تأمُلات
كمال الهِدَي
بمجرد أن وقع بصري على بوسترٍ إعلانيٍ قديم جداً لحفلٍ بكازينو المقرن، أحياه أربعة من أكبر الأسماء في عالم الطرب حينذاك ( إبراهيم عوض، زيدان إبراهيم، خليل إسماعيل وكمال ترباس)، وكان رسم الدخول خمسين قرشاً فقط، تذكرت الضجيج الذي أثاره المدعو “البرنس” قبل أسابيع.
فالمذكور، بالنسبة لي، أحد فقاعات هذا الزمن الأغبر، الذي صار فيه كل عديم موهبةٍ أو فكرةٍ نجماً، وكل مُردد/مُرددة كلماتٍ هابطةٍ مطرباً/مطربة. والعجيب أنهم يتقاضون، نظير ما يقدمونه من غثاء مبالغ طائلة، ويكتنزون الثروات مقابل تخريب الذوق العام وتشنيف آذاننا بكل قبيحٍ من الغناء وساقط القول، وكل ذلك لا يحدث مصادفة، بل بفعل فاعل كما نعلم جميعاً.
فكلما أراد البعض إلهاءنا بقضايا فارغة حركوا هذا “النجم” أو تلك “النجمة” المصنوعة، ليغمروا وسائل الإعلام والوسائط بضجيجٍ فارغ.
ولأننا شعب سهل الانقياد وسريع الهيجان والانفعال، تتكرر معنا مثل هذه المشاهد، وفي كل مرة بدلاً من تجاوزها، ينبري كثيرون للإدلاء بدلوهم حول خلافات تافهة لا تهمنا في شيء، الأمر الذي يزيد من انتشار الضجيج الفارغ ويحقق الهدف الذي يرمي إليه الخبثاء.
في زمن مضى، كان المطرب يظهر بصوته المتفرد وأدائه الجميل واختياره الموفق للكلمات، أما الآن، فليس مطلوباً من المطرب/ المطربة أكثر من خلق الضجيج، واختيار الملابس الجاذبة، أو قل الفاضحة، وإحاطة نفسه/ نفسها بمجموعة من عديمي “الشغلة” الذين يُطلق عليهم لقب “البودي جارد”، وحمل هاتف خلوي حديث، وبذلك يتوسع الانتشار، ولو كان صوته/صوتها نشازاً لا يُحتمل.
وبعد أن كانت نجومية المطرب تُقاس بحضوره على خشبات المسارح واستديوهات الإذاعة والتلفزيون، وبجمال صوته وجزالة مفرداته وتفرد أدائه، أصبحنا نقيس هذه النجومية بعدد مرات ظهوره في الوسائط و ما يحدثه من ضجيج، ولهذا ظهرت شخصيات مريبة مثل المدعو “البرنس” ، وسيطر على صحافتنا الفنية بعض الرويبضات الذين لا هم لهم سوى إثارة الفتن وسط المطربين والمطربات بنقل الكلام وتحريض هذا على تلك، أو تلك على هذه، امعاناً في تجريف عقول كثير من شبابنا وتخريب الذوق العام.
المشكلة لم تعد في صُناع الغثاء، بل في جمهور يمنح هذا الغثاء الحياة كل مرة. فإما أن نرتقي بذائقتنا، أو نظل أسرى لهذا الضجيج الذي نصنعه بأيدينا.
kamalalhidai@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم