حمدوك يصمت دهرا وينطق القومة للسودان؟ .. بقلم: عبدالله مكاوي
5 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
20 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
اسوأ ما في حكومة حمدوك اننا مجبرون علي تأييدها. علي اعتبارها المولود الشرعي لثورة، طالما حلمنا بها في صحونا ومنامنا، لتأتي اكبر من توقعاتنا، علي مستوي الصمود والتضحيات والابداع الثوري. وكذلك ليس هنالك بدائل في الافق تشي بخيار افضل. ولكن هذا لا يمنع ان تقلبات الاحوال يمكن تاتي ببدائل في اي وقت.
المهم، عندما حضر حمدوك من مقر عمله لقيادة حكومة الثورة، وجد دعم قد يكون غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث. واحتمال قد يكون وجده الدكتور جون قرنق عندما زار السودان، قبل رحيله الفاجع، بدايات التوقيع علي اتفاقية السلام الشامل. والدعم الشعبي الكاسح في الحالتين كان نابع من رغبة جارفة، في احداث تحول حقيقي في مفهوم وطبيعة السلطة، يرد الكرامة والحياة المعافاة للمواطنين المغيبين.
ومؤكد اننا نظلم حمدوك كثيرا عندما نقارنه بالقائد جون قرنق، لان الاخير يملك مشروع منحه كارزمة قيادية، عكس حمدوك الذي يفتقد للمشروع والكارزمة. فهو ليس اكثر من موظف كبير في مؤسسة اممية. والمقصود، حمدوك ليس صاحب مبادرات خلاقة ولكنه يجيد ادوار معدة سلفا. والحال كذلك، فرص نجاح حمدوك متوافرة لو كانت الدولة مستقرة ولها برنامج محدد، وليس في مرحلة اعادة بناء كاملة، كحالتنا الراهنة. خصوصا، وان عمليات البناء في الدول التي تخرج من حروبات وازمات طاحنة، تهدد بقاءها، هي اصعب وبما لا يقاس. وتاليا تحتاج لقادة يملكون الرؤية والقدرة علي اتخاذ القرارات الصعبة وتحدي كل المعوقات.
وعموما، اكبر معضلة عاني منها حمدوك وقصمت ظهر الثورة، انه حاول ان يري مشاكل البلاد برؤية خارجية، او هو كانت ضحية خبراته العملية في منظومة عمل دولية. اي حمدوك كان يقرأ من منهج او مادة، ويمتحن في مادة اخري. اي ما يمكن تلخيصه في حمله اجوبة جاهزة (آلية) لاسئلة مغايرة. وهو ما يذكر بالسؤال عن سياسة بسمارك الخارجية في نكتة امتحان التاريخ الشهيرة، في الشهادة السودانية طيب الله ثراها، كما ذكر احدهم في موقف مشابه.
وازمة السودان مؤكد انها مستعصية. ولكن تحليل الازمة بردها الي اصلها، يحدد كيفية الخروج منها في اقصر زمن وباقل كلفة. فجذر الازمة يتعلقة بمسألة السلطة (وعيها كمفهوم وتطبيقها كغاية). وهو ما افرز كل التعقيدات المتناسلة والمتشابكة، وجعل محاولات حلها منفردة حرث في البحر. ولكن هذه الازمة استفحلت ووصلت مداها الاقصي، بوصول الاسلاموية الي السلطة عبر الانقلاب. وكانت العاقبة، توظيف موارد الدولة بمختلف انواعها للمحافظة علي السلطة (آلهة العجوة). وهذا التوجه قاد لتجريف الحياة بكامل انشطتها، ما عدا ما هو متعلق بخدمة او من يخدم مشروع السلطة. وبما ان هكذا مشروع محكوم بالانسداد، فقد كان مصيره اما السقوط او انهيار الدولة.
وبقيام الثورة وانتهاجها النهج السلمي، في ظروف تقود كلها الي العنف العدمي، تمت حماية الدولة من الانهيار. وكان المتوقع من حكومة الثورة، اعادة التوازن للاختلالات (متلازمة العنف) المرتبطة بمسألة السلطة. والتوجه نحو رد الاعتبار للمواطنين، بوصفهم اصحاب الحق الاصيل في وطنهم، وليس السلطة بغض النظر عن ادعاءتها. اي ما كان مطلوب من حكومة الثورة، الترتيب والعمل علي احداث قطيعة مع وعي السلطة المازوم المتوارث. وذلك بالتخلص من وعي السلطة السيادي/الاستبدادي (الذي يملك كل شئ وله حرية التصرف فيه) الي وعي السلطة الخدمي/الديمقراطي (المقيد بدستور التراضي المجتمعي، والمسؤول عن ادوار الحماية والرعاية وحفظ الحقوق الفردية والمجتمعية). ومؤكد ان هكذا وعي لن يتم استيراده من الخارج، او يتوافر لدي الآخرين لمنحه مجانا.
بناءً علي ما سبق، التحدي الحقيقي ليس اقتصادي كما يتوهم حمدوك ويُنظِّر وزير ماليته البدوي، ولكن التحدي المصيري يتمثل في العمل علي تغيير قوانين اللعبة. والمقصود، الانحياز بصورة سافرة لدولة المواطنة. اي كمنظومة عمل تحكم الفترة الانتقالية. وهو ما يجسده مشروع متكامل يستصحب معه العبء الاقتصادي، الذي اصبح كالعقدة في المنشار. اما ما جعل المشكلة تبدو وكانها اقتصادية او معيشية بحتة، هو ترك الفرصة للكيزان ومن خلفهم المجلس العسكري، ليحددوا قوانين اللعبة وادواتها وميادينها! فكيف والحالة هذه تنتصر الثورة؟ او ينجح او حتي يُشكر حمدوك؟
ومعلوم ان وجود مشروع متكامل متفق عليه، كان سيعزز من فرص حكومة حمدوك للسيطرة علي موارد الدولة، وتاليا توظيفها حسب الاولويات. او اقلاها سيقطع الطريق علي استغلال الثورة بواسطة اعداءها، والمفارقة باسمها وشعاراتها. وللاسف غياب هكذا مشروع يمثل الحلقة المفقودة في الفترة الانتقالية، او كعب اخيلها الذي تعبر من خلاله، كل الاخطاء والخطايا ومن دون انتباه او علاج مبكر. وهو كذلك ما جعل حال الثورة اقرب لحال الايتام في مائدة اللئام. وهو ذات السبب الذي جعل حمدوك يتخبط في سياساته الخارجية، وهو يمارس عمليات استجداء ويقدم تنازلات مجانية! بصورة مذلة لا تليق بكرامة الثورة، التي واجهت الرصاص والموت بجلال مهيب! والمؤسف بعد كل ذلك، ليس هنالك ضمانات باي عوائد حقيقية. اما الجانب الآخر لهذه السياسات الخارجية الرومانسية السيئة، انها حرمت حمدوك من رؤية موارد الداخل وامكاناته! والاهم انه افلت اللحظة الثورية (الزخم الثوري/روح الثورة) التي كانت ستتقبل كل القرارات الصعبة بصدر رحب. بل حتي عندما أُجبر علي التوجه داخليا بسبب كورونا، كان طرحه في غاية السلبية، وهو يستجدي مجتمع فقير يعاني شظف العيش، للقيام بواجبات هي من صميم سلطاته، وكانه يدير نادٍ مغمور في قرية نائية، وليس دول بحجم السودان وموارده! وهذا لا يعني تكسير مجادفيه ان كانت له مجاديف، او تسفيه طرحه وهو الذي حرمنا الطروحات الجادة بسبب فقره القيادي، ولا حتي حرمان الضعفاء في ظروف كورونا من الرعاية والخدمات المستحقة. بل هذا فرض عين علي كل القادرين، بغض النظر عن مثل هكذا دعوات ذات طابع انساني. ولكن المعني ان مدخل حمدوك للولوج للداخل هو مدخل خاطئ، ويتعارض حتي مع الصورة النمطية المرسومة لحمدوك كشخصية اممية قيادية، تؤمن بالتخطيط والنهج العلمي والمؤسسية. بل اعتقد، ان حمدوك بعد ان اقدم علي دعوته هذه وكانه يدير منظمة اهلية، قد فقد ثقة الكثيرين ممن يجدون له الاعذار بصورة دائمة، خوفا من ضياع اهم فرص التحرر والانطلاق.
والمؤكد، ان معالجة جذور الازمة مع توافر الصعوبات الموضوعية، هي اكبر من قدرة حمدوك منفردا، ولكن مشكلة حمدوك انه استسلم للصعوبات، ولم يقدم ما يقنع انه قادر علي مواجهتها. خصوصا، وان الكلام المعسول واستسهال الامور والافراط في تقديم الوعود الحالمة، لا يمثل علاج للازمات، ولكن للاسف يمثل مخدر او هروب الي الامام، يزيد من استفحال الازمات.
لذلك عزيزي حمدوك ليس المطلوب منك طرح مثل هذه المناشدات العاطفية، لاستقطاب الدعم، حتي ولو لقضايا وحاجات حقيقية، فهذا متروك للنشطاء والمشاهير ومنظمات المجتمع المدني، وهي احق به. ولكن المطلوب منك اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب بشكل حاسم. فهل نعشم في ذلك؟ الله اعلم.
واخير، الدعوة موجهة للجميع للمساهمة والتبرع الفاعل، لانجاز اهداف القومة للسودان وكل مشروع مشابه، وهذا للتاكيد ان الاختلاف في الراي لا يفسد واجب المشاركة القومية للقادرين عليها. ودمتم في رعاية الله.
////////////////