دكتور محمد عبدالله
في مشهد يختزل جانباً من المأساة التي يعيشها السودانيون اليوم، تناقل الناس خبراً عن مبادرة أطلقها عدد من رجال الأعمال السودانيين في مصر، تمثلت في شراء قطعة أرض لتكون مقبرة مجانية يُدفن فيها السودانيون الذين يتوفاهم الله بعيداً عن وطنهم. وهي مبادرة إنسانية تستحق التقدير، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، عن عمق التحولات التي فرضتها الحرب على حياة السودانيين.
لم يكن السوداني يفكر يوماً في المكان الذي سيُوارى فيه الثرى. فقد كانت القرية أو المدينة التي شهدت مولده هي، في الغالب، المكان الذي يحتضنه في نهاية رحلته. أما اليوم، فقد أصبح الموت في المنفى واقعاً يفرض ترتيبات لم تكن تخطر على البال، من استخراج التصاريح إلى توفير مكان للدفن، وصولاً إلى مبادرات أهل الخير لتخفيف الأعباء عن الأسر المفجوعة.
ومنذ اندلاع الحرب، تفرقت ملايين الأسر السودانية بين مصر وتشاد وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا ودول الخليج وأوروبا وأميركا. وبقدر ما اتسعت رقعة الوجود السوداني في العالم، اتسعت أيضاً مسافات الغياب عن الوطن. وفي المنافي لا يفقد الإنسان بيته فحسب، بل يفقد أيضاً شبكة العلاقات التي كانت تمنحه الشعور بالأمان؛ الجار الذي يسبق الجميع عند المصاب، والقريب الذي يتولى شؤون الأسرة، والأصدقاء الذين يحيطون أهل الفقيد بالمواساة. وحين تغيب هذه الروابط، تصبح الغربة أكثر قسوة في اللحظات التي يكون الإنسان فيها أحوج إلى الآخرين.
ومن هنا، لا تبدو المبادرات التي تنشأ داخل الجاليات السودانية مجرد أعمال خيرية، بل هي تعبير عن محاولة لاستعادة شيء من المجتمع الذي مزقته الحرب. صندوق لمساعدة المرضى، ولجنة لاستقبال القادمين الجدد، وحملات للتكافل، ومبادرات لتخفيف أعباء الدفن… كلها تعكس حرص السودانيين على أن يبقى التضامن الاجتماعي حياً، حتى في أصعب الظروف.
غير أن هذه المبادرة تحمل أيضاً دلالة مؤلمة. فهي تشير إلى أن المنفى لم يعد محطة عابرة بالنسبة إلى كثيرين، بل أصبح واقعاً يمتد زمنياً إلى الحد الذي يفرض التفكير في تفاصيل الحياة كلها، من تعليم الأبناء والرعاية الاجتماعية إلى المكان الذي يُوارى فيه الإنسان بعد رحيله.
ولا تُقاس قوة المجتمعات بما تبنيه للأحياء وحدهم، بل أيضاً بما تحفظه من كرامة لموتاها. وما قام به أصحاب هذه المبادرة يجسد جانباً أصيلاً من ثقافة التكافل التي عُرف بها السودانيون، ويؤكد أن المجتمع، حين تعجز الدولة أو تغيب، يحاول أن يسد ما يستطيع من الفراغ.
ومع ذلك، يبقى الأمل معقوداً على اليوم الذي لا يحتاج فيه السوداني إلى التفكير في مقبرة خارج وطنه، ولا تضطر أسرته إلى البحث عن مكان يودع فيه أحباءها في أرض الغربة. فالوطن ليس المكان الذي نعيش فيه فحسب، بل هو أيضاً المكان الذي نرجو أن تكتمل فيه رحلتنا الأخيرة، بين أهلنا وعلى الأرض التي حملت خطانا منذ الميلاد.
إن مبادرة شراء مقبرة مجانية تستحق كل تقدير، لكنها تظل، في معناها الأعمق، شاهداً على زمن استثنائي اضطر فيه السودانيون إلى أن يحملوا معهم، إلى المنافي، حتى هم الرحيل الأخير.
muhammedbabiker@aol.co.uk
