خذوا العبرة من زامبيا .. بقلم: نوح حسن أبكر
3 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
انسحب منا عام 2015م وهو يحمل ذكريات مزيجة بالفرح والحزن في زامبيا وقذف بنا الى عالم مجهول هو عالم عام 2016م وما بعده لا ندري ما بداخله من خبايا الدهر ولكننا نتفاءل خيراً بأن يكون القادم خيراً كما قال شاعر سواداني فذ وبلغة البساطة التي عهدناها:
خلي الماضي يمضي أصلو الجاي أحلي
ومع هذا فإن القادم يدعو الى الحذر الشديد لأنه مليء بالمفاجآت السارة والحزينة من ميلاد طفل ووداع مؤقت صديق ووداع نهائي الى عالم القبر المجهول .وكما قال شاعر آخر
أهكذا الدهر بنا يجري ويأكل العمر ولا ندري
علينا أن نتفاءل في العام الجديد بأننا أصبحنا وأصبح الملك لله لنزداد منه قربة ونحمل أكبر قدر من امتعة الأعمال الصالحة التي ليس لها سقف على عكس ما عليه الحال بالنسبة للطيران فكلما زدنا من الحسنات كلما كانت الطائرة التي تقلنا الى الآخرة أكثر إمتاعاً في الرحلة وقلة في المطبات المتمثلة في الذنوب وخالية من الحوادث بإذن الله تعالي الى أن نصل الى بر الأمان وهناك لا علاقة لنا بالدنيا والسياسة حيث ” يوم يفر المرء من أخيه وأُمه وبنيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه” هذه التذكرة المتواضعة لمن يحتفل بميلاد عام جديد فرحاً وهو لا يتمعن قول الشاعر
إنا لنفرح بالأان نقطعها وكل يوم مضى فيه نقص من العمر
فالكيس من وعظ نفسه قبل أن يكون الموت الذي يأتي غفلة هذه الأيام. وليس هذا مدعاة للتشاؤم ولكن مدعاة لأخذ الحياة بجدية والاستفادة من اللحظات التي تضيع هدراً فيما ينفع سواء منفعة شخصية أو المجتمع وسواء عمل دنيوي في حدود مرضاة الله أو أُخروي ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أعود الى زامبيا وأقول إن عام 2015م قد سلب منا أعز أخ وصديق عرفته زامبيا ألا وهو الأخ الفاضل صالح آدم موسي فقد كان بين ظهرانينا في لوساكا في آخر يوم من أيام عام 2015م وغادرنا الى السودان عقب انتهاء فترة عمله في السفارة كقامة جمعت أربعة مناصب في منصب حيث استفاد الفائدة القصوى من اسمه ” صالح” وجسد ذلك في حياته العملية وتعامله مع من حوله فهو صالح لكل زمان ومكان ولله الحمد . فمن صفاته الرسمية وحسب مهام عمله كان يعمل طوال أيام الأُسبوع ويقضي مهامه الرسميه ومهام أعضاء الجالية حتى أنه يتابع ما يهم أفراد الجالية من تجديد جوازات واستخراج بطاقات أكثر مما يتابعه صاحب الشأن ولله الحمد ولا أحد زار زامبيا من السودانيين إلا وكان الأخ صالح في استقباله أو وداعه. إنه شخصية نادرة في هذا العصر الذي يتحين فيه الموظف الفرصة للإنسحاب خلال ساعات العمل بمختلف أنواع الذرائع مع الحرص على أخذ الأجر كاملاً نهاية الشهر – ناسياً أو متناسياً ” من أخذ الأجر حاسبه الله على العمل” . إنني أشفق عليه في منصبه الجديد بالخارجية من استغلال البعض له واتكالهم عليه تواكلاً بحكم همته وجديته في العمل . ظل على هذا المنوال الدؤوب في العمل أربعة أعوام سمان أنعمنا الله فيها بأخ يتمتع بدرجة عالية من الذوق والأخلاق الكريمة في التعامل مع جميع أفراد الجالية والزار الرسميين وغيرهم بحيث لا تجده إلا مبتسماً. وقد لا يعرف البعض هذه الحقيقة وهى أنه ولطيب تعامله حتى مع الزامبيين وعندما احترق المنزل الذي يقطن فيه في لوساكا وتمكنه بفضل من الله من إعادته الى سيرته الأُولى أكرمه صاحب المنزل بالسكن المجاني في المنزل لمدة عام كامل وهذه الحالة نادرة في زمن طغت فيه المادة والجشع. عاد الى السودان بُعيد توديعه وداعاً حاراً وبصورة مشتركة بين السفارة والجالية ومع أنه غادرنا جسدياً إلا أنه سكن قلوب جميع أعضاء الجالية وقد افتقدناه يوم الاحتفال الشعبي بعيد الاستقلال في منزل المستشار بالسفارة الأُستاذ /طاهر حارن الذي أبت نفسه إلا وأن يدعو أعضاء السفارة والجالية الى الاحتفال بالذكرى الستين للاستقلال في منزله إذ تزامن الاحتفال مع اليوبيل الفضي لإفتتاح السفارة في زامبيا حيث رفرف أيضاً علم السودان “عالياً بين الأُمم” فقد كانت المناسبة أيضاً فرصة لسماع أوجه النظر حول مفهوم الاستقلال والغيرة على الوطن من زوايا مختلفة وكأننا في حوار وطني عريض – مع أن لجنة الحوار الوطني تتجاهل آراء من يقطنون في الجنوب الأفريقي من السودانيين الذين يحملون خبرات ثرة عاشوها في دول المهجر علماً بأن تجارب هذه الدول في المصالحة الوطنية هى الأقرب للتطبيق في السودان وليس تجارب أوروبا أو أمريكا أو الدول العربية ولكن الملاحظ أن التركيز في دعوة المغتربين للمشاركة في الحوار لم تخرج من إطار قول الشاعر
