دارفور ما قبل الحرب .. بقلم: منصور الصويّم

 

قال وزير التعاون الدولي إدريس سليمان، إن تقديرات بعثة جامعة الدول العربية، تكشف عن “حاجة ولايات دارفور إلى ثمانية مليارات دولار لإعادة الأوضاع هناك إلى ما قبل الحرب”. القراءة الأولى لهذا التصريح قد تدفع المرء للتوقف عند المبلغ الدولاري الملياري الذي قدرته بعثة جامعة الدول العربية لـ “إعادة إعمار ولايات دارفور”، لكن إذا أعدت القراءة مرة أخرى ستكتشف أن مبعث الدهشة يأتي من جهة أخرى وليس ضخامة المبلغ المرصود أو قلته، وذلك يكمن بالضبط في الجملة التي تقول “لإعادة الأوضاع هناك إلى ما قبل الحرب”. يا للهول، إذن كل هذا المليارات من الدولارات بعد صرفها على “التعمير” ستعيد الأوضاع في دارفور فقط إلى ما قبل الحرب. الشيء الذي يدفع المرء للتساؤل ما هي الأوضاع التي كانت في دارفور قبل الحرب حتى تعاد إليها؟ هل كان هناك شيء من الأساس؟

ليس بالاكتشاف الجديد حين نقول إن من الأسباب الرئيسية للحرب في دارفور وكافة أشكال التراجع في هذا الإقليم الشاسع، الإحساس العام بافتقاد الإقليم إلى التنمية والاهمال والتهمييش طوال عمر الدولة السودانية الحديثة. فالحياة في هذا الإقليم الغني بالثروات – قبل الحرب وبعدها – لا زالت في طورها الأولي بعيدا عن كل أشكال التطوير والتحديث، على مستوى البنى التحتية وتنمية الإنسان وتعليمه وما يتاح له من جوانب الحضارة التي تسهل من حياته. المشاكل التي تواجه “مواطن دارفور” تتعلق بمياه الشرب، بالإنارة – الكهرباء – بالتعليم الجيد ومكافحة الأمية “المدارس”، بالصحة “المستشفيات الحديثة والمراكز الصحية وتوفير الدواء”، بانفلات الأمن وانتشار السلاح وعصابات النهب المسلح “قبل الحرب، أثناءها، وبعدها”، بالحروب القبلية المأساوية، وليدة الجهل والتعصب الأعمى. وهكذا إلى أن نصل إلى المشاكل الكبرى المتعلقة بـ الأرض وحيازتها وكيفية استثمارها والتنازع حولها. تلك دارفور قبل الحرب.
لقد عشت في دارفور قبل الحرب، فأنا من مواليد مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، نشأت وترعرعت هناك وأكاد أجزم بأنني قد سحت جيدا في ربوع هذه الولاية وبعض المناطق الأخرى المتاخمة من ولايتي شمال وغرب دارفور. سافرت كثيرا داخل دارفور وشاهدت بعيني ولمست حجم التخلف الذي يواجه إنسان تلك المنطقة، سواء أكان هذا الإنسان مزارعا مستقرا أو راعيا يسعى “الماشية” في الخلاء الشاسع، لا فرق، فالمعاناة هي المعاناة؛ مع الطبيعة و”الحكومة” والأعداء المتربصين: الفقر والمرض والجهل. شهدت بدايات إرهاصات الحرب هناك، حزنت لفقدان أشخاص أعرفهم ماتوا أثناء ذلك، وعرفت جيدا معنى أن تفتقد الأمن في موطنك وأن تفتقد هذا الوطن لسنوات وسنوات.
نعم الحديث عن العودة إلى الأوضاع في دارفور ما قبل الحرب حديث طيب ومبشر ويحيل بشكل مباشر إلى أن الحرب في هذه البقعة الطيبة من أرض الوطن سوف تنتهي قريبا. لكن هذا لا يمنع من التفكير الجاد في هذه الأحوال التي يراد العودة إليها – ما قبل الحرب – والنظر إليها بجدية ومسؤولية أكبر، ففي ثناياها تكمن الأسباب التي قادت إلى الحرب والتأخر والتخلف وما تكون من إحساس ضاغط بالظلم والتهمييش.
mansourem@hotmail.com

////////////////

//////////////////

//////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً