همة الزاهدين وهمة العارفين

 


 

 

المروءة في حياتنا .
أيها السائر في الطريق إلى الله ،
همة الزاهدين فى كثرة الأعمال و همة العارفين فى تصحيح الأحوال.
أربعة تعينك على جلاء قلبك: كثرة الذكر، ولزوم الصمت، والخلوة، وقلة المطعم و المشرب.
أهل الغفلة إذا أصبحوا يتفقدون أموالهم و أهل الزهد و العبادة يتفقدون أحوالهم و أهل المعرفة يتفقدون قلوبهم مع اللّه عز و جل. ما من نفس بيدي اللّه تعالى فيك من طاعة أو مرض أو فاقة إلا و هو يريد أن يختبرك بذلك، و من طلب الدنيا بطريق الآخرة كان كمن أخذ ملعقة ياقوت يغرف بها العذرة أفما يعد هذا أحمق. لا تعتقد أن الناس فاتهم العلم بل فاتهم التوفيق أكثر من العلم. أول ما ينبغى لك أن تبكى على عقلك فكما يقع القحط فى الكلأ يقع فى عقول الرجال و بالعقل عاش الناس مع الناس و مع اللّه تعالى، مع الناس بحسن الخلق، و مع اللّه باتباع مرضاته، إن من من عليك بثلاثة فقد من عليك بالنعمة الكبرى:
الأولى الوقوف على حدوده. و الثانية الوفاء بعهوده. و الثالثة الغرق فى شهوده، و ما سبب استغرابك لأحوال العارفين إلا استغراقك فى القطيعة، و لو شاركتهم فى الأسفار لشاركتهم فى الأخبار، و لو شاركتهم فى العنا لشاركتهم فى الهنا: ما شأن نفسك وقت الرضا إلا كالبعير المعقول فإذا سيبته انطلق قال رسول اللّه صلى الله عليه و سلم (لقلب ابن آدم أشد تقلبا من القدر على النار إذا غلت) فكم من كان فى جمع مع اللّه أتته الفرقة فى نفس واحد، و كم من بات فى طاعة اللّه ما طلعت عليه الشمس حتى دخل فى القطيعة فالقلب بمثابة العين و العين لا ترى بها كلها بل بمقدار العدسة منها كذلك القلب لا يراد منه اللحمانية بل اللطيفة التى أودعها اللّه فيه و هى المدركة و جعل اللّه القلب معلقا فى الجانب الأيسر كالدلو فإن هب عليه هوى الشهوة حركه و إن هب عليه خاطر للتقوى حركه، فتارة يغلب عليه خاطر الهوى و تارة يغلب عليه خاطر التقى حتى يعرفك مرة منه و مرة قهره، فمرة يغلب عليه خاطر التقى ليمدحك و مرة يغلب عليه خاطر الهوى ليذمك، فالقلب بمثابة السقف فإذا أوقد فى البيت نار صعد الدخان إلى السقف فسوده، فكذلك دخان الشهوة إذا نبت فى البدن صعد دخانه إلى القلب فسوده. إذا ظلمك القوى فارجع إلى القوى و لا تخف منه فيسلط عليك مثال من يشهد الضرر من المخلوقين كمن ضرب الكلب بحجر فأقبل الكلب على الحجر يعضه و لا يعرف أن الحجر ليس بفاعل فيكون هو و الكلب سواء.
مثال من يشهد الإحسان من المخلوقين كالدابة إذا رأت سايسها بصبصت و يدنو إليها مالكها فلا تلقى إليه بالا، فإن كنت عاقلا فاشهد الأشياء من اللّه عز و جل و لا تشهدها من غيره ليس التائه من تاه عن سبيل الهدى. تطلب العز من الناس و لا تطلبه من اللّه فمن طلبه من الناس فقد أخطأ الطريق و من أخطأ الطريق لم يزده سيره إلا بعدا فهذا التائه حقا: إذا قلت لا إله إلا اللّه طالبك اللّه بها و بحقها و هو أن لا تنسب الأشياء إلا إليه. مثال القلب إذا سلمته إلى النفس كمن تعلق بغريق فغرق كل واحد منهما، و مثال النفس إذا سلمتها للقلب كمن أسلم نفسه إلى عوّام قوىّ فسلمها له فلا تكن ممن سلم قلبه إلى نفسه فهل رأيت بصيرا قلد نفسه إلى أعمى يقوده. إن أمكنك أن تصبح و تمسى و ما ظلمت أحدا من العباد فأنت سعيد فإن لم تظلم نفسك فيما بينك و بين اللّه فقد تكملت لك السعادة فاغلق عينيك و سد أذنيك و إياك و إياك و ظلم العباد. ما مثالك فى صغر عقلك و كونك لا تعلم ما عليك من الملابس إلا كالمولود تكسوه أمه أحسن الملابس و أفخرها و هو لا يشعر و ربما دنسها و نجسها فتسرع إليه أمه و تكسوه أخرى لئلا يراه الناس كذلك و تغسل ما تنجس و هو لا يعلم ما فعل به لصغر عقله. عن الشيخ أبى الحسن الشاذلى رضى اللّه عنه أنه قال: قيل لى يا على طهر ثيابك من الدنس تحفظ بمدد اللّه فى كل نفس فقلت و ما ثيابي؟ فقيل لى إن اللّه كساك حلة المعرفة ثم حلة التوحيد ثم حلة المحبة ثم حلة الإيمان ثم حلة الإسلام، فمن عرف اللّه صغر لديه كل شئ، و من أحب اللّه هان عليه كل شئ، و من وحد اللّه لم يشرك به شيئا، و من آمن باللّه أمن من كل شئ، و من أسلم للّه قلما يعصيه و إن عصاه اعتذر إليه و إن اعتذر إليه قبل عذره، قال فهمت من ذلك قوله تعالى: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) [المدثر: 4]، يا من عاش و ما عاش تخرج من الدنيا و ما ذقت ألذ شئ فيها و هى مناجاة الحق سبحانه و مخاطبته لك ..يتبع
///////////////////////

 

آراء