باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 7 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

دعوة العمل المدني داخل السودان بين القمع الفعلي ومؤشرات التفاهم غير المعلن بين الحزب الشيوعي والجيش

اخر تحديث: 7 أغسطس, 2026 11:06 صباحًا
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال مدى واقعية دعوة الحزب الشيوعي السوداني إلى العمل المدني في ظل الحرب، منطلقاً من أن تقييم هذه الدعوة لا يعتمد على موقف الحزب المعلن وحده، بل على البيئة القانونية والأمنية والسياسية التي أصبحت تحكم النشاط المدني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويرى أن السودان تحول إلى فضاء مدني مغلق نتيجة انهيار مؤسسات الدولة، وتعدد سلطات الأمر الواقع، واتساع الانتهاكات ضد المدنيين، وارتفاع معدلات النزوح والقتل، بما يجعل النشاط المدني المعارض محفوفاً بمخاطر الاعتقال والتعذيب والمحاكمة. وفي المقابل، يناقش المقال وجود مؤشرات على تفاهمات عملية وغير معلنة بين الحزب الشيوعي وبعض مؤسسات وسلطات الجيش، مع التأكيد أن هذه المؤشرات لا ترقى وحدها إلى إثبات وجود اتفاق مركزي سري، لكنها تستدعي التحقق والشفافية. ويخلص إلى أن الدعوة إلى العمل المدني لا تكون واقعية إلا إذا أعيد تعريفها بوصفها عملاً مستقلاً يركز على حماية المدنيين، والدفاع عن الحقوق، وتقديم الخدمات، والتوثيق، والوساطة، بعيداً عن التداخل مع العمل العسكري.

يرى المقال أن الفضاء المدني داخل السودان لم يعد يخضع لمنطق الدولة السلطوية التقليدية، بل أصبح خاضعاً لمنطق الحرب، حيث تتوزع السلطة بين أطراف مسلحة، وتتراجع سيادة القانون، ويواجه المدنيون والناشطون والصحفيون والمحامون مخاطر الاعتقال والاستهداف بسبب آرائهم أو أنشطتهم أو حتى بسبب محتوى هواتفهم المحمولة. ويشير إلى توسع استخدام الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان وأعضاء لجان المقاومة، مع توسيع مفهوم “التعاون مع العدو” ليشمل النشاط المدني والإنساني والمواقف السياسية، بما يؤدي إلى إضعاف أي مساحة مستقلة للعمل المدني.

ويستعرض المقال عدداً من القضايا التي يعتبرها دليلاً على طبيعة البيئة القمعية، وفي مقدمتها قضية الصيدلي والناشط أحمد شفا، التي بدأت من نقاش خاص حول الحرب داخل صيدلية، ثم تحولت إلى محاكمة جنائية بتهم تتعلق بإثارة التذمر والإخلال بالسلام العام. ويرى أن هذه القضية تكشف انتقال الرقابة من المجال العام إلى الحياة اليومية، كما يسلط الضوء على اضطراب الإجراءات القضائية وتعدد القرارات المتعلقة بالقضية، ثم الحكم بالسجن والغرامة قبل تعديله استئنافياً، مع استمرار الإدانة، وما أثارته المحاكمة من تساؤلات حول استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

كما يعرض قضية المحامي والمدافع الحقوقي محمد عز الدين، الذي اعتقل لفترة طويلة قبل تقديمه للمحاكمة بتهم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، مع ورود ادعاءات عن تعرضه للتعذيب وحرمانه من الرعاية الطبية ومن التواصل المنتظم مع محاميه وأسرته. ويرى المقال أن استهداف المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان يقوض أحد أهم شروط العمل المدني، لأن المحامي نفسه يصبح معرضاً للملاحقة بسبب نشاطه الحقوقي، مما يحد من قدرة المجتمع المدني على الدفاع عن ضحايا الانتهاكات.

ويعتبر المقال أن هذه الوقائع تدل على أن العمل المدني المعارض لا يواجه مجرد صعوبات تنظيمية أو لوجستية، وإنما يواجه بنية قمعية تستخدم القانون والأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة لتجريم المعارضة السلمية، الأمر الذي يجعل الدعوة إلى نشاط مدني علني واسع غير واقعية ما لم تتغير البيئة القانونية والسياسية.

ويناقش المقال التناقض بين خطاب الحزب الشيوعي الداعي إلى العمل المدني ووقف الحرب، وبين ما يرد من معلومات عن مشاركة عدد من أعضائه أو مؤيديه في المقاومة الشعبية المسلحة إلى جانب الجيش. ويشير إلى أن هذه المشاركة قد تكون فردية أو ناتجة عن ظروف محلية أو اجتماعية أو أمنية، ولا تعني بالضرورة وجود قرار مركزي من الحزب، لكنها تفرض على القيادة توضيح موقفها الرسمي منها، لأن استمرار الغموض يضعف مصداقية الحزب ويخلق تناقضاً بين رفض عسكرة السياسة والانخراط العملي في تشكيلات مسلحة.

ويرى أن الحرب أدت إلى تعدد دوائر الولاء داخل الحزب، بحيث قد يقدم بعض الأعضاء الولاء للمجتمع المحلي أو الأسرة أو المنطقة على الالتزام بالخط السياسي المركزي، كما أن الحرب خلقت ضغوطاً تدفع الأحزاب إلى التعاون مع السلطات العسكرية للحصول على مساحة للحركة أو لتقديم الخدمات. ويؤكد أن هذا التعاون لا يمثل بالضرورة خيانة سياسية، لكنه يفرض تكلفة أخلاقية وسياسية تستوجب الإفصاح عنها ومناقشتها بشفافية.

ويستعرض المقال عدداً من المؤشرات التي يراها دالة على وجود تفاهمات عملية غير معلنة بين الحزب وبعض سلطات الجيش. ويضع في مقدمتها مشاركة أعضاء أو متعاطفين مع الحزب في المقاومة الشعبية المسلحة، معتبراً أن دلالة هذا المؤشر تعتمد على ما إذا كانت المشاركة فردية أم منظمة، وما إذا كانت تتم بتوجيه حزبي أو ضمن ترتيبات مع الجيش، وما إذا كان المشاركون يحتفظون بصفاتهم التنظيمية أو يستخدمون رموز الحزب في التعبئة.

كما يناقش السماح للحزب في بعض الفترات بإقامة مناسبات وندوات في مناطق سيطرة الجيش، مع الإشارة إلى أن السلطات منعت في أوقات أخرى فعاليات للحزب واقتحمت داره ومنعت ندواته. ويرى أن هذا التباين لا ينفي احتمال وجود تفاهمات، بل يشير إلى أن السماح بالنشاط يتم بصورة انتقائية وخاضعة لتقدير الأجهزة الأمنية، بحيث يسمح ببعض الأنشطة التاريخية أو التنظيمية بينما تمنع الأنشطة التي تتناول الحرب أو تنتقد السلطة أو تدعو إلى الاحتجاج.

ويتناول المقال مبادرة فرعية الحزب في عطبرة لمعالجة أزمة المياه عبر تمويل مشروع للطاقة الشمسية وتشغيل محطات المياه بالتعاون مع وزارة البنى التحتية بولاية نهر النيل، مع تشكيل آلية مشتركة بين الحزب والوزارة لدراسة المشروع. ويرى أن المبادرة تمثل شكلاً من أشكال التعاون المؤسسي مع سلطة قائمة في مناطق سيطرة الجيش، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود تحالف سياسي، إذ قد تكون تعبيراً عن عمل خدمي أو نقابي أو مهني، إلا أن غياب الشفافية بشأن التمويل وآليات التنفيذ وطبيعة العلاقة مع السلطات يفتح المجال للتساؤلات.

كما يشير إلى أن الاجتماعات الرسمية مع المسؤولين المحليين، والحصول على موافقات للنشاط، وتنفيذ مشروعات خدمية، تمثل مجتمعة مؤشرات على وجود قنوات اتصال عملية بين الحزب والسلطات، لكنها لا تثبت وحدها وجود اتفاق سياسي سري، بل قد تعكس تفاهمات محلية أو احتياجات متبادلة فرضتها ظروف الحرب.

ويخصص المقال جزءاً لتقدير الأدلة، فيميز بين ثلاث فرضيات تفسيرية. الأولى تفترض وجود تفاهم مركزي سري بين قيادة الحزب والجيش، لكنها تحتاج إلى أدلة مباشرة ووثائق وشهادات قوية. والثانية تفترض وجود تفاهمات محلية متعددة بين فروع الحزب والسلطات المحلية، ويرى أنها تجد دعماً أكبر في الوقائع المتاحة. أما الثالثة فتفترض وجود تباين بين القيادة والقاعدة، بحيث يلتزم الحزب رسمياً بخطاب مدني بينما ينخرط بعض أعضائه بصورة فردية أو محلية في الحرب. ويخلص إلى أن الأدلة الحالية تدعم وجود تعاون موضعي وتفاهمات عملية، لكنها لا تكفي للجزم بوجود اتفاق استراتيجي شامل.

ويؤكد ضرورة التمييز بين الوقائع المباشرة، والشهادات الصحفية والحقوقية، والاستنتاجات التحليلية، والأحكام المتعلقة بالنوايا، مع التشديد على أن المؤشرات القوية لا تعني إثباتاً قاطعاً، وأن كثيراً من المعلومات المتعلقة بالمشاركة المسلحة أو التمويل لا تزال بحاجة إلى توثيق مستقل.

ويرى المقال أن دعوة الحزب إلى العمل المدني تصبح غير واقعية لعدة أسباب مترابطة، أهمها غياب الضمانات القانونية، والتعامل الانتقائي مع المدنيين، وغموض الحدود بين المدني والمقاتل بسبب انتشار المقاومة الشعبية، وتأثير التعاون مع السلطات على استقلال الحزب، والخوف من اتهام الناشطين بالتعاون مع أحد أطراف الحرب. كما يشير إلى أن الحرب والنزوح والانقسام التنظيمي أضعفت قدرة الأحزاب على تنظيم نشاط مدني واسع، وأن الأولوية العملية في كثير من المناطق أصبحت لتقديم الإغاثة والخدمات الأساسية لا لتنظيم الاحتجاجات أو الأنشطة السياسية.

ويقدم المقال قراءة متعددة الأبعاد لمبادرة عطبرة، فيعتبرها قابلة للتفسير بوصفها خدمة عامة للمواطنين، أو محاولة لإعادة بناء الشرعية المحلية، أو مؤشراً على تفاهم سياسي مع سلطات الجيش. ويرى أن الحسم بين هذه التفسيرات يتطلب شفافية كاملة بشأن مصادر التمويل وآليات التنفيذ والإدارة والرقابة، إضافة إلى مقارنة المبادرة بمشروعات مماثلة تنفذها جهات مدنية مستقلة، حتى يمكن التمييز بين الخدمة العامة والتوظيف السياسي.

ويقترح المقال مجموعة من الشروط التي ينبغي توافرها إذا أراد الحزب الحفاظ على مصداقية دعوته إلى العمل المدني، وتشمل إعلان موقف واضح من المشاركة في التشكيلات المسلحة، والفصل الكامل بين النشاط الحزبي والعمل الخدمي، ونشر تفاصيل التمويل والاتفاقات مع السلطات، وإدانة جميع الاعتقالات والمحاكمات السياسية بغض النظر عن هوية الضحايا، ورفض استخدام قوانين الحرب لتجريم الدعوة إلى وقف القتال، ومنع توظيف الخدمات لأغراض حزبية، واعتماد قواعد لحماية المشاركين والمتطوعين، ووضع آليات للمساءلة الداخلية بشأن أي مشاركة في انتهاكات أو أعمال مسلحة، وإخضاع أي تعاون مع السلطات لاختبار معلن للاستقلال والشفافية.

كما يقترح بدائل عملية للعمل المدني تشمل تنفيذ مشروعات خدمية مستقلة في مجالات المياه والصحة والغذاء والطاقة عبر لجان مهنية ومجتمعية لا تحمل الطابع الحزبي، وإنشاء صناديق مستقلة للدفاع القانوني عن المعتقلين، ودعم المحامين وأسر المحتجزين، وتوثيق الانتهاكات بصورة مهنية، وإنشاء قواعد بيانات مستقلة للتحقق من المعلومات المتعلقة بالاعتقالات والانتهاكات والعلاقات بين الحزب والسلطات، إضافة إلى دعم الوساطة المحلية لمنع الانتقام وخطاب الكراهية، والعمل المدني عبر الحدود من خلال المناصرة الدولية، والتوثيق، والتدريب، والتمويل الشفاف، مع الحفاظ على استقلال الفاعلين داخل السودان.

ويخلص المقال إلى أن النشاط المدني المعارض داخل مناطق سيطرة الجيش محدود للغاية، وأن الوقائع المتعلقة بالاعتقالات والمحاكمات تؤكد ضيق المجال المدني، في حين تشير المشاركة في المقاومة الشعبية، والسماح الانتقائي ببعض الأنشطة، والتعاون الخدمي مع سلطات محلية إلى وجود مؤشرات جدية على تفاهمات عملية بين الحزب وبعض مؤسسات الجيش، لكنها لا تثبت وجود صفقة مركزية سرية.

ويرى أن الحزب مطالب أولاً بمعالجة التناقض بين خطابه وممارساته، عبر توضيح علاقاته بالسلطات، وموقفه من مشاركة أعضائه في الحرب، والدفاع عن جميع المعتقلين، وفصل العمل المدني عن النشاط العسكري. كما يؤكد أن المصداقية لا تستعاد بالتصريحات، وإنما بالممارسة القابلة للمراقبة، مثل الشفافية المالية، وإعلان الشركاء، وإدانة الانتهاكات من جميع الأطراف، وقبول المساءلة.

ويختتم المقال بالقول إن المشكلة لا تقتصر على الحزب الشيوعي، بل تعكس أزمة أوسع تعانيها القوى المدنية السودانية التي فشلت في بناء قواعد موحدة للعمل أثناء الحرب، مما أتاح للأطراف المسلحة إعادة تعريف المجال المدني وفق مصالحها. ويرى أن العمل المدني داخل السودان ما يزال ممكناً، لكن ليس في صورته الحزبية التقليدية أو كنشاط علني واسع، وإنما في شكل شبكات مستقلة للحماية والخدمات والتوثيق والوساطة، تعمل وفق قواعد أمنية وأخلاقية ومالية واضحة. أما استمرار الدعوة إلى العمل المدني بصيغتها العامة، مع بقاء الغموض حول العلاقة بالمؤسسة العسكرية ومشاركة بعض الأعضاء في العمل المسلح، فيجعلها، بحسب التحليل، دعوة تفتقر إلى الواقعية وإلى الاتساق بين الخطاب والممارسة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

تحتاج دعوة الحزب الشيوعي السوداني إلى العمل المدني داخل السودان إلى قراءة تتجاوز ثنائية القبول والرفض. فالسؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الحزب قادراً على تنظيم ندوة أو إصدار بيان أو فتح دار حزبية، بل بما إذا كانت الشروط القانونية والأمنية والسياسية التي تجعل النشاط المدني المعارض ممكناً ما تزال قائمة أصلاً. فمنذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، انقسم المجال العام بين سلطات عسكرية متنافسة، وتراجعت الحماية القانونية، وتحول المدنيون والناشطون والصحفيون والعاملون الإنسانيون إلى أهداف للاشتباه والاتهام والانتقام (Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 2025).
وقد صنف مؤشر CIVICUS الفضاء المدني السوداني في عام 2025 باعتباره “مغلقاً”، وهي أسوأ درجات التصنيف، بعد تراجع درجة السودان من 21 نقطة في عام 2024 إلى 9 نقاط في عام 2025، وانتقاله من فئة “مقموعة” إلى فئة “مغلقة”. ويعني هذا التصنيف أن المجال المدني يكاد يكون متوقفاً تماماً، وأن التعبير عن المعارضة قد يترتب عليه عقاب شديد، وأن الصحفيين يواجهون خطراً جدياً عند ممارسة العمل المستقل (CIVICUS Monitor, 2025).
وتظهر المؤشرات الإنسانية حجم البيئة التي يتحرك فيها أي فاعل مدني. فقد أفادت الأمم المتحدة في يناير 2025 بأن أكثر من 11.5 مليون شخص نزحوا داخل السودان، بينهم نحو 8.8 مليون شخص اقتُلعوا من مناطقهم منذ أبريل 2023، فيما فر أكثر من 3.2 مليون شخص إلى دول الجوار (Wosornu, 2025). وفي مارس 2025، قدرت الأمم المتحدة أن عدد النازحين داخلياً بلغ نحو 11.3 مليون شخص، وأن قرابة أربعة ملايين شخص عبروا الحدود، وأن أكثر من 30.4 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان السودان، يحتاجون إلى مساعدات عاجلة (United Nations, 2025a). وفي أبريل 2025، ارتفع تقدير الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم منذ اندلاع الحرب إلى نحو 12.5 مليون شخص، بينهم أكثر من 3.3 مليون عبروا الحدود (United Nations, 2025b).
ولا يعمل النشاط المدني السوداني في هذه الظروف في ظل نقص الموارد فقط، بل في ظل تفكك الدولة، وتعدد سلطات الأمر الواقع، وانتشار السلاح، وانقطاع الاتصالات، وتدمير المؤسسات، واستهداف البنية التحتية المدنية. وقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 3384 مدنياً، بينهم 191 طفلاً، خلال الفترة من 1 يناير إلى 30 يونيو 2025، وهو عدد يساوي قرابة 80 في المئة من مجموع الضحايا المدنيين الذين وثقتهم المفوضية طوال عام 2024 (Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 2025). كما وثقت المفوضية مقتل ما لا يقل عن 990 مدنياً في إعدامات موجزة أو هجمات على القرى أو حالات انهيار عام للقانون والنظام خلال الفترة نفسها (Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 2025).
وفي الوقت نفسه، ظهرت مؤشرات قوية على وجود تفاهمات عملية وغير معلنة بين الحزب الشيوعي السوداني وبعض مؤسسات وسلطات الجيش. وتشمل هذه المؤشرات مشاركة أعضاء أو متعاطفين مع الحزب في المقاومة الشعبية المسلحة إلى جانب الجيش، والسماح للحزب في بعض الفترات بإقامة مناسبات وندوات في مناطق سيطرة القوات المسلحة، والتعاون الرسمي بين فرعية الحزب في عطبرة وسلطات ولاية نهر النيل في مبادرة لتمويل الطاقة الشمسية لتشغيل محطات المياه، إضافة إلى الاتصالات المباشرة مع مسؤولين حكوميين. ولا تكفي هذه الوقائع وحدها لإثبات وجود اتفاق مركزي سري بين قيادة الحزب والجيش، لكنها تجعل فرضية التفاهمات المحلية أو القطاعية أو غير المعلنة فرضية جدية لا يجوز إسقاطها بمجرد النفي السياسي.
تقوم الأطروحة المركزية لهذا المقال على أن دعوة الحزب إلى العمل المدني تصبح غير واقعية إذا قصد بها استئناف النشاط المعارض المفتوح في مناطق سيطرة الجيش، لكنها قد تصبح قابلة للتنفيذ إذا أعيد تعريفها باعتبارها عملاً مدنياً مستقلاً يركز على حماية المدنيين، والدفاع القانوني، والتوثيق، وتقديم الخدمات، ومقاومة خطاب الكراهية، وبناء شروط وقف الحرب. أما الجمع بين خطاب المعارضة المدنية، والتعاون العملي مع سلطة عسكرية، ومشاركة أعضاء في القتال إلى جانب الجيش، فإنه ينتج تناقضاً سياسياً وأخلاقياً يهدد مصداقية الحزب ويعمق أزمة القوى المدنية السودانية.

أولاً: انكماش الفضاء المدني داخل السودان

لا يعمل النشاط المدني السوداني حالياً في ظل نظام سلطوي تقليدي يستطيع الناشطون فيه تقدير حدود المسموح والممنوع، بل داخل فضاء حرب متعدد السلطات ومجزأ جغرافياً. فقد أدى القتال إلى تفكك السلطة المركزية، وانتشار نقاط التفتيش، وتوسع المراقبة، وتراجع استقلال الشرطة والنيابة والقضاء، وتحول المدنيين إلى موضوع للاشتباه الأمني، مع اتهام الفاعلين المدنيين أحياناً بالتعاون مع الخصم أو تقويض المجهود الحربي (Bertelsmann Stiftung, 2026).
وقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان خلال النصف الأول من عام 2025 نمطاً واسعاً من الاعتقالات التعسفية، بما في ذلك استهداف أشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم متعاونين مع الطرف المقابل. كما وثقت احتجاز مدافعين عن حقوق الإنسان وأعضاء في لجان المقاومة في جنوب كردفان، وأشارت إلى استخدام نقاط التفتيش ومواقع الاتصال عبر الإنترنت الفضائي، بما في ذلك مواقع خدمة ستارلينك، في توقيف أشخاص بعد تفتيش هواتفهم والعثور على محتوى اعتبرته السلطات “معادياً للحرب” أو دليلاً على التعاون مع الطرف الآخر (Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 2025).
وذكر تقرير CIVICUS الصادر في أبريل 2026 أن لجنة العدالة وثقت، خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2025، ما لا يقل عن 31 حالة اعتقال تعسفي و23 حالة اختفاء قسري لمدافعين عن حقوق الإنسان، شملت أطباء وعاملين إنسانيين وصحفيين ومحامين ومدرسين. واستُهدف بعض هؤلاء بسبب نشاطهم، أو هويتهم الإثنية، أو عملهم المهني، أو انتمائهم السياسي المتصور (CIVICUS Monitor, 2026). وتوضح هذه الأرقام أن الاعتقال لا يستهدف فقط القيادات الحزبية المعروفة، بل يمتد إلى مهنيين وناشطين قد لا يملكون أي علاقة مباشرة بمؤسسات المعارضة.
وأفادت المفوضية بأن السلطات احتجزت في مايو 2025 ما لا يقل عن 14 مدافعاً عن حقوق الإنسان وعضواً في لجان المقاومة في كادوقلي بولاية جنوب كردفان، كما تلقت معلومات عن وفاة أحد أفراد المجتمع المدني تحت التعذيب أثناء احتجازه لدى قوات الأمن في الخرطوم خلال يونيو 2025 (Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 2025). وتعني هذه الوقائع أن الخطر لا يقتصر على التوقيف المؤقت أو التحقيق، بل قد يتضمن الاختفاء والتعذيب والقتل داخل أماكن الاحتجاز.
وقد أشارت المفوضية إلى أن الاتهامات بالتعاون مع الطرف الآخر كانت في أحيان كثيرة غير محددة أو مبنية على قرائن ضعيفة، وأن تفتيش الهواتف عند نقاط التفتيش أو بالقرب من مواقع الإنترنت الفضائي أصبح وسيلة للكشف عن آراء سياسية أو رسائل شخصية يمكن تأويلها بوصفها “معادية للحرب” (Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 2025). وهذا يخلق أثراً رادعاً واسعاً، لأن المواطن لا يحتاج إلى المشاركة في مظاهرة أو اجتماع حتى يصبح عرضة للاعتقال؛ يكفي أحياناً أن تكون في هاتفه رسالة تنتقد الحرب أو منشور يدعو إلى التفاوض.
وأفاد تقرير التحول السياسي للديمقراطية بأن استخبارات الجيش اعتقلت في أبريل 2024 ناشطين مدنيين وسياسيين وهاجمت مكاتب أحزاب سياسية، من بينها مكتب الحزب الشيوعي في مدينة سنجة، كما أصدرت النيابة العامة في الشهر نفسه أوامر قبض بحق رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وقادة تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم”، على خلفية اتهامات تتعلق بتقويض الدستور وارتكاب جرائم حرب. وأشار التقرير كذلك إلى اعتقال 60 ناشطاً في غرب كردفان في يوليو 2024 بدعوى تأييدهم قوات الدعم السريع (Bertelsmann Stiftung, 2026).
وتكشف هذه الوقائع عن توسيع مفهوم “التعاون” إلى درجة يمكن معها أن يشمل الاتصال الهاتفي أو الموقف السياسي أو العمل الإنساني أو الانتماء الجهوي. وفي مثل هذا السياق، تصبح دعوة الحزب إلى النشاط المدني محفوفة بمشكلة تعريفية: من هو المدني المستقل، ومن هو المتعاون، ومن يملك سلطة تحديد الفارق بينهما. وإذا كانت الأجهزة العسكرية هي التي تحدد هذا الفارق، فلا يمكن القول إن العمل المدني يجري داخل فضاء قانوني محايد.
وتكشف قضية الصيدلي والناشط المدني أحمد عبد الله خضر، المعروف بأحمد شفا، عن طبيعة هذه البيئة. فقد حوكم في دنقلا بموجب المادتين 62 و69 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، على خلفية نقاش قيل إنه تناول الدعوة إلى وقف الحرب، ثم صدر بحقه حكم بالسجن عامين وشهر وغرامة مالية قبل تعديله استئنافياً إلى مدة قضاها رهن الاحتجاز، مع بقاء الإدانة والغرامة وفق التقارير المنشورة (راديو دبنقا، 2026؛ لجنة العدالة، 2026).
وتعود تفاصيل القضية، وفق تقرير قانوني وإعلامي، إلى أن أحمد شفا كان يدير نقاشاً مع أحد أقاربه داخل صيدليته بمدينة دنقلا حول مقتل أحد شباب المنطقة من المستنفرين في الحرب. ثم دخل أحد منسوبي المقاومة الشعبية، ويعمل موظفاً في الاستثمار، في الحوار، قبل أن يتوعد الصيدلي بمعاقبته (راديو دبنقا، 2026). وتفيد التقارير بأن البلاغ ارتبط بعضو في كتيبة البراء بن مالك أو أحد منسوبي المقاومة الشعبية، الأمر الذي يوضح كيف يمكن لنقاش خاص حول الحرب أن يتحول إلى قضية جنائية عندما تتداخل الجماعات المسلحة مع أجهزة إنفاذ القانون (الترا سودان، 2026؛ راديو دبنقا، 2026).
وتتضح أهمية القضية من كونها نشأت من حديث يومي في صيدلية، لا من خطاب جماهيري أو منشور حزبي. فالنقاش حول مقتل شاب في الحرب يمكن أن يتضمن حزناً أو اعتراضاً أو تساؤلاً حول جدوى القتال، لكن تحويله إلى اتهام جنائي يرسل رسالة إلى المجتمع بأن المجال الخاص نفسه لم يعد محمياً. وبهذا تنتقل الرقابة من الميدان العام إلى المحادثات المهنية والعائلية، ويتحول المواطن إلى رقيب على كلماته حتى في الأماكن التي يفترض أن تكون مدنية.
وسحبت النيابة العامة ملف القضية في 15 أبريل 2026 أثناء جلسة النطق بالحكم، معلنة وقف جلسات المحاكمة وحفظ الدعوى، قبل أن يعاد الملف لاحقاً إلى المحكمة الابتدائية لاستمرار إجراءات التقاضي. وأوضح محامي الدفاع عماد ميرغني أن المحكمة أخطرت هيئة الدفاع بعقد جلسة جديدة للنظر في الدعوى بعد إعادة الملف من وكيل النيابة الأعلى بمحلية دنقلا (راديو دبنقا، 2026).
وتكشف هذه التطورات عن اضطراب إجرائي عميق. فانتقال الملف من قرار بالحفظ أو وقف الإجراءات إلى إعادة المحاكمة يثير أسئلة حول استقلال النيابة، وتسلسل الاختصاصات، وحق المتهم في معرفة الاتهام، واستقرار المركز القانوني، ومنع استخدام الإجراءات الجنائية للضغط السياسي. ولا يعني اضطراب الإجراءات وحده ثبوت عدم قانونية المحاكمة، لكنه يبرر المطالبة برقابة مستقلة وشفافية كاملة.
وفي 30 يونيو 2026، أصدرت محكمة جنايات دنقلا حكماً بالسجن على أحمد شفا لمدة عامين وشهر واحد، إضافة إلى غرامة قدرها مليونا جنيه سوداني، بعد إدانته بموجب المادتين 62 و69 من القانون الجنائي السوداني، المتعلقتين بإثارة التذمر وسط القوات النظامية والإخلال بالسلام العام (التاهرر، 2026). ثم أصدرت دائرة الاستئناف في الأول من أغسطس 2026 قراراً بالإفراج عنه بعد تعديل الحكم، وفق ما أعلنته لجنة العدالة، مع استمرار النقاش حول الإدانة والغرامة والضمانات التي رافقت المحاكمة (لجنة العدالة، 2026).
وأعلنت أكثر من أربعين جهة مدنية وسياسية تشكيل اللجنة الوطنية للحملة القومية للدفاع عن أحمد شفا، بما يعكس اتساع القلق من استخدام القانون الجنائي لتجريم النقاشات السياسية والآراء المناهضة للحرب (راديو دبنقا، 2026). وتكتسب القضية دلالتها من أن المحاكمة جرت وسط إجراءات أمنية مشددة، ومنع الجمهور من الحضور، وتدخلات إجرائية متعددة، وهو ما أثار أسئلة حول استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة (راديو دبنقا، 2026).
ولا تمثل قضية أحمد شفا حالة معزولة، بل تجسد اتجاهاً أوسع إلى تجريم الخطاب المدني المناهض للحرب. فقد أصبح انتقاد التعبئة العسكرية أو التشكيك في خطاب “الشهادة” و”المقاومة” قابلاً للتفسير بوصفه إثارة للتذمر وسط القوات النظامية أو إخلالاً بالسلامة العامة. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود الفضاء المدني محكوماً بحرية التعبير، بل بمقدار التسامح الذي تبديه الأجهزة المسلحة تجاه خطاب يخدم سرديتها الحربية.
وتظهر قضية المحامي والمدافع الحقوقي محمد عز الدين صورة أكثر حدة. فقد اعتُقل في 10 مايو 2025 في منطقة السوق الكبير ببورتسودان بواسطة خمسة أفراد مسلحين من قوات العمليات الخاصة التابعة للاستخبارات العسكرية، وظل محتجزاً لأكثر من عام قبل أن يمثل أمام محكمة بورتسودان الجنائية في أول جلسة لمحاكمته في 27 يوليو 2026 (Front Line Defenders, 2026).
ويواجه محمد عز الدين اتهامات بارتكاب “جرائم ضد الدولة وجرائم مرتبطة بالحرب” بموجب القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، وهي اتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام عند الإدانة (Front Line Defenders, 2026). وأفادت منظمة فرونت لاين ديفندرز بأن احتجازه كان تعسفياً، وأن الإجراءات القضائية الأخيرة قد تكون استُخدمت لإضفاء الشرعية على احتجازه الطويل وتجريم عمله السلمي في مجال حقوق الإنسان (Front Line Defenders, 2026).
كما أشارت المنظمة إلى ادعاءات بتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة، وحرمانه من الوصول المنتظم إلى محاميه وأسرته، وحاجته إلى رعاية طبية متخصصة، بما في ذلك علاج مرض السكري وإصابات يُزعم أنها نتجت عن التعذيب (Front Line Defenders, 2026). ومن المقرر أن تتواصل الإجراءات في جلسة ثانية حُددت في 18 أغسطس 2026 (Front Line Defenders, 2026).
وتكشف قضية محمد عز الدين أن المدافع الحقوقي لا يواجه فقط خطر الاعتقال بسبب فعله السياسي المباشر، بل يمكن أن يُستهدف بسبب عمله في توثيق الانتهاكات أو تقديم المساعدة القانونية أو الدفاع عن المعتقلين. وهذا يضرب أحد الشروط الأساسية للعمل المدني، وهو وجود محامين قادرين على الطعن في قرارات السلطة ومراقبة قانونية الاحتجاز. فإذا أصبح المحامي نفسه متهماً في قضايا قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، فإن الرسالة الموجهة إلى بقية المجتمع المدني هي أن المجال القانوني ذاته لم يعد آمناً.
وتوضح القضيتان أن العمل المدني المعارض لا يواجه مجرد “صعوبة لوجستية”، بل يواجه بنية قمعية تستخدم القانون والأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة لإعادة تعريف المعارضة السلمية بوصفها جريمة حرب أو خيانة. ومن ثم، فإن دعوة حزب سياسي إلى نشاط علني منظم دون معالجة هذه البنية تمثل تجاهلاً للمخاطر الواقعية التي يدفع ثمنها الناشطون لا القيادات وحدها.

ثانياً: التناقض بين دعوة الحزب وممارساته

يتمثل التناقض المركزي في أن الحزب الشيوعي يعلن التمسك بالعمل المدني ووقف الحرب واسترداد الثورة، بينما تظهر معلومات وتقارير عن مشاركة عدد من أعضائه أو مؤيديه في المقاومة الشعبية المسلحة إلى جانب الجيش. والمقاومة الشعبية، وفق توصيفات متداولة وتقارير مفتوحة، ليست إطاراً مدنياً محايداً، بل ترتبط بالتسليح والتدريب والعمل جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة (المقاومة الشعبية في السودان، 2024).
ولا يعني انخراط بعض الأعضاء في القتال أن الحزب اتخذ بالضرورة قراراً مركزياً رسمياً بالتحالف مع الجيش. فقد يكون الأمر نتيجة مبادرات فردية، أو ضغوط اجتماعية، أو اعتقاد لدى بعض الأعضاء بأن مواجهة قوات الدعم السريع تتقدم على الخلاف مع قيادة الجيش، أو اختلاف بين التوجيه السياسي المركزي والتطبيق المحلي. لكن الحزب يتحمل مسؤولية سياسية عن توضيح موقفه من مشاركة أعضائه في تشكيلات مسلحة، وعن بيان ما إذا كان يعد ذلك موقفاً شخصياً أم ممارسة مقبولة تنظيمياً.
ويزداد التناقض وضوحاً عندما يقارن هذا السلوك بتاريخ الحزب في نقد عسكرة السياسة ورفض تحويل المجتمع إلى قاعدة تعبئة عسكرية. فقبول العمل المسلح إلى جانب مؤسسة عسكرية، ولو بدافع مواجهة خصم أكثر عنفاً، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج منطق الدولة العسكرية الذي عارضه الحزب في مراحل مختلفة من تاريخه.
كما أن المشاركة الفردية أو الجماعية في المقاومة الشعبية لا تنسجم بسهولة مع دعوة العمل المدني إذا لم يضع الحزب حدوداً دقيقة بين العضوية السياسية والانخراط العسكري. فالحزب الذي يطالب المجتمع بالعمل المدني ينبغي أن يوضح هل يرفض استخدام السلاح خارج القوات النظامية، أم يقبل به باعتباره دفاعاً شعبياً، أم يراه ضرورة مؤقتة في مواجهة الدعم السريع. ويجب ألا يظل هذا السؤال معلقاً، لأن الغموض يسمح للسلطات باستخدام الحزب عند الحاجة، ويتيح له في الوقت نفسه إنكار المسؤولية السياسية عن الأفعال التي يرتكبها بعض أعضائه.
ويشير هذا التناقض أيضاً إلى مشكلة أعمق تتعلق بتعدد دوائر الولاء داخل الحزب. فقد يكون الولاء الأول لبعض الأعضاء للمدينة أو الأسرة أو الجماعة المحلية، لا للبرنامج المركزي. وفي سياق حرب ذات أبعاد إثنية ومناطقية، قد يرى العضو أن الانخراط في القتال دفاع عن جماعته، حتى لو تعارض ذلك مع الخط العام للحزب. لكن الحزب السياسي الحديث لا يستطيع الاكتفاء بتفسير السلوك باعتباره شأناً فردياً إذا كان هذا السلوك يمنحه نفوذاً محلياً أو يربطه بمؤسسات مسلحة.
ومن ناحية أخرى، قد يكون بعض أعضاء الحزب قد انخرطوا في المقاومة الشعبية قبل الحرب أو بعدها بسبب خبرتهم النقابية والمهنية أو بسبب موقعهم في المجتمعات المحلية، وليس نتيجة قرار حزبي. ولذلك فإن التحقق يتطلب تحديد الأسماء والصفات، والتمييز بين العضوية الفعلية والانتساب السابق والتعاطف السياسي، وعدم استخدام الادعاءات العامة لإدانة الحزب أو تبرئته. غير أن واجب التحقق لا يلغي واجب الشفافية، بل يجعله أكثر ضرورة.
وتنشأ هنا مشكلة “الازدواجية الوظيفية”. فالعضو الذي يعمل نهاراً في مبادرة خدمة عامة مرتبطة بالحزب، ويشارك في التعبئة المسلحة أو العمل العسكري في أوقات أخرى، قد يحول التنظيم المدني إلى واجهة أو قناة اجتماعية للمجهود الحربي، حتى إذا لم يصدر قرار رسمي بذلك. ولذلك ينبغي الفصل بين الأفراد والكيانات والمواقع والتمويل، وعدم الاكتفاء بتصنيف النشاط بحسب شعاره المعلن.
كما أن الحرب خلقت حوافز قوية للأحزاب للتكيف مع السلطات العسكرية. فالحزب الذي يرفض بصورة مطلقة التعامل مع الجيش قد يفقد إمكانية الوصول إلى قواعده أو مساعدة المدنيين في مناطق سيطرته، بينما الحزب الذي يتعاون قد يحصل على مساحة حركة أو حماية أو موارد. ولا يعني هذا أن كل تعاون خيانة، لكنه يعني أن التعاون يخلق تكلفة سياسية يجب الإفصاح عنها ومناقشتها داخل الحزب والمجتمع.

