ثلاثة انظمة عسكرية استولت علي السلطة في السودان , وثلاثة نماذج من المعارضة تصدت لهذه الأنظمة , فما هي طبيعة كل معارضة, ثم ما هي طبيعة الأنظمة نفسها التي تصدت للمعارضة ؟
لم تمض سنوات قليلة علي اول تجربة ديمقراطية لما بعد الإستقلال حتي دّشن العسكريون اول انقلاب علي الوضع الديمقراطي فساد ستة سنوات حتي جري إسقاطه عام 1964 في ثورة اكتوبر الشعبية حتي ذلك الحين كانت وسائل الإتصال المتاحة هي الراديو ثم التلفزيون والهاتف الأرضى ,والبريد والتلغراف .
في حكومة عبود وبعد تعطيل الدستور وحل الأحزاب والنقابات ووقف الصحافة الحزبية سارعت السلطات الأمنية بإلزام الصحف المستقلة باستقاء اخبار الحكومة الرسمية من نشرة يومية تصدرها ” وزارة الإستعلامات والعمل” هكذا كان اسمها مع ترك هامش واسع من الحريات للرياضة والأخبار الفنية لصرف الناس عن الحديث في السياسة ,وفي الوقت نفسه خصصت قسما لكتابة تقرير يومي يرسل لوزير الداخلية عن أداء الصحف وكان الذين يقومون بإعداد هذه التقارير هم محمد الخليفة طه الريفي ” ختمي “وعوض عبد الرازق, ومحمد الحسن احمد وسيد احمد نقد الله منشقون عن الحزب الشيوعي .
كان اكثر ما يزعج حكومة عبود هم الشيوعيون الذين يهاجمون النظام عن طريق النشرات السرية التي تطبع علي ماكينات “الرونيو” وتوزع في الطرقات وماكينات “الرونيو” هي الة طباعة بدائية كانت شائعة في ستينات القرن الماضي تستخدم في الدوائر الحكومية ووكالات الأنباء ,ولكن إمتلاكها كان لايتم إلا بتصديق من وزارة الداخلية خوفا من وقوعها في ايدي الشيوعيين ,والجبهة الوطنية المعارضة, وتبع ذلك الإجراء منع جميع المكتبات في السودان ببيع ورق “الفولاسكاب “الذي يستخدم في هذه الماكينات إلا بأذن رسمي, مكا اوكل لمصلحة البريد والبرق التدقق في اي مطبوعات تأتي من الخارج ومصادرتها اذا كانت فيها مساس بالنظام ,وعند إنقلاب مايو في عام 1969 تم اجتراح مؤسسة جديدة هي مؤسسة توزيع الصحف وترك لها مهمة رقابة الصحف الأجنبية والعربية ومصادرة اي صحيفة او مطبوعة تهاجم او تنتقد النظام ,وحتي يكون النميري وكبار المسئولين مطلعين علي ما ينشر في الخارج ضد النظام ابتكر مصطفي مدير وكالة السودان للأنباء يومذاك نشرة سرية اطلق عليها النشرة الخاصة كانت تنشر لأخبار والتعليقات المناوئة للنظام ,وكانت ترسل للرئيس النميري وكبار المسئولين في الدولة, وإمعانا في تنظيف صورته اوكل لمحمد محجوب سليمان مستشاره الصحفي ان يؤجر له كتابا وصحفيين مصريين ولبنانيين يشيدون به وبنظامه وخصص لهم رواتب وتذاكر مفتوحه لزيارة السودان في اي وقت خصوصا الصحفي اللبناني فؤاد مطر الذي موّل النميري مجلته التضامن التي كانت تصدر من لندن .
اذن تلك كانت وسائل الصحافة والإعلام في ذلك العصر, فنظام عبود اعتمد عصر السلكي واللاسلكي, ونظام النميري انتقل الي عصر الرقابة الأمنية وظهور التلكس, والميكورويف كصيحة تكنولوجية جديدة ووسيطة للدعاية للنظام .
من الجانب الأخر كيف كانت المعارضة تخطط لمحاربة هذا النظام وماهي وسائطها؟ فبالإضافة الي لجوؤها للصحف العربية والأجنبية مدفوعة الأجر مثل النظام تماما كان زعيم المعارضة الشريف حسين الهندي يرسل اشرطة كاسيت مسجلة بصوته يهاجم ويكشف فيها النظام, وكان ينسخ منها المئات لتوزع سرا علي الناس , بل إن الشريف بتحالفه مع نظام صدام حسين اعطي مجلة الدستور التي كان يرأس تحريرها الصحفي اللبناني وليد ابوظهر لتؤول رئاسة التحرير لمحمد بعد الجواد فصارت منبرا للمعارضة وكانت تهرب سرا عبر المطارات والمواني الي داخل البلاد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم