ديناميكية الثورة واستدامة تفكيك الانقاذ من خلال مضامين صندوقها الاسود .. بقلم: الدكتور احمد صافي الدين
25 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
22 زيارة
يهدف هذا المقال الى بيان اهمية استمرارية الثورة وحراك الشارع وفق اولويات تحددها المراحل القادمة. فعملية تفادي الردة الثورية، تتطلب بذل الجهود للوصول الى الصندوق الاسود الذي خلفه حطام الانقاذ لسبر اغواره، وتفكيكه وتحطيمه، وكشف عورات تفكيره، للقضاء عليه. فاذا كان مسرح الجريمة، اي جريمة لا يخلو من ادلة، فان الانقاذ تركت الكثير من الادلة التي تدين منسوبيها، ومع ذلك هنالك البصمة الفكرية، من خلال تتبع الاساليب التي تمرست عليها خلال ثلاث عقود، حيث شكلت بصمة فكرية في التعاطي مع الاحداث لا يمكن ان تنفك عنها. وهنا ندعو الى البحث عن الصندوق الاسود للنظام الذي يعين كثيرا في التوصل الى الهدف المطلوب. مما لا شك فيه ان مسجل صوت قمرة القيادة اخترعة عالم الطيران ديفيد وارن في الستينيات من القرن الماضي، الغرض منه تسجيل المعطيات الفيزيائية كسرعة الطائرة والاتجاه والارتفاع، وحيث
انه يوجد في كل طائرة صندوقان، وليس صندوق واحد، يقعان في مؤخرة الطائرة يسجلان ما يحدث للطائرة طول فترة سفرها.
فان للنظام البائد عدة صناديق بدلاً من صندوقين. فهنالك ملفات كثيرة احرقت، وبعضها سحب لدى مؤسسات التمكين والدولة الموازية، ولكن الخبرة التي توصل الى كشف المخبوءات متوافرة.
يعتقد الكثير من الناس أن لون الصندوق هو “اللون الأسود” وهذا خطأ، فلونه برتقالي أو أصفر وذلك لتمييزه بسهولة بين حطام الطائرة. ما يزال سبب التسمية غامضاً تاريخياً، فقد ذهب البعض أنه سمي باللون الأسود بسبب الكوارث الجوية وحوادث تحطم الطائرات. ويسمى أيضاً “بمسجل معلومات الطائرة”.
فلقد سرني اطلاعي على فيديو عبر الانترنت عن ديناميكية الثورة: مفاهيم رياضية، وكان عبارة عن ورشة نظمها .Sudanese research foundation
تحدث الفيديو حديثاً علمياً مؤسساً عن المنهجية التي ينبغي ان تتبع في انجاح العمل الثوري. وهو جهد مستحق للشكر. والفيديو متاح لمن يرايد ان يشاهده. من خلال السرد يعرف التغيير علىى انه تغيير خصائص نظام ما بطريقة ذاتية الدفع عفوية وغير منظمة في الظاهر، متعددة الدوافع ومستمرة في اطار زمني محدد او غير محدد. ولتحقيق التغيير المنشود، والذي تبتدره نخبة خاصة، لا بد من السعي لاقناع الاغلبية برأي الاقلية التي تقود التغيير. ويتحتم الوصول الى النقطة الحرجة التي يحدث فيها التغيير. فنقطة التحول هي اللحظة السحرية التي تجتاز فيها فكرة او تيار او سلوك اجتماعي عتبة معينة فتتحول وتنتشر مثل النار المستعرة. والسؤال الكبير هو كيف لاصغر الاحداث ان تحدث تغييرات كبيرة على عدة مستويات؟
تتطلب عملية التغيير معرفة نظرية كافية ، تتحول لتفاعلات سيكولوجية بعزم لا يلين، ثم تستحيل لسلوك ثوري ديناميكي. فمن غير وعي وسط الجماهير، بحيث يتبلور رأي عام تجاه قضية، لا يمكن ان يتحرك الشارع وتحدث الثورة الجماهيرية. فمشاركة الفئات المختلفة من الشعب تتطلب تفاعل مع النداء الثوري ، والذي بدوره يتلامس مع هموم وأقضية وحاجيات المواطن العاجلة. فمن غير دغدغة مشاعر الجمهور ، ورفع المطالب بالقضايا والمشكلات، لا تلتحم القاعدة مع القيادة. وتقف المبادئ حجر عثرة امام التخاذل والتجابن ، بل والركون الى الدعة والسكون والسلامة، التي توفرها مغريات مقدمة من سلطة الامر الواقع التي تتحصن بمكتسباتها.
تحدث مالكلوم غلادويل صاحب كتاب النقطة الحرجة عن ضرورة الوصول الى نقطة التحول، وهي دون شك تتطلب وقت وجهد وعمل. كما يعد التغيير عمل جماعي يبدأ بالفرد ثم ينتقل الى المجموع والجمهور، وأن حجم جهود التغيير يتوقف على الوصول للنقطة الحرجة التي تتوقف فيها ادوات القمع وتتراخى، بينما يستمد المد الثوري في تزايد. هنالك ما يعرف بقواعد التغيير منها: مبدأ باريتو 20/80، وقاعدة الاقلية التي تشير الى ان 10% من الجماهير يمكن ان يقودوا التغيير ويحققوا نجاحاً فيه. كما أن هنالك ما يعرف بدكتاتورية الاغلبية التي تتولى فيها نسبة 3 % من الجمهور عبء العمل الثوري، ليكون بارزاً ولافتاً للنظر. هذه القواعد ترتربط بالفاعلية والكفاءة في العمل الثوري والاداري،وبالتالي فان الاعتماد على الجماهير يتأتي في المرحلة القادمة التي يتطلع فيها القادة الثوريون الى النقطة الحرجة، و هي نقطة اللاعودة، حيث يكسر فيها حاجز الخوف والرعب ، وتحدث السكينة القلبية. فمثلا يعد زول المطر يتم دائما في النقطة الحرجة التي فيها تكون السحب غير قادرة على مقاومة الجاذبية. والامر يحدث في الصراع الثوري بين القعواعد الجماهيرية والنظام القاهر. إن تحقيق الثورة تتطلب قيام وسائل الاعلام والاتصال بنشر الوعي بالثورة، وتحقيق النية الجمعية التي هي اساس الايمان بالثورة.
إن مكونات الثورة تحتاج الى بناء هرمي وأساليب علمية متبعة مثل قواعد ورياضيات التغيير، كما ان وجود تكتيكات للثوار ضرورة . فمن غير وجود تلك الحيل الثورية تؤدي أساليب المستبدين في قطف الرؤوس، الى شل حركة الثورة. حيث يمثل الاعتقال وشراء الذمم والتعرض للتعذيب والاختطاف والرشوة وغير ذلك من الاساليب عامل هدم لحركة الثورة. ففي احايين كثيرة يدجن الثائر ليكون جزء من ادوات القمع للنظام، وفق اساليب الترضيات التي درجت عليها كثير من الاحزاب والانظمة في السودان وغيره من البلدان. وتظل عملية توفير اطر ثورية من المشبكين والمخضرمين والمروجين للثورة ذات قيمة في تحقيق اهداف الثوار. كما أن هنالك اساليب ممارسة للتخذيل يترتب عليها ما يعرف بالقفز من السفينة، وهي تختفي حين تكون تكتيكات الحشد والتعبئة والتوزع والانتشار جيدة.
وخلاصة القول أن عمليات كشف بصمة التفكير من خلال المعطيات، والمعلومات المستقاة من السجلات والمستندات، كفيلة بتحقيق اهداف القاعدة التي ثارت على ظلم النظام البائد وتريد تفكيك النظام وواجهاته.
ahmedsafidin@yahoo.com