ثالثاً: مؤشرات التفاهم غير المعلن

المشاركة في المقاومة الشعبية

تعد مشاركة أعضاء كثيرين من الحزب أو محيطه السياسي في الحرب إلى جانب الجيش أقوى المؤشرات التي يستند إليها الرأي القائل بوجود تقارب عملي بين الطرفين. فهذه المشاركة تخلق شبكة مصالح وخبرات واتصالات بين كوادر الحزب ومؤسسات الجيش والمقاومة الشعبية، حتى لو لم تكن هناك وثيقة تحالف مكتوبة.
لكن دلالة هذا المؤشر تتوقف على ثلاثة أسئلة: هل المشاركة فردية أم صادرة عن توجيه حزبي، وهل تلقى المشاركون تدريباً أو تسليحاً من الجيش، وهل استُخدمت عضويتهم الحزبية أو الرموز السياسية للحزب في التعبئة. كلما توافرت إجابات إيجابية عن هذه الأسئلة، اقترب التحليل من القول بوجود تفاهم سياسي أو تنظيمي، لا مجرد تعايش ظرفي.
ويجب التمييز بين التعاطف مع الجيش في مواجهة الدعم السريع وبين التفاهم السياسي مع قيادة الجيش. فقد يرفض عضو شيوعي سيطرة الدعم السريع أو انتهاكاته، فيلتحق بالمقاومة الشعبية بدافع محلي أو عائلي، دون أن يعني ذلك قبوله انقلاب 25 أكتوبر أو تأييده لعودة الحكم العسكري. غير أن هذا التمييز لا يعفي قيادة الحزب من إعلان موقفها، لأن القاعدة المسلحة قد تتحول عملياً إلى قناة تأثير على الموقف السياسي المركزي.
وتزداد قوة هذا المؤشر إذا كان أعضاء الحزب المشاركون في المقاومة الشعبية يحتفظون بصفاتهم التنظيمية، أو يظهرون في فعاليات تعبئة مرتبطة بالجيش، أو يحصلون على امتيازات لا يحصل عليها المدنيون المعارضون. أما إذا كانت المشاركة محصورة في حالات فردية لا تعترف بها قيادة الحزب ولا تستفيد منها تنظيمياً، فإنها تظل دليلاً على التداخل الاجتماعي بين الحزب والحرب أكثر من كونها دليلاً حاسماً على تفاهم سياسي.
ويجب أيضاً فحص طبيعة “المقاومة الشعبية” نفسها. فإذا كانت مجموعات مسلحة تعمل تحت قيادة عملياتية أو لوجستية للجيش، فإن المشاركة فيها تختلف جذرياً عن مبادرة مدنية لحماية الأحياء أو إجلاء الجرحى. أما إذا كانت المقاومة الشعبية مجرد تعبئة اجتماعية غير مسلحة، فإن دلالتها السياسية تكون مختلفة. ولذلك فإن استخدام المصطلح دون تعريف تنظيمي وتسليحي يجعل النقاش عرضة للمبالغة والإنكار معاً.

السماح بالنشاط الحزبي المحدو
د
تشير وقائع متداولة إلى أن سلطات المناطق الخاضعة للجيش سمحت للحزب، في بعض المناسبات، بإحياء ذكرى تأسيسه أو عقد ندوات في عطبرة ومدن أخرى. وقد نشر الحزب أو قياداته مواد حول الذكرى الثامنة والسبعين لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني في 16 أغسطس 2024، في ظروف الحرب، بما يدل على استمرار قدر من النشاط التنظيمي والإعلامي (التغيير، 2024).
غير أن الصورة ليست مطلقة؛ فقد أوردت تقارير لاحقة أن السلطات منعت ندوات للحزب في عطبرة، واقتحمت دار الحزب أو سيطرت عليها لمنع فعاليات سياسية، بما في ذلك فعالية مرتبطة بذكرى ثورة ديسمبر والاستقلال (الترا سودان، 2025؛ راديو دبنقا، 2025). وأفادت تقارير أخرى بأن قوة تابعة لجهاز الأمن فضت ندوة سياسية للحزب الشيوعي في عطبرة في أبريل 2025 (دارفور24، 2025).
وهذا التباين لا ينفي وجود تفاهمات، بل قد يكشف طبيعتها المحدودة والانتقائية. فالسماح بنشاط حزبي داخلي أو احتفال بذكرى تأسيس الحزب قد يكون وسيلة لإدارة المجال السياسي وإظهار قدر من التعدد، بينما تُمنع الندوات التي تتناول الحرب أو تنتقد السلطة أو تدعو إلى احتجاج جماهيري. ومن ثم فإن “السماح” لا يعني اعترافاً بحق المعارضة، بل قد يكون ترخيصاً أمنياً قابلاً للسحب في أي وقت.
كما أن السماح الانتقائي يثير سؤالاً مقارناً: هل حصلت القوى المدنية الأخرى، مثل لجان المقاومة أو المبادرات المناهضة للحرب أو منظمات حقوق الإنسان، على القدر نفسه من الحماية والقدرة على الاجتماع. فإذا كان الحزب وحده قادراً على استخدام داره أو عقد بعض مناسباته، فقد يشير ذلك إلى أن السلطات تميز بين معارضة يمكن احتواؤها ومعارضة تعتبرها خطراً مباشراً.
وتفيد واقعة منع ندوة الحزب في عطبرة في ديسمبر 2025 بأن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة حماية مطلقة. فقد أعلن الحزب أن قوات أمنية وصلت إلى داره واحتلته لمنع ندوة كان مقرراً عقدها في 27 ديسمبر 2025 بمناسبة ذكرى ثورة ديسمبر وعيد استقلال السودان (الترا سودان، 2025؛ راديو دبنقا، 2025). ويكشف ذلك أن أي تفاهم محتمل لا يمنح الحزب حقاً مستقراً في النشاط، بل يظل رهناً بحدود ترسمها الأجهزة الأمنية وفق تقديرها السياسي.
وتكشف واقعة المنع أهمية التمييز بين السماح بفعالية تاريخية أو حزبية، والسماح بفعالية تضع الحرب أو شرعية السلطة موضع النقاش. فقد تسمح السلطة بذكرى تأسيس الحزب لأنها قابلة للضبط، لكنها تمنع ندوة تناقش مسؤولية الجيش أو الدعم السريع أو تدعو إلى احتجاجات مناهضة للتعبئة. وعليه، فإن معيار الحرية ليس عقد الفعالية فقط، بل طبيعة الموضوعات التي يمكن طرحها دون خوف.

مبادرة عطبرة الخدمية

قدمت فرعية الحزب الشيوعي في عطبرة مبادرة إلى وزير البنى التحتية بولاية نهر النيل لمعالجة أزمة مياه عطبرة عبر تمويل شبكة طاقة شمسية لتشغيل محطات المياه الجديدة والقديمة. وقدم وفد الحزب المبادرة في 31 يوليو 2025 إلى وزير البنى التحتية بالولاية سمير سعيد، وضَمَّ سيد أحمد الخطيب، ومدني محمد عثمان، والمهندس المتخصص في الطاقة محمد أحمد بابكر (الترا سودان، 2025).
وتهدف المبادرة إلى تقليل الاعتماد على مولدات الديزل والتغلب على مشكلات انقطاع الكهرباء التي تؤثر في إمدادات المياه بمدينة عطبرة. وأفاد الحزب بأن الوزير رحب بالمبادرة، وأنه أعلن تشكيل آلية مشتركة من الوزارة والحزب لدراسة المشروع ووضع خطة تنفيذية له، كما وعد بإزالة العقبات التي قد تعيق تنفيذ المبادرة (الترا سودان، 2025).
تمثل هذه الواقعة مؤشراً مهماً لأنها لا تقتصر على اتصال عابر، بل تتضمن زيارة رسمية، ومبادرة تمويل، وتعاوناً مؤسسياً مع وزارة تابعة لسلطة قائمة في مناطق سيطرة الجيش. وهي تختلف عن النشاط الإنساني المحايد الذي تنفذه منظمة مستقلة؛ فالحزب نفسه ظهر باعتباره شريكاً في حل مشكلة خدمية للسلطات المحلية.
ومع ذلك، لا يمكن استنتاج التحالف السياسي من المبادرة وحدها. فقد تكون المبادرة نابعة من تقليد الحزب في العمل النقابي والخدمي، أو من رغبة في حماية السكان، أو من استغلال مجال ضيق للعمل العام. لكن غياب الإفصاح عن مصدر التمويل، وطبيعة الآلية المشتركة، والضمانات التي تمنع توظيف المشروع سياسياً، يترك مساحة مشروعة للتساؤل حول حدود التعاون بين الحزب والسلطة.
وتعاني عطبرة، الواقعة في ولاية نهر النيل شمالي السودان، من مشكلات متكررة في إمدادات المياه نتيجة انقطاعات الكهرباء وتكاليف تشغيل المولدات بالوقود. وجاءت مبادرة الحزب في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى استخدام مصادر الطاقة المتجددة بوصفها حلولاً مستدامة لمشكلات البنية التحتية التي تضررت من الحرب الممتدة منذ أبريل 2023 (الترا سودان، 2025).
وقد عبّر وفد الحزب في ختام اللقاء عن شكره للوزير على حفاوة الاستقبال وتجاوبه الإيجابي مع المبادرة، وهو تفصيل صغير لكنه يؤكد الطابع الرسمي والمؤسسي للاتصال بين الطرفين (الترا سودان، 2025). كما أن اقتراح تمويل الحل، لا مجرد المطالبة به، يضع الحزب في موقع شريك تنفيذي أو مالي محتمل، ويختلف عن موقع المعارضة التي تراقب الحكومة وتنتقدها من خارج مؤسساتها.
وتحتاج دلالة التمويل إلى تدقيق خاص. فالتمويل قد يكون مساهمة من أعضاء الحزب أو من رجال أعمال متعاطفين أو من مؤسسة مهنية، وقد يكون جزءاً من حملة تضامن مجتمعي. لكنه قد يكون أيضاً وسيلة لبناء نفوذ داخل الإدارة المحلية أو للحصول على تسهيلات سياسية. ولذلك فإن نشر اسم الممول، وقيمة التمويل، وطريقة التعاقد، والجهة التي ستتولى التشغيل والصيانة، عناصر ضرورية للتمييز بين مبادرة مدنية ومقايضة سياسية.
كما يجب سؤال ما إذا كان الحزب قد قدم مبادرات مماثلة في مناطق لا يسيطر عليها الجيش، أو ما إذا كان يتعاون مع سلطات محلية أخرى بالطريقة نفسها. فإذا كان التعاون الخدمي مقصوراً على المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، فقد يكون ذلك نتيجة إمكان الوصول فقط، لكنه قد يشير أيضاً إلى اصطفاف سياسي. أما إذا تكرر في مناطق مختلفة مع جميع السلطات المحلية دون تمييز، فإنه يدعم تفسير المبادرة بوصفها ممارسة مدنية مهنية.

التفاعل مع السلطات المحلية

إن اجتماع قيادات الحزب بمسؤولين حكوميين، والحصول على موافقات للنشاط، والتعاون في مشاريع خدمية، وإدارة الظهور السياسي في مدن آمنة نسبياً، كلها مؤشرات على وجود قنوات اتصال عملية بين الطرفين. وقد لا تكون هذه القنوات نتيجة اتفاق مركزي سري، لكنها تخلق على الأقل تفاهمات محلية تسمح للحزب بالعمل في مناطق معينة بينما تُغلق أمام قوى مدنية أخرى.
وتكمن أهمية هذا المؤشر في مقارنته بقضايا الاعتقال والمحاكمة. فإذا كان ناشط مدني مستقل يواجه السجن بسبب نقاش حول وقف الحرب، بينما يستطيع حزب سياسي عقد اجتماعات أو تقديم مبادرات بالتنسيق مع مسؤولين، فإن ذلك يثير سؤالاً حول تفاوت المعاملة الأمنية. ولا يكفي الرد بأن الحزب “مدني”، لأن المعيار الحقيقي هو مدى استقلاله عن السلطة العسكرية وموقفه من التعبئة المسلحة.
وتكشف هذه المفارقة عن احتمال وجود “تعاقد سياسي ضمني”: تسمح السلطات للحزب بهامش محدود من النشاط إذا بقي بعيداً عن تعبئة الشارع أو نقد الجيش نقداً مباشراً، بينما يقدم الحزب خدمات أو مواقف لا تتعارض جذرياً مع أولويات السلطة في المناطق التي تسيطر عليها. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق رسمي، لكنه يخلق علاقة منفعة متبادلة يمكن أن تتطور إلى تفاهم سياسي إذا استمرت دون شفافية أو مساءلة.
ويجب إضافة عامل آخر، هو حاجة السلطات المحلية إلى خبرات مهنية وموارد غير متوافرة لديها بسبب الحرب. فقد تكون مبادرة الحزب في عطبرة مفيدة للولاية فعلاً، وقد يدفع ذلك المسؤولين إلى التعامل معه حتى مع استمرار الخلاف السياسي. غير أن الاعتماد على الحزب في مشروع عام يمكن أن ينشئ تبعية متبادلة، خصوصاً إذا لم تكن هناك جهات مدنية أخرى قادرة على منافسة الحزب في الخبرة أو التمويل.
ومن ثم، لا ينبغي تفسير كل اجتماع بين الحزب ومسؤول حكومي باعتباره تحالفاً، ولا ينبغي في الوقت نفسه تجاهل التراكم. فالتحليل الجيد ينظر إلى النمط: هل تتكرر الاجتماعات، وهل تتسع مجالات التعاون، وهل يحظى الحزب بمعاملة أفضل من القوى المناهضة للحرب، وهل يتجنب نقد الاعتقالات أو عسكرة المجتمع، وهل يتلقى في المقابل حماية أو تمويلاً أو تسهيلات. التراكم وحده هو الذي يحول الوقائع المتفرقة إلى مؤشر سياسي ذي وزن.

رابعاً: تقدير الأدلة وحدود الاستنتاج

تسمح الوقائع المتاحة ببناء ثلاث فرضيات تفسيرية. الفرضية الأولى هي فرضية التفاهم المركزي السري، ومضمونها وجود اتفاق غير معلن بين قيادة الحزب والجيش يتيح للحزب مساحة عمل مقابل موقف متعاون. وهذه الفرضية ممكنة، لكنها تحتاج إلى أدلة مباشرة مثل وثائق أو شهادات متعددة مستقلة أو امتيازات سياسية واضحة أو تطابق مستمر بين قرارات الحزب وسياسات الجيش.
والفرضية الثانية هي فرضية التفاهمات المحلية المتعددة، ومضمونها أن فروع الحزب تتفاوض مع السلطات المحلية للحصول على مساحة حركة أو لتنفيذ خدمات. وهذه الفرضية مدعومة بمؤشرات عطبرة والأنشطة المحلية والاتصالات الرسمية، ولا تحتاج بالضرورة إلى وجود قرار مركزي شامل. وقد تنشأ هذه التفاهمات من احتياجات السكان أو من براجماتية الفروع أو من رغبة السلطات في إدارة المنافسة السياسية.
أما الفرضية الثالثة فهي فرضية التباين بين القيادة والقاعدة، ومضمونها أن الحزب يتبنى خطاباً مدنياً مركزياً، مع انخراط أعضاء بصورة فردية أو محلية في الحرب. وهذه الفرضية تفسر اختلاف المواقف والممارسات، خصوصاً في مجتمع انتشرت فيه التعبئة المسلحة وأصبح الانضمام إلى المقاومة الشعبية مرتبطاً أحياناً بالحماية المحلية أو بالعائلة أو بالهوية الجهوية.
والتحليل الأكثر تحفظاً هو أن الأدلة الحالية تدعم وجود تعاون موضعي وتفاهمات عملية بين الحزب وبعض سلطات ومؤسسات الجيش، لكنها لا تكفي لإثبات اتفاق استراتيجي مركزي بين قيادة الحزب والجيش. ومع ذلك، فإن تراكم المؤشرات يرفع مستوى الشك السياسي، ويجعل الحزب ملزماً بتقديم تفسير علني ومفصل، لا الاكتفاء بنفي عام.
ويجب كذلك عدم مساواة جميع المؤشرات في القوة. فمبادرة خدمية معلنة أضعف دلالة من مشاركة تنظيمية في تشكيل مسلح، والسماح بندوة لا يكفي وحده لإثبات صفقة، بينما يصبح نمط السماح والتمويل والتعبئة والتنسيق أكثر دلالة إذا تكرر واستمر واتخذ طابعاً مؤسسياً.
كما يجب التمييز بين “التفاهم” بمعناه السياسي و”التنسيق” بمعناه الإداري. فقد يتواصل الحزب مع وزارة أو والٍ لتأمين المياه أو الكهرباء دون أن يقدم دعماً سياسياً للحكومة. لكن إذا تزامن التنسيق الإداري مع مشاركة أعضاء في الحرب، وعدم إدانة الاعتقالات، والاستفادة من حماية أمنية انتقائية، فإن التفسير السياسي يصبح أكثر احتمالاً.
وتتطلب عملية التحقق الفصل بين أربعة مستويات من الأدلة. المستوى الأول هو الوقائع المباشرة القابلة للإثبات، مثل عقد اجتماع معلن أو زيارة رسمية أو صدور بيان أو منع ندوة. المستوى الثاني هو الشهادات الصحفية والحقوقية التي تقدم ادعاءات عن المشاركة المسلحة أو الاعتقال أو التهديد. المستوى الثالث هو الاستنتاجات التي تربط الوقائع ببعضها، مثل وجود تفاهم أو حماية سياسية. أما المستوى الرابع فهو الحكم على النيات، مثل القول إن الحزب باع مواقفه أو إن الجيش يستخدمه واجهة مدنية. وكلما ابتعد التحليل عن الوقائع المباشرة، احتاج إلى لغة احتمالية أكثر حذراً.
ومن المهم كذلك التمييز بين “مؤشرات قوية” و”إثبات قاطع”. فالمؤشرات القوية تبرر فتح التحقيق والمطالبة بالشفافية، لكنها لا تبرر إصدار حكم نهائي على وجود اتفاق سري. ويتعين على الباحث أو الكاتب أن يذكر تاريخ الواقعة ومصدرها ودرجة موثوقيتها وما إذا كانت مؤكدة من أكثر من جهة. وهذه القاعدة ضرورية في موضوع شديد الاستقطاب، لأن الاتهام غير الموثق يمكن أن يضر بالمدنيين بقدر ما يضر بهم القمع الرسمي.
وتبرز هنا مشكلة المصادر المفتوحة. فبعض المعلومات المتعلقة بمشاركة أعضاء الحزب في المقاومة الشعبية أو طبيعة التمويل في مبادرة عطبرة لم تُدعَم، في المصادر المتاحة، بوثائق مالية أو قرارات حزبية منشورة أو قوائم أسماء مستقلة. ولذلك ينبغي عرضها بصيغة “مؤشرات” و”ادعاءات تحتاج إلى تحقق”، لا بوصفها حقائق مكتملة. أما الوقائع المتعلقة بتصنيف الفضاء المدني، وأرقام الضحايا، والاعتقالات، وقضية محمد عز الدين، فتستند إلى تقارير أممية وحقوقية أكثر وضوحاً وأقوى توثيقاً (Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, 2025؛ CIVICUS Monitor, 2026؛ Front Line Defenders, 2026).
كما أن الاعتماد على مصدر إعلامي واحد في قضية حساسة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج رواية طرف واحد. ولذلك ينبغي مقارنة الخبر بتقارير حقوقية أو بيانات محامين أو وثائق محكمة أو رد رسمي. وفي حالات عدم التوافر، يجب ذكر حدود المعرفة وعدم ملء الفراغ بالاستنتاج. وهذا لا يضعف المقال، بل يزيد قيمته الأكاديمية ويمنع تحويله إلى مذكرة اتهام سياسية.

خامساً: لماذا تصبح الدعوة غير واقعية؟

تصبح الدعوة غير واقعية لخمسة أسباب مترابطة. أولها أن الدولة لا تضمن حرية العمل المدني، بل تستخدم قوانين الأمن والطوارئ لمحاكمة المعارضين. وثانيها أن القوات المسلحة لا تتعامل مع جميع المدنيين على قدم المساواة، إذ تميز بين من ينسجم مع خطاب التعبئة ومن ينتقده. وثالثها أن وجود المقاومة الشعبية المسلحة يجعل الحدود بين المدني والمقاتل غامضة. ورابعها أن التعاون المحلي بين الحزب والسلطات يضعف استقلال الحزب المعارض. وخامسها أن الخوف من اتهام الناشطين بالتعاون مع الدعم السريع يقوض قدرتهم على بناء خطاب مستقل.
كما أن الدعوة قد تحمل مفارقة سياسية: فالحزب يدعو إلى العمل المدني في الوقت الذي لا يستطيع فيه ناشطون مدنيون مستقلون ممارسة أبسط حقوقهم، مثل التعبير عن رفض الحرب أو حضور جلسات المحاكمة أو الدفاع عن المعتقلين. ومن الصعب إقناع الجمهور بأن المجال مفتوح للعمل المدني إذا كان التعبير عن رأي مخالف للحرب يؤدي إلى المحاكمة، كما في حالة أحمد شفا، أو إلى احتجاز طويل واتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، كما في حالة محمد عز الدين.
وتصبح الدعوة أكثر إشكالاً إذا لم تحدد ما إذا كان المقصود بها العمل داخل مناطق سيطرة الجيش فقط أم داخل جميع مناطق السودان. فالنشاط المدني الذي يُسمح به في عطبرة قد يكون مستحيلاً في مناطق سيطرة الدعم السريع أو في مناطق التماس، كما أن العمل مع سلطات الجيش لا يمكن تقديمه باعتباره نموذجاً وطنياً قابلاً للتعميم. ولذلك فإن أي دعوة جادة ينبغي أن تراعي التفاوت الجغرافي في المخاطر، وألا تستخدم تجربة مدينة واحدة دليلاً على انفتاح الفضاء المدني في السودان كله.
وتتصل الواقعية أيضاً بقدرة الحزب التنظيمية. فالحرب والنزوح والاعتقال والانقسام أضعفت البنى الحزبية، وجعلت العمل المركزي محفوفاً بالمخاطر. وقد يؤدي توجيه الكوادر إلى نشاط علني واسع إلى كشف الشبكات الداخلية وتعريضها للتفكيك، خصوصاً في ظل المراقبة الإلكترونية والوشايات والاتهامات الجاهزة. ومن ثم فإن “العمل المدني” الواقعي يجب أن يكون محدوداً، لا مركزياً، وقابلاً للتوقف أو التكيف وفق تطورات الأمن.
ويضاف إلى ذلك أن العمل المدني المعارض يحتاج إلى حد أدنى من المساواة في الوصول إلى الجمهور. فإذا كانت السلطات تمنح حزباً واحداً قدرة نسبية على الاجتماع، بينما تمنع لجان المقاومة أو منظمات حقوق الإنسان أو المبادرات النسائية من النشاط، فإن المجال لا يكون مدنياً بالمعنى الديمقراطي، بل انتقائياً ومصمماً لإدارة المعارضة. وقد تسمح السلطة بمبادرة مياه أو ندوة ذكرى، لكنها تمنع الدعوة إلى وقف الحرب أو انتقاد التجنيد أو مساءلة الأجهزة الأمنية.
كما أن المشاركة المسلحة لبعض أعضاء الحزب تجعل الدعوة معرضة لخطر فقدان المعنى. فالمواطن الذي يرى الحزب يدعو إلى العمل المدني، ثم يرى أعضاء منه في صفوف المقاومة الشعبية، قد يفهم الدعوة باعتبارها غطاءً مدنياً للمجهود الحربي. ومن جهة أخرى، قد يرى مؤيدو الجيش في الدعوة محاولة لاستثمار الانتصارات العسكرية سياسياً. وفي الحالتين، لا يستطيع الحزب بناء الثقة دون فصل واضح بين العمل المدني والتعبئة المسلحة.
وتصبح الدعوة غير واقعية أيضاً عندما تفترض قدرة المدنيين على تنفيذ احتجاجات جماهيرية في مناطق تشهد قصفاً أو اعتقالات أو نزوحاً واسعاً. فقد قتل في منطقة برا بولاية شمال كردفان ما لا يقل عن 300 شخص، بينهم أطفال ونساء حوامل، خلال الهجمات التي وقعت بين 10 و13 يوليو 2025، وفق ما نقلته الأمم المتحدة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (United Nations, 2025c). وفي غرب كردفان، أدى قصف قرى الفولة وأبو زبد إلى مقتل أكثر من 20 شخصاً خلال الفترة نفسها، بينهم أشخاص كانوا يحتمون في مدرسة تستضيف نازحين (United Nations, 2025c). وفي مثل هذه البيئة، لا تكون الأولوية العملية لتنظيم مظاهرة، بل لإجلاء السكان، وتأمين الغذاء، وإعادة تشغيل المرافق، ومنع الاعتقال والانتقام.

