دار السلام بين سعير الحرب وأمال السلام .. بقلم: معتز إبراهيم صالح
26 يوليو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
83 زيارة
مدخل :
تحايلت علي النص أو تحايل النص علي ليصير قصة قصير ،بدل من مقدمة لمقال بدأت كتابته ولم أجده مناسب فسرعان ما تركته، وكتبت مقال منفصل بعنوان جنوب السودان بين الرعب وسيناريو الموت ،وبعد فترة توسل النص إلي لإتمام مراحل نموه ، وتحت إصراره كانت الولادة قيصريا ومرهقة، وخرج هجين بين المقال والقصة القصيرة والسرد التاريخي ،أو ربما شيء أخر كما الجابرية عند الشاعر محمد حسن سالم حميد :
آ الجابرية عذابك فينا ..لاكي القرية ولا كي مدينة
أو جدلية سيطرت سلطة الراوي المطلقة علي الكاتب كما أثاراها الأديب عبدالعزيز بركة ساكن في روايته الرجل الخراب ، استسلمت لسيطرت راوي متمرد لا يراعي الحدود الفاصلة بين القصة والمقال ولا يلتزم بمعايير كتابة القصة ،ولا يهتم برأي النقاد، فأنتجنا معا بوح خاص لتداعيات مؤلمة أو سموها ما شئتم ، قصة قصيرة ، سرد تاريخي ، فهذا المدخل بمثابة براءة ذمة أدبية إذا ما أصيب القاري بالحيرة والارتباك ، واليكم النص المربك المؤلم .
في يوم ممطر وضعت كرستينا ابنتها الوحيدة في مدينة توريت ، وسط أفراح وزغاريد القبيلة ، وكأن السماء تشاركهم الفرحة من خلال صوت الرعد ودعاش المطر ، وبدأت الرقصات علي موسيقي صاخبة ابتهاجا وفرحا بقدوم المولودة ،متمنين لها الحب والتوفيق والسلام والأمن الذي ظل مفقود طيلة حياة الأم وحتى بعد إنجابها ، فاختارت لها اسم دار السلام رغما أن الاسم غير مألوف في قبيلتها ، والاسم من اختيار خالتها التي نزحت إلي الخرطوم من لهيب الحرب المذعورة ، فأصرت عليه الأم إصرارا عجيبا وكأنها استحوذت علي كنز ثمين ، الاسم بالنسبة لها ساحر وذو مدلول مفقود في حياتها اليومية ، وفألا طيبا وتميمة لابنتها ، وأحست بالذنب وتذكرت زوجها ورغبته في تسمية بنته البكر بماري ، وهما جلوس تحت ظل شجرة الباباي ويحتسيا في مريسة ما بعد الظهر ،ويتداولان في إخبار الموت في بانتيو ومذبحة ملكال ،وقصر نظر الحكومة في إنهاء المشاكل السياسية عبر حرب لا تبقي ولا تذر ، بدل من تطوير اتفاقية السلام لتكون واقع يمشي بين الناس ،وليس إجهاضها كم حدث ، وفرض مشروع أحادي في بلد متنوع ومتعدد الأديان والثقافات ، وبعد محاولات عديدة من أختها التي تقطن حي مايو بالخرطوم ، أن تترك مدينتها وتأتي لتسكن معها حتى لا تفقد ابنتها كما فقدت زوجها. ذات صباح هادئ وهي تعد وجبة الإفطار ،فإذا بالجيش الحكومي عاث في مدينتها فسادا وأحالها إلي خراب ،وبدل هدوءها إلي ضجيج.
