابل عائد مادي لا بأس به.

كانت دهشته وأساه قد بلغا حدا يتعذر كتمانه، حينما عرضوا عليه حاويات حديدية بالية، تمت تعبئتها بقتلي في وضع مزري وقسوة مفرطة، وقد تشوهت جثثهم وتحللت من فعل الحرارة وعوامل التعرية.. فقد عجز العراق الشقيق بخيله وثرواته الطائلة، في أن يقرضهم حتي المراسيم الجنائزية اللائقة وحاويات الجثامين المبردة، حفظا لكرامة الموتى، وعرفانا لتضحيتهم باهظة الثمن.

بل والأنكأ والأمر من ذلك كله، أن معظم القتلي كانوا من مواطني الإقليم الجنوبي، وأن أغلبهم قد فارق الحياة متأثرا بأعيرة نارية أردتهم من الخلف.. فقد قتلتهم النيران الصديقة.. ولم تقتلهم نيران العدو..
لعل التعليمات في جبهة القتال كانت تحتم تصفية الفارين من الاشتباكات.. ربما كان ذلك من المعلوم بالضرورة لمن خبروا تقاليد الحروب والمعارك من المنضوين في المجال العسكري.. لكن ما حدث لمئات الجثث المكدسة في الحاويات المعدنية هناك، كان أشبه ما يكون بجريمة كراهية من الدرجة الأولى.. كان أشبه ما يكون بالإبادة الجماعية، والإهانة المتعمدة، التي خلت تماما من الإنسانية، تجاه أناس عرضوا أنفسهم للخطر طواعية، دفاعا عن أرض وقضية، عراقيتان في المقام الأول.

لم تكن بغداد في جوهرها، تحمل نفس البريق الذي طالما كان يتراءى لأعين عشٓاقها ومنادميها.. ثارت يومها ثائرة الضابط الشاب.. وانطلق غاضبا متعجلا من توه الي بغداد، ليلتقي بالسفير السوداني هناك، وقلبه يتمزق من الحسرة وخيبة الرجاء.. في الشعارات الطنانة بالوحدة والأخوة ووحدة المصير المشترك.. فمن خلال ما حدث لإخوانه بأرض المعركة تبين له ولو بعد فوات الأوان أن العروبة ليست سوى أكذوبة كبيرة ولعبة سخيفة من لعب الألوان.. لا تعدو كونها فصل آخر من فصول الإسترقاق والإهانة والمأساة، لأناس قاتلوا في أرض نائية، وهم ينشدون حياة الكرامة والفداء.. لم يكن في حسبانهم أن يموتوا غدرا برصاص مناصريهم، ثم تترك جثامينهم للضواري.

قام سعادة السفير بتمرير طلب العقيد للتحدث عبر التليفون مع القائد جعفر نميري.. وماهي إلا هنيهة حتي رن هاتف السفير، وكان المتحدث هو القائد جعفر نميري شخصيا.. استمع الرئيس بتعاطف شديد، لرواية العقيد ورؤيته كاملة عما حدث بالجبهة. . فاستشاط غضبا.. فلم تمر إلا أيام قلائل حتي هبطت بمطار البصرة طائرة النقل الخاصة بالجيش السوداني.. ليغادر سعادة العقيد وكافة القوة الباسلة أرض العراق معززة مكرمة إلي غير رجعة.

nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً