خطل المشروع الاخلاقي في فكر الاسلاميين .. بقلم: محمد الأشرف
13 مارس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
في لقاء مع المفكر الاسلامي الدكتور حسن مكي علي صدر صفحات الحوش السوداني الالكترونية مؤرخاً في الثالث عشر من شهر مارس الحالي تناول الدكتور كثير من الموضوعات المتعلقة بمسيرة الحركة الاسلامية و لعله جدير بالذكر انه تعمد التأكيد علي الحديث عن تاريخ الاسلاميين في محاربة الاخلاق الضارة في المجتمع علي حسب وصفه. فقد يبدو للوهلة الاولي ان الحديث عن اي مشروعية لنظام الاسلاميين في السودان بعد 27 عاماً من الحكم الحديدي هو ضرب من الترف الفكري ذو الطابع المستخف بمشاهدات المراقب العادي لمخرجات- المشروع النهضوي الاسلامي- و تبعاته علي الوطن و انسانه. جاء في متن الحوار قول الدكتور حسن مكي : “كنا نرغب في التعبير عن الأصالة الإسلامية، والذي جعلنا نكون ضد الشيوعيين هي الأخلاق الجديدة التي كانت طابع كل المثقفين السودانيين.” ثم يردفه مستوضحاً ماذا يعني بالاخلاق الجديدة قائلاً :” احتساء الخمر والعلاقات المفتوحة” ثم “نحن كنا ضد هذا التيار ويرجع الفضل إلى أن أول من أصدر حكماً ضد (الدعارة) هو الأستاذ “علي عثمان محمد طه”.
واضح من الاقتباسات التي اوردناها ان التأكيد علي المشروع الاخلاقي الذي يتبناه الدكتور حسن مكي مقصود في هذا التوقيت بالذات. هذا التوقيت الذي يعلن فيه انهيار المسوق الاخلاقي لحركة الاسلام السياسي و تجربتها المتهالكة اذ لا بأس ان يتطرقوا هنا و هناك لبعض الاشراقات التاريخية التي تظهر كادر الجبهة الاسلامية كحامل للواء التغيير الاجتماعي في الاساس. و لعل القارئ يمكن ان يستدرك بسهولة ان التغيير الاخلاقي المنشود ببرنامج الاسلام السياسي معبراً عنه علي لسان حسن مكي ينزع الي القيم الفردية و المختصة بالسلوك اليومي من سكر و دعارة و خلافه متجاوزاً المعاني السامية للسلوك الجماعي من تكافل و تراحم و محاربة الفقر و مساندة المستضعفين ضد الاستغلال الذي هو بالاساس اللبنة المركزية في تغيير المجتمع نحو الافضل. اكاد المح نبرة الفخر في استشهاد حسن مكي بضربهم للطلاب السكاري في الجامعة كواجب تنظيمي للاخوان الاسلاميين و احراقهم عمداً لاكشاك القمارو تخريبهم لحدث ثقافي مثل حفل (العاجكو) ووصفه لفاعلي هذا السلوك بالفرسان. لا يهمنا في سياق هذه الاستشهادات ابراز الخطل المفاهيمي و ميل الميزان الاخلاقي في فكر الاسلاميين فالتناقضات في المواقف الاخلاقية وحدها كفيلة بدحض هذا الاسراف الفكري و اطلاق العنان لذلك للمشروع المتوهم فالمواقف السياسية لديهم تتسم بالازداوجية في النظرة الاخلاقية تجاه الاخرين فان لم يكن كذلك فما الذي يجعل ضحايا الابادة و الحروب كالفلسطينيين من جهة و الدارفوريين من جهة اخري ليسوا علي قدم المساواة في التضامن الانساني و بل ان الاقربون اولي بالمعروف. اذ يمكن القول هنا ان المشروع الاخلاقي للاسلاميين انتقائي و انحيازي بشكل سافر للموقف الذي يدعم البنية الثقافية للهيمنة علي مقدرات البشر فكان التضامن العروبي- الاسلامي اولي من غيره انسانوياً باعتباره الاقرب للمنطلقات العاطفية للفرد المستهدف فكرياً بما يتسق و تركيبته الاجتماعية و الثقافية. و يتسم كذلك بالبراجماتية التي لا تعترف بالمشاعر الانسانية اللهم الا التي يمكن استثارة العاطفة من خلالها للوصول لهدف سلطوي يمرر من خلاله طبقة طفيلية مركزية ابشع انواع الاستغلال لبني البشر. لذا ان كان الحديث بالمجان فان الحديث عن النزوع الاخلاقي للحركة الاسلامية هو الهراء المجاني. اعتراف حسن مكي نفسه بأن- بعض الاسلاميين يعتقدون ان تزوير الانتخابات عبادة يؤجرون عليها- تضع القيم الاخلاقية للاسلاميين في ميزان التمحيص و النقد. اذ ان الاخلاق قيمة مجردة و مستقلة عن تأثير الموضوع المراد تقييمه اخلاقياً لذلك تتكون الاخلاق في مجال تجريدي مطلق و لا تكتسب صدقيتها بانتقاء حدث سياسي او فكري دون سواه فالاهم في نهاية الامر هو الاتساق و عدم الاتساق الاخلاقي هو الذي يقود في المحصلة الي منظومة فكرية شاملة اشبه بالمنظومة الفاشية و النازية لان الاخلاق النازية تكتسب مشروعيتها من تلقاء نفسها دون الرجوع لمرجعية خارجها وهو بالظبط ما نراه من فكر الاسلاميين فالاخوة التزويريين مشبعون بقياس صدقية الاخلاق لا من فكرة منهجية مبدئية و انما بدرجة قرب او بعد الموضوع عن الوصول للهدف النهائي .
