حنتوب عظمة الماضي وعبق التاريخ (8) .. بقلم: حمد النيل فضل المولى عبد الرحمن قرشي
28 فبراير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
ولا زلت أذكر عندما اعتصمنا عام ١٩٦٤ بشجرة الإضراب تضامنا مع ثورة أكتوبر وبعد أن تركنا الداخليات توجه زميلنا سيف أحمد حسن فضل السيد إبن ناظر المدرسة آنذاك الي منزل والده بالمدرسة … فأمره والده أن يرجع في الحال لينضم الي زملائه المضربين حتي لا يقال إن إبن ناظر المدرسة متخاذل ترك إخوته ولاذ بمنزل والده وربما قالوا إنه جاسوس لوالده ينقل إليه اسماء الرؤوس المخططة للاضراب … كانوا نظارا وآباء بحق وحقيقة ولذلك كانت المدارس سامقة وحدائق غناء للعلم والمعرفة وشتي الفنون . رغم أن الود كان مفقودا بيننا وبين الأستاذ عبد الباقي محمد الذي وصل حد صراعنا معه إلي أن نتظاهر ضده وبلغت بنا الجرأة محاصرة بيته الكبير علي ضفة النيل الأزرق …
ولكن الرجل كان شجاعاً مقداما لم يأبه بصراخ الطلاب ولا بكثرتهم فخرج من باب بيته يحمل بندقية صيد أشهرها في وجوه المتظاهرين فلاذوا بالفرار واصبحنا فيما بعد نتندر علي بعضنا البعض بسبب الجبن الذي اظهرناه جميعا أمام شخص يتسلح ببندقية صيد …
ويوم صدر الأمر من الوزارة بنقل الاستاذ عبد الباقي الي موقع آخر ابت نفسه إلا أن يدخل فصلا فصلا مودعا أبنائه الطلاب فكان يقول كلاما مؤثرا يقاطعه فيه الطلاب بالتصفيق الحاد والهتاف الداوي .
وهكذا غادرنا الأستاذ عبد الباقي الذي سيظل معلما بارزا في خارطة التعليم والتربية بالسودان … وقد تقلد الوزارة وصار في آخر المطاف مديرا لمدرسه خور عمر النموذجية واستمر عطائه ثرا من خلال المنتدي التربوي وأصبح من كبار الناشطين فيه الي أن اختاره الله تعالى الي جواره تغشاه الرحمة والمغفرة والرضوان.
ما زلت اكرر واعيد رغم مرور الأيام والسنون بأن الزمن الذي قضيناه بالفرقة الثانية مر سريعا مثل الطيف العابر بسبب الاضرابين إبان تولي الأستاذ عبد الباقي محمد إدارة المدرسة …
أن الأستاذ عبد الباقي بصرامته تحتاجه مدرسة صغيرة لا كبيرة كحنتوب التي تحتاج للمرونة والمسايسة إذ أن أي تشدد من قبل الناظر يقابله عناد من قبل الطلاب .
في العام ١٩٦٨/٦٧ كنا بالصف الرابع وحل بالمدرسة ناظر جديد من أبناء المحس إسمه محمد صالح … لم يكن كثير الظهور بالمدرسة ويبدو أنه كان يتحرك كثيرا ما بين الوزارة والمدرسة حتي تنال المدرسة كل ما تحتاج إليه .
كان بالمدرسة نادي ضخم في جهتها الشرقية وهو عبارة عن مقهي كبير تباع فيه المشروبات الباردة والساخنة ومن جهة الغرب كانت توجد عدة مقاهي صغيرة يديرها الأهالي … وكان الطلاب يفضلون المقاهي الغربية لأن حريتهم هنالك في تدخين السجائر لم تكن مقيدة مثل النادي …
كنا نتهيب الناظر ولا نقترب من مكتبه مطلقا وكان لنا مقولة مأثورة بأن من ساقته الظروف لمكتب الناظر لا محالة مفصول من المدرسة … كان الأستاذ محمد صالح يشغل نفسه برسم السياسة العامة للمدرسة ويتحرك كثيرا لتذليل كل العقبات التي تعترض المدرسة ولذا كان مكتبه مغلقا معظم الوقت وكنا لا نراه الا لماما …
وفي يوم من الأيام كنت متجها للنادي فصادفته في طريقي فقررت أن أسلم عليه وأن أدعوه لكوب شاي … فبادلني التحية بأجمل منها لكنه أعتذر عن كوب الشاي بحجة أنه إذا ذهب للنادي فسيجد بعض الطلاب يدخنون ومن واجبه في تلك الحالة أن يوقفهم عند حدهم إذ أنه لا يمكن السكوت عن هذا الأمر فاعتذر قائلا لي لا اريد مضايقتهم ولا اريد بالتالي مضايقة نفسي …
نواصل .
حمد النيل فضل المولى عبد الرحمن قرشي .
خريج حنتوب ١٩٦٨ .
ghamedalneil@gmail.com