قراءة في رواية المستنقع، للكاتب الإيراني جعفر مدرس صادقي، بترجمة غسان حمدان، والصادرة عن منشورات الجمل عام ٢٠١٥، وتقع في ٩٨ صفحة.
بين ماءٌ باردٌ يرعش الجسد، وآخرُ دافئٌ يتسلّل إليه، يبقى الغوص في رحم المستنقع؛ ذاكرةً هشّةً تتلمّس شروخ الحياة. تنهض الروح… ثم تغوص. وكلما ظنّت أنها تُفلت، انزلقت أعمق. تقاوم بلذّةٍ واهية، تبحث في القاع عن ماضيها، عن حاضرها، عن صورتها وهي تتكسّر هناك… في قعر الحياة.
(«كلما كنت أغوص كان الماء دافئاً…») (ص٩٦)
تأملات الغرق:
١ـ الأسرة: أصل المستنقع
١/ تبدأ البنية من خللٍ عائلي مبكر؛ أمّ تموت «من الغم» (ص١٥)، في توصيف يبدو بسيطاً لكنه يكشف عن عنفٍ يفتك ببطء.
٢/ الأب يعيش انقساماً واضحاً بين صخبه الخارجي وخضوعه الداخلي، مما يخلق فراغاً قيمياً ينعكس على الابن، الذي لا يرث حادثة محددة، بل يرث اختلالاً كاملاً في شكل العلاقة.
٢ـ الطفولة: لعبة الإذلال
(«…دفعني بثيابي إلى الماء… وكان يقهقه…») (ص٤٥)
يتحوّل العنف هنا إلى مزاح، ويُعاد تقديم الإذلال كفعل عابر، في لحظة تؤسس لعلاقة مرتبكة بين الجسد والخوف، حيث لا يعود الألم كافياً لتوليد الرفض.
٣ـ العمل: سلطة الخطأ
١/ لا يشكّل العمل مساحة خلاص، وانما امتداداً لنفس البنية القامعة، حيث يصبح الخطأ أداة سلطة دائمة.
٢/ (…ولم أعد موجوداً) (ص٣٢) تختصر التجربة؛ إذ يتحول الإقصاء إلى محوٍ رمزي، يكرّس هشاشة الوجود الفردي داخل منظومة لا تعترف إلا بالبدائل.
٤ـ الموت: القيمة المؤجلة
(«أهناك أحد يتوفى أبوه ولا يقول؟») (ص٣٢)
في مفارقة لافتة، يمنح موت الأب الابن شكلاً من الاعتراف الاجتماعي، فالحضور لا يُرى إلا حين يتحول إلى فقد.
٥ـ الزواج: الامتلاك لا الحب
١/ (…لأنني كنت أريد أن تكون ملكي…) (ص٣٥)
يفكك النص فكرة الحب ليعيدها إلى رغبة في الامتلاك، سرعان ما تفقد معناها بعد تحققها.
٢/ تقوم العلاقة على تواصل غير مباشر، حيث تُقال الرغبات عبر الإيماء، مما يجعل الصمت جزءاً من البنية العاطفية.
٦ـ الأب: حضور لا ينتهي
عودة الأب بعد موته تُقرأ كاستمرار نفسي لسلطة لم تُحلّ، حيث يتحول إلى أثر دائم، يتجاوز حدود الحياة والموت.
٧ـ الرغبة والفراغ
١/ تتسع رغبة البطل لتشمل «كل النساء» (ص٦٧)، في دلالة على رغبة بلا مركز.
٢/ في المقابل، تتحقق رغبته بموت الأب، لكنها لا تمنحه خلاصاً، بل تتركه في فراغٍ أكثر اتساعاً.
٨ـ ذروة المستنقع: الغرق الدافئ
(«كلما كنت أغوص كان الماء دافئاً…») (ص٩٦)
هنا يصل النص إلى ذروته الدلالية؛ حيث يتحول الغرق إلى حالة مألوفة، ويغدو العمق مكاناً للدفء. لم يعد الماء تهديداً، بل امتداداً للجسد، فالبطل يعيد كتابة صدمته الأولى، لكن هذه المرة بقبولٍ كامل.
٩ـ إيران: الجغرافيا مرآة نفسية
تحضر إيران في النص بوصفها أكثر من خلفية مكانية؛ طهران بأجانبها، عمرانها، مفارقاتها الحديثة، مقابل أصفهان بثقلها التاريخي وهدوئها، تكشف عن انقسامٍ مشابه داخل البطل نفسه.
نهر زاندة، دوامات الماء، ثم الجفاف والتحول إلى مستنقع، تبدو إشارات إلى تحوّل أوسع: كيف يمكن للطبيعة أن تفقد نقاءها، كما يفقد الإنسان توازنه، تحت ضغط التغيّر.
ثم ظهور الزورق كعنصر غريب “البطل”، أو كذاكرة قديمة “للأب” تحاول البقاء في بيئة لم تعد تنتمي إليها.
ملاحظات:
١/ تكمن براعة النص في عمق بنائه النفسي أكثر من الحبكة تقليدية.
٢/ الترجمة جاءت بلغة أقرب إلى المباشرة أو المدرسية، مع تكرار ملحوظ لصيغ الماضي (كان/كانت)، مما أثّر أحياناً على انسيابية الإيقاع.
٣/ تحضر الكوميديا السوداء ناضجة وهادئة، عبر المواقف.
٤/ الشخصيات ثيمتها امتدادات لحالة البطل أكثر من كونها كيانات مستقلة.
٥/ الزمن يتداخل بين الطفولة والحاضر دون قطيعة واضحة، مما يعزز الإحساس بالاستمرارية النفسية.
ختاماً
ـ لعلها تجربة حديثة لي مع الأدب الإيراني، لكنها تكفي لتكشف كيف يمكن لنصٍّ واحدٍ، صيغ ببراعة نفسية، أن يفرض حضوره كعلامة تستحق العودة.
ـ نصٌّ رقيقٌ ومتناقض في آن؛ يحملنا إليه بقدر ما يكشفنا داخله، حتى نكاد نرى في البطل شظايا من ذواتنا، وفي غياب الأسماء اتساعاً يفتح الحكاية على الجميع: أمّ، أب، عمة، زوجة… بلا حدود، فالتعميم هنا توسيعٌ للمعنى ليشمل كل احتمال إنساني.
ـ وفي المقابل، تمنح الأسماء حين تظهر للأصدقاء مساحة اختيار، فيتحول النص إلى فضاء يترك للإنسان حق تحديد دوائره، لا فقط العيش داخلها.
ـ وفي موازاة ذلك، تمتد الجغرافيا الإيرانية بأنهارها، وعمران مدنها، وتحولاتها، كطبقة موازية للسرد، تعكس تبدّل المكان. فحين يجفّ النهر ويتحوّل إلى مستنقع، لا يكون ذلك مجرد تغير طبيعي، بل استعارة لانكسار أعمق، يعيد تشكيل التوازن القديم، ويترك حياةً أقل صفاءً… وأكثر اعتياداً.
ـ ويبقى في النهاية ذلك الدفء الغامض، الذي لا يطمئن تماماً، ولا يُرفض تماماً… دفء نذوب فيه ولا ننتبه.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