تأسيساً علي ما تقدم و نقضاً للاساس الفكري المنبني علي الاطروحة الاخلاقية ندلف الي بقية حوار الدكتور حسن مكي في شقه الثاني متحدثاً عن الشيوعيين السودانيين فيما يلي من اقتباس:
نقد” مات نظيفاً.. ولكنه لم يُمتحن بوزارة
نعم بيصلوا وبيصوموا وكانوا يصلون في الجامعة، وكثير منهم الآن رجعوا زي “أحمد سليمان” كان يقيم الليل.
اعلاه محاولة لا تخلو من دهاء و مكر وصف به الاسلاميين كثيراً. فظاهر الكلام يقصد به المدح و باطنه المدح بما يشبه الذم. و قد يقول ساذج ما ان حسن مكي انصف الشيوعيين دافعاً تهمة الالحاد و الانحراف عن القيم الاسلامية بعيداً عنهم. وهو في حقيقة الامر ليس اول تصريح من شخصية اسلامية بخصوص صلاة نقد و الشيوعيين حتي صاروا يتسابقون في الادلاء به كلما سنحت سانحة. فالامر في وجهة نظري يستبطن معاني و دلالات خفية وهي ان هذه التصريحات يراد بها تأكيد المرجعية الاخلاقية لتقييم السياسيين و الشيوعيين منهم بالذات هي مرجعية الاسلاميين فهم اصحاب الحق في وصف الاخرين بكمال الاستقامة او الحيدة عنها. فالسؤال هل ان فلاناً يصلي ام لا يصلي , الاجابة عنه لا تعني شيئاً للسياسي الحصيف بالاساس و انما المكر كل المكر في جعل نفسك مرجعية اخلاقية لتقييم شأن ذاتي للاخر . اذن السؤال سؤال التعريف وهو سؤال فكري- ثقافي و من يملك هذا التعريف معرفياً و خلاصة الامر- كما يبدو في ذهنية حسن مكي – ان هؤلاء الشيوعيين الصالحون منهم ليسوا صالحين بالفعل لانهم شيوعيين ذووي فكر مستقل اكتسبوا مصداقيتهم الاخلاقية من مصداقية مشروعهم الانساني. و انما لانهم تقربوا لمرجعيتنا الاسلامية لذلك تفردوا و تميزوا عن غيرهم و هم احق ان يوصفوا بانهم يشبهون الاسلاميين. تماماً كالمقولة الشعبية المتداولة ((و الله الزول ده ما بشبه الناس ديل)). و للتدليل علي الخبث الفكري لحسن مكي انظر للاقتباس الاخر عن احمد سليمان اعلاه. و كانه اراد ان يقول ان استقامة احمد سليمان لم تمهله طويلاً وسط الشيوعيين فجاء الي حيث ينبغي له ان يكون و بالتالي نحن الاسلاميون اخذنا الصالح منهم بقوة مرجعيتنا و شدة الجذب الفكري لدينا. و الحقيقة ان انضمام احمد سليمان للاسلاميين كانت مسألة وقت ولا تمت لمبدئية الافكار لا من قريب او بعيد.
الموضوع الاخر عن نزاهة نقد باعتبارها امر مربك للاسلاميين. ووجه الارباك ان نموذج القائد محمد ابراهيم نقد يجعل الناظر للمشروع المناوئ لفكر نقد نظرة الشك و الريبة و يجعل مصداقية الكيزان الاخلاقية موضع الف تساؤل. لأن محمد ابراهيم نقد – وهو ليس بالطبع الشيوعي الوحيد في تاريخ الحزب الناصع- نموذجاً ناصعاً لقوة الخطاب اليساري و مشروعيته في التغيير الاجتماعي مثلما كان سابقيه. نموذجاً متحداً في الفكر و السلوك و التفاني و الالتزام التاريخي الي جانب المهمشين اجتماعياً و طبقياً. من هنا اختبرت نزاهة نقد , اي من منطلقاته المعرفية و المنهجية لبرنامج حزبه فاذاً لا تحتاج لان تختبرها بوزارة او رئاسة مثلما يقترح حسن مكي في اقتباسه ملتزماً منهجاً تجريبياً لم نسمع به الا عند هؤلاء. فليس بالضرورة ان تقيس كل سياسي تجريبياً بوضعه في وزارة لكل تتأكد من نزاهته فهناك وسائل قياس موضوعية و برامج حزبية تجكم الاخرين قبل استوزارهم. في حقيقة الامر الرجل شعر بحرج الاجابة عن فساد وزراء الاسلاميين و تحول (اشواقهم) الي فلل رئاسية شاهقة و اموال مشبوهة تم غسلها بدماء الابرياء فاستعصت عليه الاجابة والقم حجراً في حين بغتة.
ما اود قوله في نهاية الامر عن شجاعة حسن مكي في اعترافاته الصحفية هي ليست شجاعة مفيدة ولا تخدم اي محاولة لانتشال بلادنا من هول الدمار الذي خلفه مشروعهم الكاذب و انما هي فذلكات و طرقعات باهتة لا تنفذ الي حلول المشكلات بل تحاول اعادة انتاج سيناريو جديد لاكساب مشروع الاسلاميين المتهاوي في السودان نكهة جديدة و طعم كاذب لا يحمل سوي مزيد من المرارات.
muhaashraf@yahoo.com