دفاعا عن السياسة .. بقلم: محمود المعتصم
18 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
111 زيارة
حدثت لي هذه التجربة الجيو/نفسية -إن صح التعبير- مؤخرا: قضيت عاما كاملا خارج السودان، أو خارج الخرطوم تحديدا، هذه المدينة هي كل ما أعرفه من السودان، ثم عدت لأجد كل شيء كما كان. أولا يمكنني أن أصف حالة الحب الجدلي للمكان عندنا نحن السودانيين، من وجهة نظري على الأقل: يرتبط حب المكان عندنا بموقف مفارق في نفس الوقت، كره ساخر و حاد له، الخرطوم هي المدينة الوطن، و مدينة الأشباح، قاتلة الأحلام و المملة بتكرارها و لا-هويتها، و أعتقد أن لأي سوداني موقف ساخر أصيل من كل محاولة لرفع المكان لتلك المرتبة التي نسمع عنها فقط في الجرائد و عند المثقفين: “الوطن”. و بما أنني لست من أنصار الهويات المتوارثة و ليس لدي أي حنين لأي نوع من القومية، فهذه الحقيقة لا تثير لدي إلا نوعا من الإنتماء البهيج لها، لمدرسة في الوطنية المتجاوزة للهوية “المعلبة الجاهزة المملة”، أو “المتخيلة” عند بعضهم. الشعور الآخر الذي إنتابني هو أن المدينة لا لون و لا طعم و لا رائحة لها، لقد إنغمست الخرطوم في أحداث الحياة اليومية حتى أصبحت مكانا بلا روح، تسيطر عليه حالة من الإلتزام التلقائي بما يسمى في الإنجليزية Utilitarianism أو مذهب المنفعة. يمكنك أن تنظر للنمط المعماري فتجد أن البيوت أصبحت فعلا أماكنا للحماية من البرد و الحر و اللصوص، لا أكثر من ذلك و لا أقل، نفس الشيء بالنسبة للشوارع و الأسواق و محلات تسكع الميسورين. أصبحت الميدنة، حرفيا، مكانا للمعيشة اليومية Surviving، في داخل هذا العالم، أسيرة لحدوده، و بالتالي كئيبة، و ميتة.
لكن، ربما يمكننا كماديين أن نقرأ في هذا الموت شيئا: تخيل معي أن الخرطوم، أن الشيء الذي تعبر عنه الخرطوم، برتابتها، هو شعورها بالحزن. أن المدينة في موتها تصرخ برغبة، نعم رغبة مجردة في أن يخلق شيء، شيء ما، فيها. قبل أن نتسرع في الرمي بمثل هذه الأفكار الحالمة بعيدا، يمكننا أن نتذكر أن الصادق الرضي، و هو شاعر موت الخرطوم إن صح التعبير، شاعر “كل ما كنا نغنيه على شارع النيل تغيب … و إنطوى في الموج منسيا، حطاما في المرافئ أو طعاما للطحالب .. و في صمت المسافات القصية”. أن الصادق قد أنطق المادة يوما، بل جعلها موضع “المطلق” الذي نوجد أنا و أنت بداخله: في قصيدته، غناء العزلة ضد العزلة، و بعد سلسلة متماسكة و منظمة تم فيها إنزال “الروح” لصفوف الخبر، الدموع، الطرقات، بؤس السياسة، أو “أن تتفجر الأشياء تفصح عن قداستها”، “الأرض كانت تدخر القمح لأطفال لها، فقراء، لا يتوسدون سوى التراب” ..إلخ. بعدها وصل الصادق لحقيقة ما: “أنا أنت .. نحن الناس و الشارع، و العواميد التي تمتد بالأسفلت” ثم، و كما هو معروف، فإن موت المدينة، و هو موت السياسة، قد تمثل في أنه لا صوتي و لا صوتك قد تغلب على صدأ المقاعد … و إنهيار “البرلمان”. ألا يمكننا، إذن، أن نقبل هنا فرضية أن المدينة، بعواميدها التي تمتد بالأسفلت، تعبر عنا بأكثر مما نعبر نحن أنفسنا عن أنفسنا؟ و من ثم أن نقبل فكرة أن للمدينة نفسها “رغبة ما”؟ أن نرى في هذه الرغبة أنفسنا؟
السؤال هنا هو: هل من الممكن فعلا أن نتحرك بأخلاقيات سياسية مبنية على “الرغبة”؟ تتعارض هذه الفكرة مع النظرة التقليدية للأخلاق بوصفها مجال “المفروض” و “المتوجب” لا مجال الفعل الحر. يمكننا هنا أن نستعين -كما نفعل عادة كلما تهددنا موت ما- بالحب. بالحب كظاهرة تتعدى كونها فعلا يوميا محببا، لكونها حقيقة فلسفية. يقول جاك لاكان بأن “الرغبة لها هيكل الواجب” Desire has a structure of Duty، أن الرغبة هي فعل حر و لكنها،رغم ذلك، تظهر لكواجب ما. ما يقوم به جاك لاكان هو العبور من فكرة الحرية على أنها “سأقوم بفعل هذا الشيء لأنني أريد أن أفعله” إلى فكرة “لا يمكنني إلا أن أفعل هذا الشيء”، كل من جرب الحب سيعرف أن الحرية في الحب تأخذ بالفعل شكل الواجب، شكل الرغبة التي نصنعها و لكنها “تهيمن” علينا في النهاية، لا يكون الحب حبا لو أمكن للمرأ أن يتخلى عنه في أي لحظة، أن يلغي الرغبة متى شاء، لكنه رغم ذلك فعل لا يقوم إلا على الحرية المطلقة (تخيل أن يجبرك أحد على حب شخص ما!). ما يجب أضافته هنا، هو أنه، على الأقل بالنسبة لإحدى قراءات فلسفة إيمانويل كانت، فإن الحرية الإنسانية تتمثل في الوحدة التامة التي تصاحب إختيار الإنسان لهذه الرغبة/الواجب. لا يوجد كيان خارجي يضمن أن هذا الإختيار هو إختيار مشروع، و بالتالي لا مجال للإنسان أن يتنصل من حقيقة أن هذه الرغبة/الواجب الذي إختاره، هو إختياره هو، بلا أي ضمانات أو تبريرات خارجية. بلا أي Big Other بتعبيرات علم النفس اللاكاني. هذه الأخلاقيات التي تنتهي إلى أننا “نريد” أن نرى الخرطوم جميلة، و ليس “يتوجب” علينا أن نراها جميلة، هي الأرضية التي يقوم عليها كل خلق سياسي (*).
لذلك فإن تعريف السياسة على أنها “فن الممكن” لا يمكنه أن يستوعب”سياسات التحرر الجذرية”. فالحرية الإنسانية هي في جوهرها تطلع/رغبة لما هو ممكن (و ما هو غير ممكن في ظل المقدمات المادية المتاحة). هنا يمكننا أن نفهم فكرة ألان باديو القائلة بأن الفلسفة في الأساس تفتح المجال المعرفي لدى الإنسان “لرغبات” جديدة جذريا، الفلسفة تبدأ عملية خلق الواقع الجديد لأنها تفتح المجال للتوق لشيء ما، تجعل هذا التوق مشروعا. لقد ماتت السياسة عندنا عندما لم نفتح المجال لأنفسنا للتوق لشيء جديد كليا، عندما تحركنا في داخل الممكن، في داخل السياسة اليومية كما تُقدم لنا على أنها “كل شيء يمكن إنجازه في ظل الظروف..”. في داخل هذه السياسة التي هي جزء من العالم الحالي، و التي تفترض أن أي رغبة في شيء جديد كليا، أي رغبة في فعل خلاق، هي بالضرورة مجرد أحلام. في داخل هذه السياسة فإن الخيارات هي إما أن تكون السياسة “لعبة قذرة” أو أن نلتزم في نشاطات عشوائية “شبه جذرية Pseudo-radical” تهدف فقط لتجنب مواجهة الحقيقة القائلة بأن فعل خلق واقع جديد، أن الرغبة في خلق واقع جديد، هي رغبة تتطلب أكثر من مجرد “فعل كل ما يبدو أنه صحيح”، تتطلب مجهودا فكريا جبارا و منضبطا قبل كل شيء، أن الرغبة في الخلق السياسي الجذري هي أكثر من مجرد الرغبة في الشعور بالسعادة أو الرضى. و بالتالي فهي عكس التبسيط الذي يجلب الراحة، هي العمل الشاق لمواجهة تعقيد الحقيقة. نحن الذين لنا مصلحة –إن شئت- في رؤية هذا العالم الجديد، نحن في الحقيقة لا نملك غير عقولنا و أجسادنا -مثل أي بروليتاريا في كل مكان- و لذلك فإن إستخداما، منضبطا و جادا، لهذا الموارد المتوفرة لفترة محدودة سيكون إلزاميا. أخلاقيات الرغبة (التي يقترحها جاك لاكان عبر علم نفسه المبني على أفكار فرويد و هيغل و كانت) ليست أخلاقيات “إفعل ما تشاء”، بل هي أخلاق “تحلى بالشجاعة، لتلتزم بكل الفعل الشاق و الضروري فعلا، حتى تحافظ على رغبتك حية”.