سادساً: القراءة السياسية لمبادرة عطبرة

يمكن قراءة مبادرة عطبرة بثلاث طرق. القراءة الأولى تراها استجابة وطنية ومسؤولة لأزمة مياه، وهي قراءة لها ما يبررها؛ فالحزب يمتلك كوادر مهنية، والمياه خدمة عامة لا ينبغي أن تخضع للصراع الحزبي. القراءة الثانية تراها محاولة لإعادة بناء الشرعية المحلية عبر تقديم الحزب نفسه شريكاً في إدارة المدينة، بعد أن ضاق مجال العمل السياسي. أما القراءة الثالثة فتراها مؤشراً إلى تفاهم سياسي مع سلطة الجيش، خصوصاً إذا اقترنت بقبول الحزب للمقاومة الشعبية أو بصمته عن عسكرة المجتمع.
ولا يمكن الفصل بين هذه القراءات من خلال طبيعة المشروع وحدها، بل عبر أسئلة الشفافية: من أين جاء التمويل؟ من يدير المشروع؟ هل توجد مراقبة مستقلة؟ هل يستفيد منه جميع السكان دون تمييز؟ هل يُستخدم اسم الحزب في توزيع الخدمة؟ وهل تستطيع قواعد الحزب انتقاد السلطات التي يتعاون معها في المشروع. فإذا كانت الإجابات غير واضحة، تحولت المبادرة من خدمة عامة إلى مصدر لالتباس سياسي.
وتكتسب المبادرة أهمية إضافية بسبب توقيتها. فقد جاءت في أغسطس 2025، بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب، وفي وقت كانت فيه السلطات تسعى إلى تثبيت الإدارة المدنية والخدمية في المناطق التي تسيطر عليها. وقد يكون الحزب قد رأى في أزمة المياه فرصة لتقديم نموذج عملي في خدمة المواطنين، لكن السلطات قد تكون رأت فيها أيضاً فرصة لاستيعاب خصم سياسي تاريخي داخل ترتيبات الحكم المحلي. وفي الحالتين، فإن غياب المعلومات الكافية حول التمويل وآلية التنفيذ يضعف القدرة على تحديد ما إذا كان المشروع تضامناً مجتمعياً أم شراكة سياسية ضمنية.
كما لا ينبغي إغفال أن المبادرة لم تمنح الحزب حصانة مطلقة. فالتقارير التي تحدثت عن منع ندواته في عطبرة وفض فعالياته الأمنية في أبريل وديسمبر 2025 توضح أن التعاون الخدمي لم يلغِ قدرة السلطات على قمع النشاط السياسي. وهذا يعزز فرضية أن العلاقة انتقائية ومصلحية، وليست تحالفاً مستقراً أو اعترافاً كاملاً بحق الحزب في العمل المعارض.
ويشير اختيار الطاقة الشمسية إلى بُعد فني وسياسي في الوقت نفسه. فمن الناحية الفنية، يمكن للطاقة الشمسية أن تقلل الاعتماد على الوقود، وتخفف تكلفة تشغيل محطات المياه، وتوفر حلاً لمدينة تعاني من انقطاعات الكهرباء. ومن الناحية السياسية، يتيح المشروع للحزب الظهور بوصفه قوة إنتاج وحل مشكلات، لا مجرد قوة احتجاج. وهذا الظهور قد يعزز شرعيته الشعبية، لكنه قد يمنح السلطات أيضاً غطاءً لإظهار أنها تتعامل مع حزب معارض بصورة طبيعية، رغم القيود المفروضة على قوى مدنية أخرى.
ويُستحسن لذلك أن تتولى جهة مستقلة نشر دراسة جدوى المشروع، وتكلفة الألواح والبطاريات والمضخات، وعدد المستفيدين، والجهة المسؤولة عن الصيانة، ومصادر التمويل. وتساعد هذه التفاصيل على تحويل المبادرة إلى مشروع قابل للمساءلة، وتمنع استخدامها دليلاً غامضاً على تفاهم سياسي أو اتهاماً غير موثق للحزب.
وتنبغي مقارنة مبادرة عطبرة بمشروعات الخدمة التي تنفذها غرف الطوارئ ولجان الأحياء والمنظمات المحلية. فهذه المقارنة يمكن أن تكشف ما إذا كان الحزب يشارك في نموذج عام للعمل الخدمي أو يحاول بناء موقع خاص داخل السلطة المحلية. ويشمل معيار المقارنة طبيعة التمويل، ودرجة الاستقلال، وآلية اتخاذ القرار، ومشاركة المستفيدين، وإمكانية انتقاد السلطات. وكلما اقتربت المبادرة من هذه المعايير، زادت شرعيتها المدنية؛ وكلما ارتبطت بالمسؤولين والرموز الحزبية دون شفافية، زادت دلالتها السياسية.

سابعاً: شروط العمل المدني المقبول

إذا أراد الحزب مواصلة العمل داخل السودان دون فقدان مصداقيته، فعليه اعتماد ميثاق علني يتضمن رفض التحالف مع الجيش أو قوات الدعم السريع، ورفض المشاركة الحزبية في أي تشكيل مسلح. وينبغي أن يعلن أن مشاركة الأعضاء في المقاومة الشعبية، إن ثبتت، موقف فردي لا يمثل الحزب، أو أن يتحمل المسؤولية السياسية عنها ويشرح أساسها وحدودها. ولا يجوز ترك هذه المسألة للغموض، لأن الصمت قد يفسر باعتباره قبولاً أو تشجيعاً.
كما يجب الفصل الكامل بين المبادرات الخدمية والقرار الحزبي والتمويل الحزبي، ونشر تفاصيل التمويل والاتفاقات مع السلطات المحلية. ويجب أن يكون أي تعاون مع وزارة أو ولاية خاضعاً لوثيقة واضحة تحدد الهدف والميزانية والجهة المنفذة وحقوق المستفيدين، مع آلية مستقلة للمراجعة والشكاوى. وينبغي منع استخدام اسم الحزب أو رموزه في توزيع الخدمات، حتى لا تتحول المساعدة العامة إلى وسيلة لاستعادة النفوذ السياسي.
ويتطلب العمل المدني المقبول أيضاً إدانة الاعتقالات والمحاكمات السياسية بصرف النظر عن هوية الضحية. ويشمل ذلك الدفاع عن أحمد شفا ومحمد عز الدين وسائر المعتقلين المدنيين باعتبار قضاياهم جزءاً من معركة الحريات، لا باعتبارهم أعضاء في معسكر سياسي معين. فإذا انتقى الحزب قضايا الاعتقال وفق قرب الضحية من موقفه، فقد فقد الأساس الأخلاقي الذي يبرر دعوته إلى العمل المدني.
وينبغي رفض استخدام قوانين الحرب والطوارئ لتجريم الدعوة إلى وقف القتال أو انتقاد التعبئة العسكرية. كما يجب ألا يحتكر الحزب غرف الطوارئ أو المنظمات المحلية أو يستخدمها للتعبئة السياسية. وتقتضي الشرعية المدنية ضمان مشاركة النساء والشباب والنازحين والمكونات المهمشة في اتخاذ القرار، لأن العمل المدني الذي تهيمن عليه النخب الحزبية لا يختلف كثيراً عن السياسة التقليدية التي ساهمت في إضعاف الانتقال الديمقراطي.
ويجب أن يضاف إلى ذلك مبدأ “عدم إلحاق الضرر”. فكل نشاط مدني لا يراعي سلامة المشاركين، أو يكشف بياناتهم، أو يجعلهم عرضة للانتقام، يتحول من أداة حماية إلى مصدر خطر. ولذلك ينبغي اعتماد هياكل لا مركزية، وتقليل الاجتماعات العلنية، وحماية الاتصالات، وتدريب المتطوعين على التوثيق الآمن، وإدارة المعلومات الحساسة.
ويتطلب الميثاق كذلك تحديد قواعد التعامل مع السلطات العسكرية. فمن الضروري التفاوض مع السلطات لفتح طريق أو إدخال دواء أو حماية محطة مياه، لكن يجب أن يكون هذا التفاوض محدداً بالهدف، ومعلناً حيث لا يهدد سلامة الناس، ولا يتضمن معلومات عن الناشطين أو المستفيدين، ولا يتحول إلى اعتراف سياسي دائم بسلطة الأمر الواقع. ويجب أن يعرف الجمهور الفرق بين التفاوض الإنساني الضروري وبين التعاون السياسي.
كما ينبغي وضع آلية داخلية للتحقيق في أي ادعاء بمشاركة عضو في انتهاك أو تعبئة مسلحة أو ابتزاز مدني. ولا يكفي أن يقول الحزب إن العضو تصرف بصورة شخصية إذا كان لا يملك نظاماً للتحقق والمساءلة. ويجب أن تشمل العقوبات التنظيمية الفصل أو التجميد أو الإحالة إلى القضاء عندما تتعلق الأفعال بجرائم خطيرة، مع احترام قرينة البراءة وحق الدفاع.
وينبغي للحزب أن يعلن كذلك “اختبار الاستقلال” لأي تعاون مع السلطة. ويتضمن هذا الاختبار أربعة أسئلة: هل يستطيع الحزب انتقاد السلطة بعد تنفيذ المشروع، وهل يمكن للجهة المستفيدة رفض الارتباط بالحزب، وهل نُشرت تفاصيل التمويل، وهل يقبل الحزب بالمراجعة المستقلة. فإذا كانت الإجابة بالنفي عن هذه الأسئلة، فإن المشروع يحتاج إلى إعادة تصميم قبل تقديمه باعتباره نشاطاً مدنياً.

ثامناً: بدائل عملية للدعوة

العمل الخدمي المستقل

يمكن للحزب دعم مشروعات المياه والصحة والغذاء والطاقة، لكن عبر لجان مهنية مستقلة لا تحمل اسمه بالضرورة. وينبغي أن تكون معايير التوزيع معلنة، وأن تخضع المشاريع للمراجعة المجتمعية، وأن تمنع أي جهة عسكرية من التحكم في المستفيدين أو استخدام الخدمات للتجنيد.
وفي حالة مبادرة عطبرة، يمكن تحويل التعاون من مبادرة حزبية مباشرة إلى مشروع مجتمعي تشارك فيه نقابة المهندسين، ولجان الأحياء، وإدارة المياه، وخبراء مستقلون، وممثلون عن المستفيدين. ويضمن هذا الترتيب أن تظل الطاقة الشمسية والمياه منفعة عامة، لا أداة لتثبيت علاقة سياسية بين الحزب والسلطات.
كما يمكن توسيع نطاق العمل الخدمي ليشمل تشغيل العيادات، وتوفير الأدوية، وإصلاح شبكات المياه، ومساعدة النازحين، وتوزيع الوقود، ودعم المخابز، وإعادة تشغيل المدارس. لكن كل مشروع ينبغي أن يلتزم بمبدأ عدم التمييز، وأن يعلن معايير الاستفادة، وأن يضع آلية لتلقي الشكاوى، وأن يضمن عدم تحويل الخدمة إلى وسيلة للضغط على المواطنين أو إجبارهم على تأييد طرف عسكري.
وتفرض الأزمة الإنسانية أولوية خاصة للخدمات. فقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 30.4 مليون شخص كانوا بحاجة إلى مساعدات عاجلة في مارس 2025، وأن المؤسسات الإنسانية نفسها تعرضت للنهب والخطف وسرقة المركبات (United Nations, 2025a؛ United Nations, 2025b). ولذلك فإن المبادرات المحلية يمكن أن تسد فجوات حقيقية، لكنها لا ينبغي أن تحل محل مسؤولية الدولة أو تُستخدم لتبرير استمرار الحرب.

الدفاع القانوني عن المدنيين

أظهرت قضايا أحمد شفا ومحمد عز الدين أن الدفاع القانوني أصبح من أهم أشكال العمل المدني. ويمكن للحزب دعم هيئات الدفاع، وتوثيق الانتهاكات، وتوفير المساعدة للأسر، والتواصل مع المقررين الأمميين والمنظمات الحقوقية، بشرط عدم التدخل في استقلال المحامين أو تحويل القضايا إلى أدوات دعائية.
كما ينبغي إنشاء صندوق مستقل للمساعدة القانونية، تموله مساهمات شفافة ولا يخضع لقرار القيادة الحزبية وحدها. ويجب أن يركز الصندوق على ضمان حضور المحامين، وتمكين الأسر من معرفة أماكن الاحتجاز، ومراقبة المحاكمات، ومواجهة استخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب. ويجب أن يشمل الدفاع جميع المدنيين، بمن فيهم من يختلفون مع الحزب أو ينتمون إلى مناطق أو جماعات سياسية أخرى.
وينبغي أن يتعاون الصندوق مع نقابة المحامين، والمنظمات الحقوقية، وشبكات المدافعين عن حقوق الإنسان، وأن ينشر تقارير دورية عن عدد القضايا ومراحلها دون الكشف عن بيانات قد تعرض المتهمين أو الشهود للخطر. ويجب توثيق أوامر القبض، وأماكن الاحتجاز، وتاريخ العرض على النيابة، وطلبات الإفراج، وقرارات المحكمة، حتى لا تتحول المحاكمات إلى إجراءات مبهمة يصعب مساءلتها.
ويجب أن يواكب الدفاع القانوني إصلاحاً في لغة الخطاب. فلا ينبغي وصف كل متهم بأنه “بطل” أو “شهيد” أو “مناضل” قبل صدور حكم قضائي، كما لا ينبغي وصفه بالخائن أو المتعاون بناءً على ادعاء أمني. فاللغة الدقيقة تحمي قرينة البراءة، وتمنع تحويل المحاكمات إلى ساحات تعبئة، وتساعد في بناء ملف حقوقي يمكن عرضه على الهيئات الوطنية والدولية.