رأيت الناس قد ذهبوا الى من عنده ذهب
رأيت الناس منفضة الى من عنده فضة
لقد آن الأون الاستفادة من تجارب الدول الأفريقية مثل زامبيا التي استطاعت بفضل التنوع العرقي في الحكم المحافظة على هوية النسيج الاجتماعي ، فعلى سبيل المثال شهدنا عدداً من الوزراء وهم “خواجات عيونهم خضراء وهنود وملونين حتى أن أحد البيض (الدكتور قاي اسكوت) كان نائباً لرئيس الجمهورية لحوالى ثلاثة أعوام الى أن توفى الرئيس مايكل ساتا ومن ثم حكم زامبيا رئيساً بالنيابة لثلاثة أشهر (أُكتوبر 2014م – يناير 2015م) الى أن آلت السلطة الى رئيس منتخب. كما شهدنا في زامبيا تعيينات في مناصب وزارية لشخصيات في المعارضة ساهمت وظلت تساهم في التنمية الوطنية والحكم الديمقراطي.. صحيح أن هناك شخصيات من المعارضة في الحكومة السودانية وهذا أمر جيد ولكن المطلوب هو مدى تأثيرها السياسي للتغيير نحو الأفضل.
تجربة زامبيا التي أود أن يستفيد منها السودان تتمثل في الاهتمام بالإدارة الأهلية وإعادة هيكلتها من جديد من حيث الاحترام الحكومي واعداد خطة خمسية تعيد هيبتها مرة أُخرى لتسير سيرتها الأُولى. فالإدارة الأهلية في زامبيا قوية لدرجة أن رئيس الجمهورية يسعى اليها ويجلس على الأرض أو ينحني لتحية زعيم قبيلة بينما يظل زعيم القبيلة جالساً ويتحدث مع الرئيس عبر بلهجته المحلية عبر مترجم مع إلمامه الكامل باللغة الانجليزية الرسمية وذلك كدليل على تعزيز دور ومكانة القبيلة ولهجتها في المجتمع. إن زعيم القبيلة في زامبيا يمتلك الأراضي وإذا أرادت الحكومة إقامة مشروع فإنها تطلب بتواضع من زعيم القبيلة منحها قطعة أرض وله الخيار في الموافقة أو الرفض. وهناك امتيازات حكومية تقدم لزعيم القبيلة لتمكينه من أداء مهامه ويحضر رئيس الجمهورية أو من ينوب عنه احتفالات القبائل السنوية كما ويدعو زعماء القبائل والعشائر للتشاور من حين لآخر. قد يقول البعض بأن زمن الإدارة الأهلية قد ولى ولكنه يمكن أن يعود في ثوب قشيب ومعاصر حتى مع انتشار العلم بين الشباب وعزوفهم عن مناصب الادارة الأهلية. يمكن من خلال إعادة هيبة الإدارة الأهلية حل كل منازعات الأراضي والمواشي وحتى الخلافات الطفيفة عن طريق المحاكم الأهلية التي عادة ما تنتهي بالتراضي شريطة ألا يكون هناك انحياز من الدولة لأي طرف كما يمكن أن تكون سلطات الجيش والشرطة وإدارة السجون في مناطق الإدارة الأهلية خاضعة لزعماء الإدارة الأهلية بحيث يتم تنفيذ قرارات الأجاويد بسهولة. استعان الانجليز إبان فترة الاستعمار بالإدارة الأهلية رغم تفوقهم العلمي والأكاديمي واستطاعوا فرض هيبة الدولة واالقانون من خلالهم. وأذكر أن أحد الأشخاص الذين عاصروا الانجليز في جبل حلة بولاية شمال دارفور قد ذكر لي أن مندوب الحاكم الانجليزي كان يحضر جلسات الإدارة الأهلية المعنية بالقضايا الجنائية وكان يطلب من العمدة أو الشرتاي إدارة المحاكمة وإصدار قرار بالتشاور مع أعضاء الإدارة الأهلية والأجاويد وكان دور مندوب الحاكم الانجليزي هو المصادقة على الحكم الذي أصدره زعيم الإدارة الأهلية دون فرض رأي الدولة. بسبب هيبة الإدارة الأهلية في زامبيا واهتمام الحكومة والشركات الاستثمارية بهم يوجد نسيج اجتماعي فريد من نوعه بحيث لا يستطيع أي مرشح حزب سياسي الفوز في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية أو البلدية إذا رفع الشعار القبلي. إننا بحاجة الى الاستفادة من تجارب الدول وخاصة دول الجنوب الأفريقي وأن جمهورية جنوب أفريقيا خير مثال في هذا الصدد.
muazin2@yahoo.com