حلايب مرة أخرى بعد لوم اللائمين!! .. بقلم: أبوبكر يوسف إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: «هَذَا بَلاغٌ لِلْنَّاس وَلِيُنْذَرُوْا بِه وَلِيَعْلَمُوَا أَنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِد وَلِيَذَّكَّر أُوْلُو الألْبَابْ» ..الآية

هذا بلاغ للناس

توطــئة:

•   يا سبحان الله، بنو البشر أمرهم عجيب، فحينما يتعاتبون ويلوم بعضهم  بعضاً ، نسمع منهم عذب الحديث مثل قولهم الاحتكام للعقل والمنطق طالما أن موضوع النقاش لا يمسهم مباشرة ، عندها تستشعر فيهم المثالية  والروية  ومنطق العقل والتعقل ، ولكن حينما يصبح موضوع النقاش ماساً بهم مباشرة في حقوق مستحقة،  تتغير المواقف 180%، فأول الأمر كانوا يتحدثون بلسان العاطفة و حديثاً لا يعدو إلا أن يكون للإستهلاك المحلي أي” فض مجالس” بلغة أهلنا في شمال الوادي،  ولكن عند الجد والتنفيذ ينقلبون على ما يقولون “ ويلحسون” كل تلك المبادئ وما قيل عن  للقانون الدولي، وإعمال مبدأ حل النزاعات عن طريق الحوار والتفاوض، وتتغير المواقف عند التطبيق ويستأسد بعضنا على بعض ونُعمل شريعة الغاب بدعوى السيادة، ولا أدري أين كانت هذه السيادة يوم احتمت الكلية الحربية والطيران المصري بقاعدة وادي سيدنا وجبل أولياء؟! فهل كنا يومها أشقاء وفجأة عند حلايب انقلبنا إلى أعداء؟!! .. فسبحان مغير الأحوال ومقلب القلوب!!

المتـــن”

•    مناسبة هذه التوطئة أن صديق عزيز من أهل السياسة في الكنانة اتصل بي معاتباً ـ وأنا في حلٍ عن ذكر اسمه لأنني وفاقي الهوى  وأحب أن أبقي على شعرة معاوية بيننا على أساس أن الاختلاف في وجهات النظر بين الأشقاء لا يقتضي قطع صلة الرحم ـ  سبب كل ذلك أنني كتبت بالأمس عن حلايب وإمكانية التوافق واللجوء للتحكيم الدولي، فقال لي بالحرف الواحد: ” خليك محضر خير”!! ، قلت له: بدلاً من معاتبتي وأنا لم أتحدث إلا بالخير، فمن باب أولى أن تعاتب إعلاميين وقنوات بعينها وهي من  كان يصب الزيت فوق النار وبصورة شعبوية فجة لا تليق بلغة التخاطب بين شقيقين،  وسألته: لماذا لم تتحرك قوات مبارك لتفرض واقع حال في النزاع مع الصهاينة حول طابا مثلما فعلت عام 1995 في حلايب؟!، ولماذا استأسد مبارك على السودان وهو يعلم أن السودان كان يحارب التمرد في ثلاث جبهات ناهيك عن عدم تقديمه العون للسودان وهو يواجه حلف “صهيوأوروأمريكي” داعماً للتمرد بالمال والسلاح والديبلوماسية في المحافل الدولية؟! هذا الحلف الذي يستهدف تفتيت السودان عمق مصر الاستراتيجي حتى ينفذ خطة تقسيم مصر بعد تفتيتها إلى أربع دول ومصر غائبة تركت السودان وحيداً يواجه مصيره منفرداً ونسينا شعار “وحدة المصير المشترك”!! ، والنخب في مصر تعلم علم اليقين بهذا المخطط التآمري وهو ليس بسر،   ومصر المخلوع مبارك واقفة تشاهد بل  وتساعد الأمريكان عبر سليمان بافتعال الأزمات مع السودان!!

•        إن كان إعمال شرعة الغاب هو ما يجب أن يسود ، ـ دعك عن مراعاة حرمة الجوار أو أواصر مصاهرة ودم أو مياه النيل ـ ، فهذه مسائل دائماً ما  نلوكها  عاطفياً  ولكن دعونا نتساءل بواقعية وبراغماتية وبلغة المصالح المشتركة: ن لماذا إعمال شرعة الغاب معنا دون تحكيم لمنطق العقل والمصالح المشتركة ، ولماذا لم نحكم مبدأ من لا أحتاج إليه اليوم قد أحتاج إليه في الغد؟!!  . شخصياً كنت أتوقع أنه مهما بلغ سوء الأحوال بين الأنظمة في البلدين ـ وهو ما كانت عليه فعلياً في أيام الرئيس المخلوع مباركـ  فلمذا إذن نجيش الشعوب لتحمل نفوسها الضغائن في خلافٍ متعارف على وسائل حله ديبلوماسياً وسياسياً وقانونياً ، ولماذا لجأ مبارك لفرض واقع معين بالقوة  مع السودان شقيق مصر في عام 1995؟! .. أليس هذه هو السودان الذي قال عنه النحاس ” تقطع يميني ولا ينفصل السودان؟!!. أم أن التعامل مع الصهاينة في شأن طابا أيسر وأسهل من العامل مع السودان بشأن حلايب؟!!

الحاشية:

•    للعلم إن التاريخ لا يرحم ولا يُنسي، فمعظم أحزاب مصر العلمانية والقومية والليبرالية التي كانت تمثل المعارضة المدجنة في عهد المخلوع مبارك، خرجت يومها في مظاهرات تؤيد مبارك يوم ضمّ حلايب بقوة السلاح في عام 1995، وها نحن نشاهد اليوم بعض من تلك الأحزاب والتي تدعي الثورية اليوم تصب الزيت فوق الرماد!!، فمن نلوم ، الأحزاب التي كانت بالأمس معارضاً مدجناً في عهد المخلوع مبارك أم ذات  بعض الأحزاب التي تدعي الثورة وأنها عدوة لمبارك؟!!

•   هل نسينا المطرب ” محمد الحلو” وذاك الشاعر الذي يتحدث الآن وكأنه عراب الثورة الوحيد هو من ألف القصيدة وذاك الموسيقار الذي لحن، كل هذا مكايدة للسودان واستفزازاً لمشاعر أهله باعتبار أن تجمع المعارضة الذي كانت تأويه مصر  يومذاك مؤيداً لما فعلت وهو الممثل الشرعي للشعب السوداني من وجهة نظر نظام المخلوع، وها قد عاد قادة أحزاب تجمع المعارضة إلى الوطن ومنهم من كشف عبر وسائل الاعلام كيف كان يستغل، وأيضاً ربما أدرك من كان يدعم بعض الحركات المتمردة والأحزاب المتكلسة مدى انعدام فاعليتها في الشارع السوداني!!

•   وها أنذا أستدعي من الذاكرة ما لا يمكن ينسي حتى وإن غفرنا فعدم النسيان مرتبط بالذاكرة والغفران مرتبط بالعواطف ، فهل ننسى يوم هجم ” بلطجية نظام مبارك” على ديبلوماسينا في السفارة السودانية بالقاهرة وكسروا أياديهم وأرجلهم  بل وحطموا سياراتهم، هل هذه هي  الأخوة والتوأمة إن كنا نتحدث بلغة العاطفة؟! أم  ما حدث كان وفق ما نصّت عليه ” اتفاقية فينا للعلاقات الديبلوماسية المبرمة عام 1961″ وفق المادة (22) منها التي تقول:{تتمتع مباني البعثة بالحرمة. وليس لممثلي الحكومة المعتمد لديها الحق في دخول مباني البعثة إلا إذا وافق على ذلك رئيس البعثة. على الدولة المعتمد لديها التزام خاص باتخاذ كافة الوسائل اللازمة لمنع اقتحام أو الإضرار بمباني البعثة وبصيانة أمن البعثة من الاضطراب أو من الحطّ من كرامتها . لا يجوز أن تكون مباني البعثة أو مفروشاتها أو كل ما يوجد فيها من أشياء أو كافة وسائل النقل, عرضة للاستيلاء أو التفتيش أو الحجز لأي إجراء تنفيذي.] انتهت المادة (22)

الهامش:

•   يفترض ومن منظور هذه المادة أن أطرح على صديقي الذي عاتبني إن كان النظام المصري قد التزم بمحتوى هذه المادة  التي تحدد التزامات البلد المضيف بمنتهى الوضوح ، فهل وضعت الداخلية أو الخارجية المصرية كل هذا في حسبانها وهي تقوم بإعمال شريعة الغاب؟! وهل كان لأغلبية من الأحزاب المصرية يومها موقفاً مغايراً؟! .. الحقيقة خرجت معظم الأحزاب المسجلة وأدانت السودان ووقفت مع نظام المخلوع مبارك!! ، عملاً بالمثل المصري (أنا وأخويا على إبن عمي)!!

•    الغريبة أنه بعد أن قام بلطجية ” حبيب العادلي” بالاعتداء على  أعضاء البعثة الديبلوماسية  قرأت في الصحف أن الرئيس بأمر بمعالجة الديبلوماسيين الذين كسروا أرجلهم وأياديهم عملاً بالمثل ” يقتل القتيل ويمشي في جنازته”!! وكأنما يومها كان السودان ينتظرا من  المُعْتَدي أن يقوم بمعالجة المُعتدى عليه ، واكتفى السودان بأن  نظام مبارك لم يراعِ نص المادة  (29) من اتفاقية فينا التي تقول: {للشخص الممثل الدبلوماسي حرمة – فلا يجوز بأي شكل القبض عليه أو حجزه – وعلى الدولة المعتمد لديها أن تعامله بالاحترام اللازم له, وعليها أن تتخذ كافة الوسائل المعقولة لمنع الاعتداء على شخصه أو على حريته أو على اعتباره.} إنتهى

•     السودان  لا يعتبر المصري أو المصرية أجنبياً  أو غريباً، ووفق الحريات الأربعة يحق للمصري أو المصرية ما يحق للسوداني أو السودانية ، لا تأشيرة دخول ، لا تسجيل عند القدوم ، يقيم دون إقامة  ، كما يحق له حق التملك ، فهل قامت مصر بتطبيق ذات الحقوق كاملةً  مع السودان ؟!! ، أستطيع أن أتفهم أن  يجمد المخلوع مبارك كل ما من شأنه أن يزيل معوقات الحركة بين الشعبين ولكن كيف لي أن أتفهم ذلك بعد الثورة وبعد أن وصل حزب الحرية والعدالة لسددة الحكم؟!

قصاصة:

•   إن أهل السودان يعانون كثيراً من قصور فهم معظم النخب المصرية للسوداني وثقافته على باعتبار أن ذلك أيسر لهم إذ أن السودان كان جزءاً من المملكة المصرية  ولكن يبدو أن هناك صوراً ذهنية  للسوداني وكأنه لا يصلح إلا أن يكون ذاك الصفرجي أو البواب أو الجرسون والطباخ أي  التحرر من دونية النظرة وليت أيضاً تلك النخب تدرك أن السودان هو من أنجب اسماعيل الأزهري والمحجوب ود. عبدالله الطيب ، والطيب صالح ، وعبدالكريم الكابلي. إن أزمة واشكالية النخب في مصر  أنها لم تستطع أن تتحرر من الصور الذهنية النمطية التي رسموها  وتوارثوها عن شخصية السوداني ” عم عثمان”!! ، فالسودان بالنسبة لهم غابات وأدغال وقرود وأحياناً آكلي لحوم البشر وأهله يمشون عراةً ، فالسودان مجهل من مجاهل إفريقيا لم تمر عليه قاطرة الحضارة وليس التحضر فيه أي وجود!!

•    وحتى الذين يدعون ويزعمون أنهم خبراء بالشأن السوداني وفرضوا أنفسهم كمرجعية لدي النخب المصرية، فهؤلاء هم ضيوف دائمين على قادة البيوتات الطائفية الحزبية ولا ينقلون إلا ما يسمعون فيدبجونه على أساس أنه نتاج بحوثهم ومعايشتهم الحية  للشعب السوداني!!

•   هل تذكرون ما حدث في مباراة الجزائر ومصر في السودان وكيف هاجم إبراهيم حجازي السودان دون أن يلم بالحقائق، في ذلك اليوم استمر الرجل يتهم ويرمي باللوم على السودان حتى مطلع الفجر ونحن صابرون كاظمين الغيط عافين عن الناس!!، وكأن لم يكن يكفي أيضاً ما قاله الفنان محمد فؤاد عن السودانيين وقد قال ما لم يقله مالك في الخمر في حين أنه كان بعيداً عن موقع الحدث يدخن الشيشة في وكالة أيمن نور!!

•    والله ما كنت لأستدعي هذه الذكريات والأحداث المؤلمة لولا عتاب صديقنا ، عتاباً غير مؤسس عل حقائق وعندما واجهته بكل هذا لم يجد سبيلاً ولا رداً غير أن يقول ” معاك حق .. علينا أن نراجع أنفسنا”!! ، وقد حمدت له ذلك، فحقاً إن النخب المصرية تحتاج أن تنزل لأرض الواقع السوداني ولا داعي لأن نسمع من خبراء وهميون  يخدعون الآخرين بأنهم ملمون ببواطن الأمور وبالشأن السوداني وفي حقيقة الأمر أننا نعلم  أنهم لم يقصدوا السودان إلا لنزهة وكرم “حاتمي” في بيوتات الأحزاب الطائفية ، وبالمناسبة البعض بدأ التوجه جنوباً فلدولار البترول نكهة ومذاق خاص!! .. وأمثال هؤلاء عندما تسألهم يقولون لك : أن على المرء أن يدرك أين تكمن مصلحته!!

عوافي مصالح .. وعليكم ألف عوافي!!

zorayyab@gmail.com

عن د. ابوبكر يوسف

شاهد أيضاً

اين أنتم ايها المتخمون من معاناة المتضررين؟!! .. بقلم: د.أبوبكر يوسف ابراهيم

  بتجرد أين انتم فلم نسمع لكم صوت ولا حركة؟! اين دور الرأسمالية الوطنية.. اين …

اترك تعليقاً