ولا صوت يعلو فوق صوت الرصاص ،وتصاعد دخان كثيف إلي السماء التي كانت صافية عند الصباح ،فرأت زوجها يسبح في بركة من الدماء وسط كوم من الجثث ، والناس يفرون من الموت بلا هدى ، وهي حبلي لا تقوى علي الحركة والركض ،ومن هول ما رأت فقدت توازنها وسقطت مغشيا عليها ، استعادت وعيها وهي طريحة الفراش ممنوعة من الحركة ، والحرب مابين كر وفر ،الهدوء الذي يسبق العاصفة ،والمنافقين والمتاجرين بالدين أمراء الحرب والإرهاب صاروا حكاما اليوم، ،و ظل الوضع أسوأ مما كان عليه ، والخراب والدمار يمد لسانه ويسخر من تصريحات المسئولين ،والهوس والقتل والدمار يسيطر علي الحكومة الجديدة ، وكل همهم استنفار الناس واستغلال عاطفتهم الدينية ، بعد تحويل الصراع السياسي إلي حرب دينية مقدسة، وإعلان الجهاد كفرض عين علي المسلمين ،لقتل الكفرة داخل وطنهم ،واغلقت الجامعات والتجنيد الإجباري يلاحق الشباب والأطفال ليذهبوا إلي محرقة الجنوب ويكونوا وقودا للحرب ، وعليهم أن يضعوا أحلامهم وطموحاتهم في فوهة البندقية ويصوبها نحو أخوتهم وشركائهم في الوطن واصدقائهم في أفراحهم وأتراحهم وأماكن عملهم ،فعن أي عدو تتحدثون ، لنترك له قاعات الدراسة ، والعمل الذي يسد رمق أهلنا ، ونتعلم فنون القتال ونسير في الغابات لا لنكتشف سحرها وجمالها ولكن لندمرها ونبيدها ،تبا لكم ولأفكاركم .
وكانت مدينة توريت في مخيلتهم رأس الفتنة ،لان شرارة المطالب السياسية انطلقت منها عام 1955، فكانت جل أشعارهم تتوعد المدينة الساحرة ذات الخضرة والجمال بالفوضى والدمار :
توريت يا توريت يا ارض الفداء ….آليتُ أجعل منك مقبــــرة العدا ذقتُ الردى إن لم أعد لكِ سيدا ……. طعم الردى دون الحياة مشردا
فتكررت عملية الهجوم عليهم مرار وتكرار ، ونزحت إلي الخرطوم حيث تقطن أختها ،ودار السلام عمرها تسعة سنوات لم تتلقي أي نوع من التعليم بعد ، وبعد جهد جهيد ودفع رسوم للمدير كتسهيلات حصلت علي فرصة في مدرسة الأساس ،وهي عبارة عن رواكيب تدخلها أشعة الشمس من كل جانب ، أما في فصل الخريف نكتفي بالمثل السوداني الشهير ( ما تشكر لي راكوبة في الخريف ) ،والطالبة المحظوظة من تجد مساحة خالية تجلس عليها في الأرض ، حيث لا توجد كراسي ومقاعد لتجلس الطالبات عليها ،فالأغلبية يدرسون في ظل الشجر وفي بعض الأحيان تحت أشعة الشمس ، برغم بؤس المدرسة كانت دار السلام متفوقة في دراستها ، أحرزت نسبة عالية في شهادة الأساس تؤهلها إلي المدرسة الثانوية بنفس الحي وبذات المشهد والملامح .
ودار السلام ذات جمال ساحر ممشوقة القوام فصيحة اللسان بلكنة جنوبية محببة ، نشيطة في الجمعيات الأدبية ، وفي جمعيات الحي الخيرية ، وصارت محبوبة لدى الجميع ،علي قدر عالي من المسئولة همها أن ترتاح أمها من بيع الأطعمة والخمور البلدية التي لا تدر لها أرباحا وبالكاد تمنعها من التوسل ،وتذكرت دار السلام موقفا عصيا علي النسيان ،وهي تساعد أمها في الإجازات وتبيع الفول والتسالي والترمس وحلوة زهيدة الثمن ،وتتجول بين الناس عارضة عليهم بضاعتها وتاركه طفولتها عند تسريحة عروستها التي لم تكتمل بعد ، ولن تكتمل بعد أن فرض عليها الواقع أن تودع طفولتها و تصرف علي تعليمها من رسوم المدرسة إلي شراء الكتب والدفاتر وحتى ميز المعلمات وطباعة الامتحانات ،والمدرسة لاتوفر لها إلا مساحة ارض خالية تجلس عليها ،ودار السلام تقنع الناس بطريقتها لشراء ما تبقي من بضاعتها ، فاذا بشرطة النظام العام تداهم السوق وتصادر الأطعمة وأدوات العمل وتعتقل البائعات ، احد أفراد الشرطة يضرب امها بعنف وتسقط أرضا وتنزف فيركلها بقدمه اليسرى علي وجهها ،كلاعب يسدد كرة نحو المرمي ويصيح كلكم طابور خامس ، ويرددوا باقي أفراد الشرطة في نشوة(جيبوا حي جيبوا حي) ،فكل ما تحدق دار السلام في وجه امها وتري العلامة التي خلفتها تلك الركلة تستقر دمعة في خدها تحكي ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، وكفاح ام ضحت بكل وقتها من اجل اسعادها . اختارت دار السلام المساق الأدبي برغم إصرار أستاذتها علي المساق العلمي لتصبح طبيبة وهي مؤهلة لذلك ، كانت رغبتها الأولي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم ،أول يوم لها في الجامعة شهدت مظاهرات حاشدة تطالب بعودة الاتحاد وأحداث عنف من قبل طلاب المؤتمر الوطني ،انضمت إلي عضوية الحركة الشعبية لتحرير السودان ،وصارت نجمة أركان النقاش في الجامعة بلا منازع ، تبشر بالسودان الجديد،وتؤمن بوطن واحد قوي ومتماسك يشارك الجميع في رسم ملامحه وتحديد مصيره وكانت دائما ما تردد قصيدة شاعر الشعب محجوب شريف وتعتبرها خارطة طريق لبناء الوطن :
وطن حدادي مدادي … ما بنبنيهو فرادي …ولا بالضجة في الرادي …
ولا الخطب الحماسية…وطن بالفيهو نتساوى…نحلم .. نقرأ .. نتداوى مساكن كهرباء وموية…تحتنا الظلمة تتهاوى
كانت متحفظة علي اتفاقية نيفاشا للسلام باعتبارها ثنائية ، وتؤيدها باعتبارها صنعت السلام وفرصة للقوي السياسية الحية التي لديها مصلحة في التغيير أن تكثف جهودها في ظل هامش كبير للحريات أتاحته الاتفاقية، لم تنام ليلتها والجماهير علي مد البصر لم تسعهم الساحة الخضراء وطريق المطار
لاستقبال الزعيم د. جون قرنق ،احتست طعم الانتصار قهوة وشاي ،ورؤية السودان الجديد تمتد وتدخل المدن والقرى والبيوت ،والناس متفاعلة ومنفعلة بها ،والزحام الايجابي في كل المراكز للانضمام للحركة الشعبية ،وأمالهم وأحلامهم في وطن يسع ويسعد الجميع قيد التحقيق ،ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، فكانت الصدمة اكبر من حدود الاحتمال ، أقرب إلي الخيال ابعد من التصديق ، أشبه بفيلم لمخرج يحب الغموض والنهايات المربكة ،سقطت طائرة الزعيم والبطل والأب الروحي جون قرنق ،مات أم قتل فقد أحال الأحلام إلي سراب ، والأمنيات إلي عذبات ، انفعل الجميع كل علي حسب طريقته ، والاتهامات موجه إلي المؤتمر الوطني بتصفية بطل الحرب والسلام ، سيناريو الموت يشبه أساليب الحكومة المحفوظة في غدرها،كما الأفلام الهندية عند نهاياتها ، لابد أن ينتصر البطل كما لابد أن يغدر ويتآمر المؤتمر الوطني ،فكان الحريق والفوضى والدمار ضد كل ما هو شمالي ، فالغضب وموت الأمنيات عمى البصر والبصيرة لتميز بين المتعاطف والشامت الشمالي ، فكانت ردت الشماليين اقوى واعنف ،بما يعرف بالاثنين والثلاثاء الأسودين ، من المؤسف كان الضرب علي الهوية الشمالية والجنوبية ،ولو كانت الثورة والغضب ضد الحكومة لتضامن وتجاوب معها