التوثيق والتحقق

ينبغي إنشاء منصات مستقلة للتحقق من الاعتقالات والانتهاكات، مع الالتزام بمعايير التحقق من المصادر، وحماية هوية الشهود، والتمييز بين المعلومات المثبتة والادعاءات. فالخطاب السياسي السوداني يعاني من كثافة الأخبار المضللة، وأي ادعاء بوجود تفاهمات سرية يجب أن يستند إلى قرائن قابلة للمراجعة لا إلى الشائعات.
ويجب في هذا المجال الفصل بين التوثيق الصحفي والتعبئة الحزبية. فالتقرير الذي يوثق اعتقال أحمد شفا أو محمد عز الدين ينبغي أن يعرض الوقائع، ومصادرها، والردود الرسمية، وتقييم المعايير القانونية، دون تحويله إلى مادة لتصفية الحسابات. كما ينبغي حفظ الأدلة بطريقة يمكن استخدامها لاحقاً أمام لجان التحقيق أو المحاكم الوطنية والدولية.
ويشمل التوثيق الآمن تسجيل تاريخ ومكان الاعتقال، والجهة التي نفذته، وأسماء الشهود، وحالة المحتجز الصحية، والأحكام والاتهامات، مع تشفير الملفات وتقسيمها بين أكثر من جهة. ويجب عدم نشر صور أو أسماء أو مواقع يمكن أن تؤدي إلى انتقام من الأسرة أو المجتمع المحلي. فالغرض من التوثيق هو حماية الضحايا وتحقيق المساءلة، لا تعريضهم لخطر إضافي.
ومن المهم بناء قاعدة بيانات منفصلة للوقائع المتعلقة بالحزب والجيش، بحيث تفرق بين الاجتماعات الرسمية، والأنشطة الخدمية، والمشاركة المسلحة، والبيانات السياسية، والاعتقالات التي يتعرض لها أعضاء الحزب. ويمكن لهذه القاعدة أن تساعد في اختبار فرضية التفاهم غير المعلن زمنياً وجغرافياً، بدلاً من الاعتماد على الانطباع أو الذاكرة الانتقائية.

الوساطة المحلية

يمكن للقواعد الحزبية، حيث تتمتع بثقة اجتماعية، المساهمة في التهدئة المحلية ومنع الانتقام وخطاب الكراهية. غير أن الوساطة لا تنجح إذا ارتبط الوسطاء بطرف عسكري أو بدا أنهم ينقلون شروطه، ولذلك ينبغي أن تضم لجان الوساطة شخصيات مستقلة من الإدارات الأهلية والنساء والشباب والمهنيين.
ويجب أن تركز الوساطة المحلية على قضايا قابلة للتحقيق، مثل إطلاق المحتجزين، وفتح الطرق، ومنع النهب، وتأمين الأسواق، وضمان وصول الغذاء والماء، وحماية النازحين. أما القضايا الكبرى المتعلقة بتقاسم السلطة أو مستقبل القوات المسلحة، فينبغي ربطها بمسارات تفاوض وطنية وإقليمية أوسع.
ويمكن للجان الوساطة أن تعتمد خرائط للنزاع المحلي، وتحدد خطوط التوتر، والجهات صاحبة التأثير، ومصادر الشائعات، والاحتياجات العاجلة. كما ينبغي أن تضع قواعد تمنع استخدام الوساطة للحصول على معلومات استخبارية أو كشف هوية المقاتلين أو المدنيين. ولا تنجح الوساطة إذا لم يشعر الطرف الأضعف بأنها محايدة وقادرة على حمايته.

العمل المدني عبر الحدود

حين يتعذر النشاط الآمن داخل السودان، يمكن للحزب وأعضائه في الخارج دعم التوثيق والاتصال والمناصرة الدولية والتدريب والتمويل الشفاف. لكن هذا العمل ينبغي ألا يتحول إلى قيادة بديلة تفرض أجندتها على الفاعلين في الداخل، ولا إلى منصة لإصدار توجيهات تعرض الشبكات المحلية للخطر.
ويستطيع الفاعلون في برلين ودول الجوار، على سبيل المثال، دعم منظمات حقوقية مستقلة، وترجمة الوثائق، والتواصل مع البرلمان الأوروبي والأمم المتحدة، ومساندة أسر المعتقلين، دون الكشف عن أسماء الناشطين في الداخل. ويجب أن تظل الأولوية لسلامة المصدر، لا للسبق الإعلامي أو إبراز الدور الحزبي.
كما ينبغي أن يركز النشاط الخارجي على المطالبة بوقف الاعتقالات التعسفية، وإطلاق سراح المدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان وصول المساعدات، ووقف استخدام المحاكمات السياسية، وفرض رقابة على تدفق السلاح، ودعم آليات التحقيق الدولية. ويتعين تجنب استدعاء التدخل العسكري الخارجي أو العقوبات العشوائية التي قد تزيد معاناة المدنيين.

تاسعاً: الحكم النهائي على الدعوة

يمكن صياغة الحكم التحليلي في ثلاث نقاط. أولاً، العمل المدني المعارض العلني داخل مناطق سيطرة الجيش محدود للغاية، وتثبت قضايا أحمد شفا ومحمد عز الدين أن المجال مغلق عملياً أمام قطاعات من الناشطين. ثانياً، توجد مؤشرات قوية على تفاهمات عملية وغير معلنة بين الحزب وبعض مؤسسات وسلطات الجيش، خصوصاً عند جمع المشاركة في المقاومة الشعبية، والسماح الانتقائي بالأنشطة، والتعاون الخدمي الرسمي في عطبرة. ثالثاً، لا تتوافر في الوقائع المنشورة وحدها أدلة كافية للجزم بوجود صفقة مركزية سرية بين قيادة الحزب والجيش.
وبناءً عليه، فإن الاستجابة السليمة ليست دعوة الجمهور إلى نشاط علني واسع، بل مطالبة الحزب أولاً بتسوية تناقضه الداخلي. فلا يمكن أن يكون الحزب في آن واحد قوة مدنية معارضة، وشريكاً خدمياً لسلطات عسكرية، ومصدراً لأعضاء يقاتلون إلى جانب الجيش، ثم يطالب المجتمع بالثقة في استقلاله دون تفسير. إن استعادة المصداقية تتطلب موقفاً قابلاً للاختبار: كشف العلاقات، فصل العمل المدني عن الحرب، الدفاع عن جميع المعتقلين، ورفض تحويل الخدمات أو المناسبات الحزبية إلى مكافأة سياسية من سلطة الأمر الواقع.
كما ينبغي أن يعلن الحزب بوضوح موقفه من السلطة المدنية البديلة التي تعمل في مناطق سيطرة الجيش، ومن القوانين التي تمنح الأجهزة العسكرية صلاحيات واسعة، ومن مشاركة الإسلاميين أو الكتائب المسلحة في مؤسسات الدولة. فالتعاون مع سلطة الأمر الواقع في مشروع مياه لا يمكن فصله سياسياً عن سؤال أوسع: هل يسعى الحزب إلى إسقاط البنية العسكرية للدولة، أم إلى التعايش معها مؤقتاً، أم إلى إعادة ترتيبها من الداخل. ولا يمكن للجمهور تقييم دعوته دون إجابة صريحة عن هذا السؤال.
وتتمثل المعضلة العملية في أن الحزب قد لا يملك رفاهية الاختيار بين الاستقلال الكامل والتعاون الكامل. فالسكان يحتاجون إلى الماء والكهرباء والدواء، والسلطات المحلية تملك مفاتيح المرور والتصاريح، والحرب تفرض اتصالات مع المسلحين. لكن غياب رفاهية الاختيار لا يبرر غياب القواعد. ويمكن للحزب أن يتفاوض في المسائل الإنسانية مع الجيش أو غيره، بشرط أن يفعل ذلك علناً أو عبر قنوات مهنية، وأن يرفض المعلومات الأمنية، وأن يفصل التفاوض الإنساني عن التأييد السياسي، وأن يعلن أي تنازل قد يؤثر في استقلاله.
ويكمن الاختبار الحقيقي في كيفية تعامل الحزب مع القضايا التي تضر بالجيش أو بحلفائه. فإذا دافع عن أحمد شفا ومحمد عز الدين، وطالب بمحاكمات عادلة حتى عندما تنطوي على انتقاد للمجهود الحربي، ورفض الاعتقالات التي تنفذها الاستخبارات العسكرية، فإن ذلك يدعم ادعاءه بالاستقلال. أما إذا ركز على الاعتقالات التي تقع في مناطق الدعم السريع وتجنب ما يقع في مناطق الجيش، فإن خطابه المدني سيبدو انتقائياً.
ولا تكفي البيانات السياسية لتبديد الشكوك. فالمصداقية لا تُستعاد بالتصريحات، بل بسلوك يمكن مراقبته، مثل نشر الحسابات، وإعلان أسماء الجهات الشريكة، وإدانة الاعتقالات من جميع الأطراف، وتوضيح موقف الحزب من الأعضاء المشاركين في القتال، وقبول النقد الداخلي. ويجب أن يظل معيار الحكم هو الاتساق بين الخطاب والممارسة، لا قوة التاريخ الرمزي للحزب أو حجم الضغوط التي يتعرض لها.