إذن، يمكننا أن ندافع فعلا عن السياسة، أن نحررها من أثر الواقع عليها. بالعودة لآلان باديو، فإن فكرته عن تحرير الفلسفة لرغبات جديدة تأخذ شكلا حاسما في التبعات التي يبنيها آلان على هذا التحرير: إن تكون رغبة في صناعة عالم جديد، إن بناء هذه الرغبة لا على مجرد تخيلات وهمية، بل على فعل فكري منضبط، فكر مادي –إن شئت-، هو فعل الفلسفة الجذري، أما عملية تحقق هذا العالم فهو يتم عبر طريقين. الأول هو الفن: الإبداع خارج الأطر المتاحة، الإنشغال بخلق كل ما هو غير موجود من وجهة نظر الثقافة المهيمنة، الفن كفعل “تحرري” حقيقي. و الطريق الآخر هو السياسة: السياسة التحررية هي سياسة أخلاقية ما دامت ملتزمة بالوفاء لرغباتنا الأصيلة، و هي رغبات توجد خارج العالم المتاح اليوم، و لذلك فهي سياسة إبداعية، لا تجتر الماضي بل تحاول “الوفاء” للحقيقة التي ظهرت فيه. هذه السياسة التي تحاول بناء عالم جديد هي سياسة شاقة، في بعض تفاصيلها مملة، و لكنها مع ذلك سياسة تجيش الناس لأنها تعبر عنهم، تجيشهم بلا “شعبوية” إن صح التعبير. هذا التعارض بين السياسة الجذرية و الشعبوية يمكن تلخيصه في فكرة التعارض بين “المنفعة المباشرة” و “الحقيقة”، متى ما وضعت الأهداف الصغير “المشروعة” كأهداف عليا، متى ما رفعت فوق الحقيقة فإننا سننتهي لسياسات شعبوية، تؤدي في النهاية للبقاء داخل العالم، لمواصلة الدوران فيه (و بالتالي عدم القدرة على إنتاج المنفعة على المدى البعيد و لكل الناس)، لذلك فإن الفكر السياسي الجذري هو فكر مبني على أسبقية الحقيقة على كل شيء.
بالنسبة لي، فإن هذه السياسة هي ليست شيئا جيدا فحسب، بل هي عمل محبب، يمكنني أن أفني حياتي فيه بلا أي ضغط من أخلاقيات “المسؤولية”.بالفعل هذه السياسة هي رفيقة الفن، فهي الخلق في الواقع لموضوع الفن.
لكن حتى لا تتحول هذه الدعوة لإعادة الإعتبار للسياسة لدعوة خيالية/تجريديةفإنه يمكنني أن أربطها بنمطين أكثر إشكالية: أولا، تاريخ هذه السياسة التحررية، التي تهدف لخلق عالم جديد، هو تاريخ صلب، حقيقي، مزعج في أكثر تفاصيله؛ بداية بالثورة الفرنسية، مرورا بثورة أكتوبر في روسيا، و حركات التحرر من الإستعمار، بالثورة في الصين و إيران، و ثورة أكتوبر في السودان. هذا التاريخ، الذي هو تاريخ من العنف و الفشل (قبل الحرية و الديمقراطية و إنجاز ما كان يبدو غير ممكنا) هو “تاريخنا” كما يقول سلافوي جيجاك، لا يمكننا، بل لا يجب، أن نتنصل منه. جزء من حقيقة قدرتنا على مواصلة تخيل غير الممكن هو الإستناد على هذا التاريخ، لذلك فيجب التعامل مع هذه المشكلة/الإمكانية وجها لوجه. أما من الجانب الآخر، فيمكنني أن أشير لشخص مثل ديفيد هارفي، عالم الجغرافيا البريطاني، و المتخصص في التخطيط الحضري (في هندسة المدن) بوصفه أحد الأشخاص الذين حولوا الرغبة المجردة في “خلق مدن جديدة” لمشروع أكاديمي صلب. أن أشير له بوصفه مثال للقوة المادية لهذه السياسة، قوة تحولها لعلم، و من ثم لواقع. فنحن (“نحن” هذه أنا أقترض بها من المستقبل كما يقال) لسنا، بطبيعة الحال، ظاهرة ثقافية فقط.
إن الثورة، كتوق أصيل، هي ليست في “الكرنفال” الذي يحدث يوم المظاهرات الحاشدة، بتعبير سلافوي جيجاك، بل في العمل السياسي الممل الذي ينجز بعد إنتهاء الكرنفال… و الذي ينجز قبله بالضرورة.
(*) هذه الفقرة هي إعادة كتابة لبعض أفكار سلافوي جيجاك. ربما يمكن قول هذا الشيء بالنسبة للمقال بأكمله.
mahmoud.elmutasim@gmail.com