معظم الشماليين ، والفرق شاسع ما بين الحكومة الشمالية والمواطنين الشماليين ، وهذا الحدث كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ،ليكون خنجر مسموم في خاصرة الوحدة الجاذبة ، مع سكاكين أخري تقطع وتمنع عناق النخلة والأبنوس ، ودار السلام كأنها في كابوس مزعج تريد أن تفيق ولكن بلا جدوى ، فانكسر المرق وأشتت الرصاص ،نفس الصدمة التي أصابتها ليلة وفاة أمها بعد شهر من زواجها بدنيق وكأنها كانت تريد أن تطمئن عليها ثم ترحل ، والبلد تذهب نحو الانفصال وتعلن هزيمة رؤية السودان الجديد والوحدة الجاذبة ، ويفتح الجنوبيين نوافذ الأمنيات بدولة قوية ومتقدمة تعوضهم لهيب النيران والدماء والدموع ، ودار السلام تقف مع خيار أبناء جلدتها وتعمل من اجل تحقيق الأحلام إلي واقع أفضل ،وذهبت إلي جوبا واحتفلت باستقلال وطنها ، وكانت مرتبكة تفرح أم تحزن ، تلعن المؤتمر الوطني ام السكون والغضب الشعبي المحبوس في الصدور ، ربما لو سقطت الحكومة لكان هنالك خيار أخر ، لو نجحت القوي السياسية لإزالة الحكومة سوف تتغير الخارطة السياسية و العلاقات الخارجية ،وننتج وحدة علي شكل ما ، والي أن يحين ذلك لكل حدث حديث ، فقد حان أوان التعمير لنبدأ بداية صحيحة ، ونحتفظ بعلاقات جيدة مع كل الدول بما فيها حكومة المؤتمر الوطني ، فالوقت للعمل وليست للعداء ، وندير بحكمة التنوع ونظل كلنا علي قلب رجل واحد ، وبنى الجميع أحلامهم وأمنياتهم قصور ومدارس وشوارع معبدة بالإسفلت ،ولكن ما نيل المطالب بالتمني ، والحركة تضج بها الخلافات ، ولا انجاز يذكر والإحباط تسرب إلي الجميع قاعدة وقيادة ،
ودار السلام تذهب إلي مسقط رأسها إلي توريت ، محملة بشجون وذكريات أمها ،التي لا تمل من سرد ذكرياتها المؤلمة ولا تمل هي من سماعها ، فالان ستشاهد وتعيش ما كانت تسمعه ، قامت بنظافة البيت هي وابنتيها جاكلين واستيلا ،ينتظرن غروب الشمس وطلوع القمر لتحكي لهما عن أمها وأبيها الذي لم تراه ، ولكن كان القدر يخبئ لهم حكاية أخري ،حكاية زرع السياسيين للاختلاف والمكايد والمؤامرات وسقي بذرة التعصب القبلي ليحصدوا هشيم تأكله نيران المدافع والدبابات ، واستعرت الحرب التي كانت تدور في تصريحات الرئيس ونائبه وفي حديثهم المبطن المسموم ، والرصاص يحصد الأرواح ،ورائحة الموت تغطي المكان ، والجثث بعضها فوق بعض ، زوجها وبنتيها جاكلين واستيلا وحكايات أمها وأبيها ، وهي في حالة خطيرة اقرب إلي الموت ، وهل كانت حياتهم بعيد عن الموت ، فشعبها دائما يعيش مابين الرعب وسيناريو الموت ، من قال أن التاريخ لم يعد نفسه ، من قال أن اليوم لا يشبه البارحة، من قال أن نمط الحياة لا يتشابه كأوراق العملة من نفس الفئة ، أجيال وراء أجيال من شعبها يحصدهم الموت أو هاربين من حياة الجحيم ،في القرن الماضي أو بداية الألفية الجديدة ، موحدين أم اختاروا الانفصال ،بأيديهم أو بأيدي غيرهم ، حصادهم الموت وثمارهم الجروح والنزوح ،ودار السلام تلفظ أنفاسها الأخيرة وتهذي جاكلين ،استيلا،دينق ، وحكايتها وحكاية أمها وأبيها وحكاية شعب كتب عليه بسبب العنصرية والكراهية والتخبط وحب الذات أن يعيش تحت لهيب النار وصوت الرصاص أو جثث منتشرة في العراء .
motaz113@hotmail.com