خاتمة نقدية

تكشف الوقائع المتاحة أن دعوة الحزب الشيوعي السوداني إلى العمل المدني داخل السودان لا تواجه عائقاً أمنياً عابراً، بل تصطدم بفضاء مدني مغلق تجرّم فيه السلطات الخطاب المناهض للحرب، وتستطيع الجماعات المسلحة التأثير في الشرطة والنيابة والمحاكم، كما توضح قضية أحمد شفا، بينما يظل مدافعون حقوقيون مثل محمد عز الدين رهن الاحتجاز الطويل والاتهامات الخطيرة (راديو دبنقا، 2026؛ Front Line Defenders, 2026).
وفي المقابل، فإن مشاركة أعضاء من الحزب في المقاومة الشعبية المسلحة، والتعاون الرسمي مع سلطات ولاية نهر النيل في مبادرة عطبرة، والسماح الانتقائي ببعض أنشطة الحزب، تشكل مؤشرات جدية على تفاهمات عملية غير معلنة مع الجيش، حتى إن لم تثبت بعد وجود اتفاق مركزي مكتوب أو صفقة سياسية شاملة (الترا سودان، 2025؛ الترا سودان، 2025). ولذلك فإن استمرار الدعوة بصيغتها الحالية سيكون غير واقعي ومربكاً، وربما خطراً، ما لم يقترن بتحديد واضح لطبيعة العمل المدني وموقف الحزب من مشاركة أعضائه في الحرب وعلاقته بالسلطات العسكرية.
إن البديل الوحيد القابل للدفاع أخلاقياً وسياسياً هو عمل مدني مستقل، لا يساوم على الحريات، ولا يسلّح المجتمع، ولا يحول الخدمات إلى امتداد للحزب أو للجيش، ويضع حماية المدنيين ووقف الحرب والمساءلة فوق الاعتبارات التنظيمية. ومن دون هذا التحول، ستظل دعوة الحزب أقرب إلى خطاب سياسي يعمل داخل مجال انتقائي تسمح به السلطة حيناً وتغلقه حيناً، لا إلى مشروع مدني ديمقراطي مستقل.
ويظل الاستنتاج الأكثر دقة أن الحزب الشيوعي يواجه اختباراً مزدوجاً: اختبار القدرة على العمل في بيئة قمعية، واختبار الاستقلال عن الطرف العسكري الذي يتيح له أحياناً مساحة محدودة. فإذا اختار الحزب الدفاع عن الحريات لجميع المدنيين، ورفض المشاركة الحزبية في الحرب، وشفّف علاقاته وتمويله، وفصل الخدمات عن السياسة، فقد يحول الدعوة إلى العمل المدني من شعار ملتبس إلى استراتيجية حماية وسلام. أما إذا استمر في الجمع بين المعارضة الخطابية والتعاون العملي غير المعلن، فستبقى الدعوة غير واقعية، وستظل الشكوك حول علاقته بالجيش أقوى من بيانات النفي والتأكيد.
والنقد الأهم لا يوجه إلى الحزب وحده، بل إلى البيئة السياسية التي جعلت مثل هذا التناقض ممكناً. فقد عجزت القوى المدنية السودانية عن بناء قواعد موحدة للعمل أثناء الحرب، وانقسمت حول مسؤولية اندلاع القتال، واختلفت في تقييم الجيش والدعم السريع، وتنافست على تمثيل الثورة، في الوقت الذي كانت فيه المبادرات المحلية تحمل العبء الأكبر في الإغاثة والحماية. وقد سمح هذا الفراغ للأطراف المسلحة بإعادة تعريف المدنيين وفق حاجاتها، وللأحزاب بتقديم نفسها أحياناً بوصفها قوى مدنية، وأحياناً بوصفها قوى مقاومة أو حماية وطنية.
ولذلك فإن معالجة مشكلة دعوة الحزب لا تتم عبر مطالبة الحزب بالصمت أو الانسحاب الكامل من المجتمع، كما لا تتم عبر منحه تفويضاً مفتوحاً باسم تاريخ الحزب أو خبرته. المطلوب هو مساءلة علنية ومؤسسية تتيح التمييز بين النشاط المدني المشروع، والتعاون الإنساني الضروري، والتفاهم السياسي، والمشاركة المسلحة. فهذه المستويات الأربعة لا يجوز دمجها في عبارة واحدة هي “العمل المدني”.
وإذا لم يقدم الحزب إجابات موثقة بشأن مشاركة أعضائه في المقاومة الشعبية، وطبيعة علاقاته مع سلطات الجيش، ومصدر تمويل مبادرة عطبرة، وحدود تعاونه مع الإدارات المحلية، وموقفه من محاكمات المدنيين، فإن الدعوة ستظل تعاني عجزاً في الشرعية لا عجزاً في القدرة التنظيمية فقط. أما إذا قدم هذه الإجابات، وقبل بإخضاع نفسه للمساءلة، وفصل الخدمات عن النفوذ، ودافع عن الحريات حتى عندما تضر بمصالح الطرف الذي يتعامل معه، فقد تتحول تجربته إلى نموذج محدود للعمل المدني في ظل الحرب.
وعليه، فإن الحكم النهائي هو أن العمل المدني داخل السودان ممكن، لكنه ليس ممكناً بالصيغة الحزبية التقليدية ولا في صورة نشاط علني واسع يراهن على تسامح السلطة. وهو ممكن فقط في صورة شبكات حماية وخدمة وتوثيق ووساطة مستقلة، محكومة بقواعد أمنية وأخلاقية ومالية واضحة. أما دعوة الحزب الشيوعي، بصيغتها العامة، فهي غير واقعية بالفعل إذا لم تسبقها مصالحة معلنة بين الخطاب والممارسة، وبين رفض العسكرة والتعاون مع المؤسسة العسكرية، وبين الدفاع عن الحريات وانتقاء القضايا التي يدافع عنها الحزب.
وتتطلب المصالحة المعلنة بين الخطاب والممارسة إجراءات عملية لا رمزية فقط. فعلى الحزب أن يحدد في وثيقة عامة ما إذا كان يرفض مشاركة أعضائه في المقاومة الشعبية، أو يقر بها ضمن شروط، أو يعتبرها شأناً فردياً. وعليه أن يوضح ما إذا كانت مبادرة عطبرة ممولة من موارد حزبية، أو مساهمات شخصية، أو جهة خارجية، وأن ينشر النتائج الفعلية للمبادرة إذا نُفذت. وعليه كذلك أن يعلن موقفاً موحداً من كل اعتقال تعسفي ومحاكمة سياسية، حتى عندما يكون الضحية غير قريب من الحزب.
وبذلك يصبح السؤال الأساسي ليس ما إذا كان الحزب يستطيع “العمل” داخل السودان، بل أي نوع من العمل يريد أن يمارس. فإذا كان المقصود خدمة المدنيين وحمايتهم، فذلك ممكن بشروط، حتى في بيئة الحرب. وإذا كان المقصود إعادة بناء القوة الحزبية عبر قنوات تسمح بها السلطة العسكرية، فإن ذلك ليس عملاً مدنياً مستقلاً، بل تكيفاً سياسياً مع نظام الحرب. وإذا كان المقصود الجمع بين الأمرين، فإن الحزب سيظل معرضاً لاتهام استخدام العمل المدني غطاءً لتفاهم غير معلن مع الجيش.

المراجع

  1. Bertelsmann Stiftung. BTI 2026 country report: Sudan. Gütersloh: Bertelsmann Stiftung; 2026. Available from: https://bti-project.org/en/reports/country-report/SDN. Accessed 2026 Aug 6.
  2. CIVICUS Monitor. Sudan: civic space downgraded from repressed to closed. Johannesburg: CIVICUS; 2025. Available from: https://monitor.civicus.org/press_release/2025/sudan/. Accessed 2026 Aug 6.
  3. CIVICUS Monitor. Sudan country brief. Johannesburg: CIVICUS; 2026. Available from: https://civicusmonitor.contentfiles.net/media/documents/Sudan-ResearchBrief-April2026.pdf. Accessed 2026 Aug 6.
  4. Chenoweth E. Civil resistance: what everyone needs to know. New York: Oxford University Press; 2021.
  5. Front Line Defenders. Mohamed Izzeldin prosecuted on charges carrying the death penalty after more than one year of arbitrary detention. Dublin: Front Line Defenders; 2026. Available from: https://www.frontlinedefenders.org/en/case/mohamed-izzeldin-prosecuted-charges-carrying-death-penalty-after-more-one-year-arbitrary-detention. Accessed 2026 Aug 6.
  6. Hivos. Sudan country focus report 2025. The Hague: Hivos; 2026. Available from: https://eusee.hivos.org/assets/2026/03/FINAL-SUDAN-CFR-2025-1-1.pdf. Accessed 2026 Aug 6.
  7. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. Human rights situation in the Sudan: 1 January to 30 June 2025. Geneva: United Nations; 2025. Available from: https://www.ohchr.org/sites/default/files/documents/countries/sudan/ohchr-report-human-rights-situation-in-sudan-1-january-30-june-2025.pdf. Accessed 2026 Aug 6.
  8. United Nations. Sudan: displacement figures fall for first time. New York: United Nations; 2025a. Available from: https://news.un.org/en/story/2025/03/1161611. Accessed 2026 Aug 6.
  9. United Nations. Sudan: no respite for civilians amid unrelenting war and aid constraints. New York: United Nations; 2025b. Available from: https://news.un.org/en/story/2025/04/1162386. Accessed 2026 Aug 6.
  10. United Nations. Scores killed in Sudan’s Kordofan region as fighting intensifies. New York: United Nations; 2025c. Available from: https://news.un.org/en/story/2025/07/1165402. Accessed 2026 Aug 6.
  11. United Nations. United Nations guidance for effective mediation. New York: United Nations; 2012. Available from: https://peacemaker.un.org/sites/default/files/document/files/2022/07/peacemaker-un-guidance-effective-mediation.pdf. Accessed 2026 Aug 6.
  12. Wosornu E. Briefing to the Security Council on the humanitarian situation in Sudan. New York: United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs; 2025. Available from: https://www.unocha.org/publications/report/sudan/ms-edem-wosornu-director-operations-and-advocacy-ocha-behalf-mr-tom-fletcher-us. Accessed 2026 Aug 6.
  13. الترا سودان. الحزب الشيوعي في عطبرة يقترح مبادرة لحل أزمة مياه المدينة عبر الطاقة الشمسية. الخرطوم: الترا سودان؛ 2025. متاح من: https://ultrasudan.ultrasawt.com/الحزب-الشيوعي-في-عطبرة-يقترح-مبادرة-لحل-أزمة-مياه-المدينة-عبر-الطاقة-الشمسية/سياسة. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  14. الترا سودان. الحزب الشيوعي يدين منع السلطات ندوة في مقره بعطبرة. الخرطوم: الترا سودان؛ 2025. متاح من: https://ultrasudan.ultrasawt.com. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  15. الترا سودان. محكمة جنايات دنقلا تواصل محاكمة الطبيب الصيدلاني أحمد الشفا وسط إجراءات أمنية مشددة. الخرطوم: الترا سودان؛ 2026. متاح من: https://ultrasudan.ultrasawt.com. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  16. التغيير. الذكرى 78 لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني. الخرطوم: التغيير؛ 2024. متاح من: https://www.altaghyeer.info/ar/2024/08/13/الذكرى-78-لتأسيس-الحزب-الشيوعي-السوداني/. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  17. دارفور24. الأمن يفض ندوة سياسية للحزب الشيوعي السوداني بعطبرة. الخرطوم: دارفور24؛ 2025. متاح من: https://darfur24.com/2025/04/30/الأمن-يفض-ندوة-سياسية-للحزب-الشيوعي-السوداني-بـعطبرة/. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  18. لجنة العدالة. السودان: لجنة العدالة ترحب بالإفراج عن الصيدلي أحمد شفا وتبدي مخاوفها بشأن استمرار الإدانة. القاهرة: لجنة العدالة؛ 2026. متاح من: https://www.cfjustice.org/ar/السودان-لجنة-العدالة-ترحب-بالإفراج-عن-الصيدلي-أحمد-شفا/. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  19. راديو دبنقا. انعقاد محاكمة د. أحمد شفا وسط إجراءات أمنية مشددة بدنقلا ومنع الجمهور من الحضور. أمستردام: راديو دبنقا؛ 2026. متاح من: https://www.dabangasudan.org/ar/all-news/article/انعقاد-محاكمة-د-أحمد-شفا-وسط-إجراءات-أمنية-مشددة-بدنقلا-ومنع-الجمهور-من-الحضور. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  20. راديو دبنقا. استئناف محاكمة د. أحمد شفا في دنقلا بعد إعادة أوراق القضية من قبل النيابة. أمستردام: راديو دبنقا؛ 2026. متاح من: https://www.dabangasudan.org/ar/all-news/article/استئناف-محاكمة-د-أحمد-شفا-في-دنقلا-بعد-إعادة-أوراق-القضية-من-قبل-النيابة. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  21. راديو دبنقا. حملة لإطلاق سراح الناشط والمدافع الحقوقي محمد عز الدين المحامي. أمستردام: راديو دبنقا؛ 2026. متاح من: https://www.dabangasudan.org/ar/all-news/article/حملة-لاطلاق-سراح-الناشط-والمدافع-الحقوقي-محمد-عز-الدين-المحامي. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  22. راديو دبنقا. تشكيل حملة قومية للدفاع عن الدكتور أحمد شفا من 40 كياناً. أمستردام: راديو دبنقا؛ 2026. متاح من: https://www.dabangasudan.org/ar/all-news/article/تشكيل-حملة-قوم-ية-للدفاع-عن-الدكتور-أحمد-شفا-من-40-كيانا. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  23. المقاومة الشعبية في السودان. المقاومة الشعبية في السودان: النشأة والتكوين والعلاقة بالقوات المسلحة. الخرطوم؛ 2024. متاح من: https://ar.wikipedia.org/wiki/المقاومةالشعبيةفي_السودان. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
  24. التاهرر. الحكم بالسجن والغرامة بحق أحمد الشفاء على إثر بلاغ كتيبة البراء بن مالك. الخرطوم: التاهرر؛ 2026. متاح من: https://www.alttahrer.com/archives/111478. تاريخ الوصول: 2026 أغسطس 6.
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
شباب السودان… أحلامٌ مؤجلة ومستقبلٌ مجهول
منبر الرأي
ليست أزمة الخماسية… بل أزمة السياسة السودانية
منشورات غير مصنفة
مناظير
منبر الرأي
السلام (الحلو) وعجز القادرين على التمام! .. بقلم: بثينة تروس
Uncategorized
بعد أن كنت تلميذاً صغيراً… واليوم معلماً، عُدْتُ لأتعلم من أحفادي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

كل أبنائه (أهلة) إلاّ عبد الرحمن: المهدي والهلال.. قصة الانتماء الأزرق.. بقلم: كتب/ فتح الرحمن شبارقة

طارق الجزولي
منبر الرأي

الطيب مصطفي (نهاية رجل مهووس)!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

طارق الجزولي
منبر الرأي

خادمات البيوت وعصرنة العبوديّة! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

د. محمد بدوي مصطفى
منبر الرأي

من احاديث الذكريات!! … بقلم: د. على حمد إبراهيم

د. على حمد إبراهيم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss