حمدوك بين تغيير الوزراء والحفاظ على المنهج القديم .. بقلم: د. محمد عثمان عوض الله

9/7/2020

خرج الشعب السوداني في مظاهرات عارمة في 30 من يونيو2020 محتجا على الأوضاع المعيشة. وبالرغم من الاختلافات السياسية والايدلوجية بين المتظاهرين، إلا أن من ابرز سمات تلك المظاهرات هو اتفاق جميع التظاهرين على فشل حكومة السيد حمدوك. فمنهم من طالب باسقاطها ومنهم من طالب بمجرد تصحيح مسارها. التقي السيد حمدوك بطائفة منهم مستمعا لمطالبهم واعدا باتخاذ قرارات قاسية في ظرف اسبوعين. ولكنه ما لبث اسبوعا واحد حتى اصدر تعديلا وزاريا محدودا في وزارته بتاريخ 9/7/2020. وذلك باقالة او استقالة ستة من وزراء حكومته ابرزهم وزراء المالية والصحة والخارجية والطاقة. اذاً لم يتمخض ذلك الحراك الثوري الا عن تغير وزاري محدود.
مجرد تغيير الاسماء:
ولكن من يكترث لمجرد تغيير الاسماء؟ لقد سئمت الشعوب مثل هذه الإجراءات السطحية التي لا تمس جوهر القضية التي خرج المتظاهرون لحلها. وقد اشتهر بها رؤساء سابقون ابرزهم الرئيس نميري والبشير، كما اشتهر بها الرئيس المصري الراحل حسني مبارك. لم يعد الشعب مهتما باسماء الوزراء السابقون ولا اللاحقون بسبب استمرار الحكومات على ذات المنهج، بينما الشعوب تحصد ذات النتائج.
وعي ومرونة شعبية:
لقد أثبتت الشعوب مرونة فائقة ومقدرة عالية على تحمل اخطاء الوزراء المهنية كونهم بشر ومن الجائز في حقهم ارتكاب بعض الاخطاء في حدود معينة. ثم ان الشعبوب لا تكترث ابتداءً للانتماءات السياسية للوزراء وان استغلها البعض للقدح أو المدح لأن الذي يهمها هو الانجاز. بل وقد تصبر الشعوب على قلة كفاءة او خبرة الوزراء، لانهم جميعا ابناء نفس البيئة ونفس الظروف، لقد اعتادت الشعوب على التفاؤول والرجاء والأمل. من ناحية أخرى وكنوع من التشجيع الذكي، وبعد أن غضت الشعوب عن كل هذه الثغرات. فانها كثيرا ما تظهر احتفائا بالجوانب المشرقة لبعض الوزراء. من برز منهم، فأظهر تميزا مهنيا في مجاله، أو اثبت قوة في شخصيته الادارية.
وجه الاعتراض:
ولكن متى تعترض وتحتج الشعوب؟ يأتي الاعتراض الاول للشعبوب على استمرار الحكومات أو الوزير المعين، على ذات المنهج الخاطئ، الذى قاد الى ذات النتائج الخاطئة.
ثم يأتي الاعتراض الثاني على سوء القول والغلظة في الالفاظ والتعالي في التعامل الذي يبرز عادة عند كثير من الوزراء والمسؤولين.
ثالثة الاثافي والتي تخرج الشعبوب من طور الاعتراض الى مرحلة اليأس في اي أمل أو رجاء في اي اصلاح للوزارة، هي حينما تلجأ هذه الوزارة الى التسويف والتضليل والتعتيم والوعود الكاذبة وشراء الوقت.
التغيير الوزاري للسيد حمدوك:
على ضوء التوضيحات أعلاه. فان الذي أقدم عليه السيد حمدوك لايدعو أن يكون مجرد تغيير محدود لبعض الوزراء في أشخاصهم دون أن يقدم للراي العام مقدا للمنهج أو اي توضيح او حتى اعتراف بفشل الوزارة. بل مابرح الشعب يردد متهكما على عباراته من شاكلة: (حنعبر، حنصمد، حننتصر، ثم ختمها بقوله لم ننجح لكننا لم نفشل). هذا النهج يشبه تماما الاكفاء بتغيير سائق (والكمساري) لعربة معطوبة، مع الابقاء على ذات العربة، وهي ماتزال تسير عاكسة الطريق عاكسة الاتجاه.
المنهج الخاطئ لحكومة حمدوك كان وما زال هو:
1/ منهج تكوين لجان واجسام موازية لمؤسسات الدولة. وخصما عليها. واستحداث قوانين خاصة بها وقوانين أخرى لحمايتها. كل ذلك ليسهل استخدامها لتصفية الحسابات السياسية.
2/ المنهج الذي انتج الشرخ الاجتماعي والاستقطاب الحاد والعداء والاقصاء ونشر خطاب الكراهية ين أفراد الشعب كما صرح علنا عضو المجلس السيادي بقوله: نحن في حرب مفتوحة سنجعلهم يصرخون.
3/ منهج أخذ القانون باليد. وتوطؤ مؤسسات الدولة بالتشجيع والحماية والتغطية والتبرير.
4/ منهج التشكيك في مؤسسات الدولة والتبرير للعمل من خارجها واضعافها واعاقتها والتهجم عليها، والاعتداء على موظفيها.
5/ منهج الاستقواء باليات الدولة ضد الخصم السياسي والتغول على حقوقه وذلك بالفصل عن الخدمة والاعتقالات والمصادرات والتشهير. يتم كل ذلك بدون اي احكام قضائية. او اتباع الاجراءات المؤسسية السليمة المتعارفة.
6/منهج الكذب والتضليل وشراء الوقت. من شاكلة: حنعبر. حننتصر..لم ننجح لكننا لم نفشل.
7/ منهج عدم الاعتراف بالاخطاء وعدم تحمل المسؤولية عنها ثم تبريرها بل استخدام شماعة الاخر للتنصل عن المسؤولية عنها.
8/ منهج التضييق على الرأي الاخر. ومصادرة الصحق واغلاق القنوات الفضائية واعتقال الكتاب. بالتزامن مع نشر ثقافة التصفيق والتهليل للحاكم للتشويش على الراي العام والتغبيش على الأخطاء. وقيادة الرأي العام في والهائه وذلك ما تعارف عليه بثقافة القطيع.
هذه النقاط موثقة ومدعومة بعدد لانهائي من الامثلة وهي جزء من المنهج الذي تتبعه حكومة السيد حمدوك لتسيير أعمالها. واذا اضيف اليها النتائج المتمثلة في قسوة الظروف التي يعيشها المواطن وتوقف الخدمات وانعدام السلع… الخ. يمكن على ضوء ذلك وبكل سهولة الاجابة على السؤال الجوهري التالي: هل مجرد الاقدام على تغيير عدد ستة من الوزراء دون نقد حقيقي وتقييم علمي للمنهج المتبع، هل يعتبر اجراء كافي لحل الاشكالات الموصوفة أعلاه، أم هو استمرار على نفس سياسة التضليل والتغبيش وشراء الوقت؟
خاتمة:
مالم يكن السيد حمدوك أمينا مع نفسه، صادقا مع شعبه، واضحا في أهدافه، شفافا في تقييم أداء حكومته، شجاعا في مواجهة شعبه بالحقائق، موضحا لها. فالخشية أن تمر عليه تسعة أشهر أخرى وهو يكرر نفس الأخطاء ويواجه ذات الانتقادات ويقدم ذات المعالجات ويحصد ذات النتائج. وقد تتطور الثورة الى مرحلة الاجماع على اسقاطه.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً