رأي حول الوحدة الوطنية الغائبة .. بقلم: ماد قبريال
15 فبراير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
41 زيارة
شاهدت حوار رئيس تحرير صحيفة الموقف مثيانق شريلو مع البروفيسور بيتر أدوك نيابا والذي أبان فيه الأخير عن آرائه تجاه جملة من القضايا التي تخص الشأن العام في البلاد. في الواقع لم أفاجأ كثيرا فيما جاء في إفادات البروف، فكل من قرأ له سابقا يدرك مواقفه المعلنة وهي من الجرأة بمكان بأنها تشخص الوضع الأليم في بلادنا. هناك مسألة جوهرية أثارت اهتمامي وهي استشكال الوحدة الوطنية وغياب ثقافة المحاورة أو الحوار البناء سواء بين المتعلمين أنفسهم أو عامة الشعب. إن ظاهرة التمترس حول الذات هي مسألة باتت تمثل أزمة جوهرية. لا أقصد هنا الإشارة إلى البروف أو ما ذكره في لقاءه، بل ردود الأفعال حيال ما صرح به من آراء. قسم كبير من نتفق معهم في الامتعاض من الوضع الراهن يؤيد ما جاء به البروف ما يتعلق بفشل نخبة الحركة في النهوض بواجبها الوطني، وهي حقيقية ماثلة أمامنا اليوم، تفكي لغة الأرقام وحدها لتحسم الجدل عن أي فشل نتحدث. ربما في هذه الحالة من المفيد للكثيرين العودة إلى التقارير الوطنية التي تصدرها منظمات المجتمع المدني والتقارير الدولية ذات الصلة بشؤون شتى في واقعنا للحكم على الوضع بمنظار الأرقام المحايدة والتي لا تعرف أن تحييد عن الحقائق.
هذا الاتفاق العام حول فشل نخبة الحزب الحاكم ومناصريه، وهنا مرة أخرى نقصد كافة تياراتها حتى لا يأتي علينا المتذاكين بالهمس عما يقصد بالحزب الحاكم. وربما الاختلاف العام يعود عن الحلول التي طرحها البروف ومنها خيارات الوضع المستقبلي. هل تجتاح البلاد ثورة شعبية تطيح بي الجمود الراهن، ماهية مقاربة الإطار السياسي العام المراد الوصول إليه، هل الفيدرالية خيارا لحلحلة الفشل في إدارة التنوع أو هو أسوأ الخيارات المتاحة كما جاء في معرض اعتراض البروف عليها.
الحقيقية لا توجد إجابة واحدة متكاملة، في الوصول إلى نظام سياسي يرضي غالبية الناس تحقيقه ما تزال من المسائل التي ينظر إليها بعين الشك في تجارب الدول، حتى الغربية منها والتي رسخت ديمقراطيتها منذ أزيد عن عقود خلت. لتقريب الصورة قليلا، نشير إلى الإنتقادات المثارة حاليا، من ناحية أكاديمية عن رسوخ الديمقراطية الأمريكية وهشاشة بنية نظامها وهو الأمر الذي فضحه الرئيس السابق دونالد ترامب وظهور مخاطر الشعوبية على مثل هذه الديمقراطيات الراسخة والتي تعد حاملة لواء التقدم الإنساني أو أقصى ما توصل إليه البشرية بتعبير فرانسيس فوكوياما بنهاية التاريخ، على الرغم من الانتقادات اللاحقة التي صدرت وتراجع الكتاب نفسه. وبالعودة هنا إلى الجدل حول ما هو نظام الحكم الأمثل في البلاد، نرى بأنه من المقبول نظريا الإدلاء بالرأي وطرح الحجج المساندة، هذا حق المواطن في إبداء المواقف تجاه الشأن العام أي ما يخصه ويخص الآخرين في فضاء الدولة. وبالطبع طرح الفرضية المناسبة تستوجب من صاحب الرأي الموضوعي قراءة أثر تجربة الحكم الآن على مجتمعات البلاد، واشدد على المجتمعات والأفراد لعملي وعلم قارئ هذه السطور تجاهل الدولة مؤسساتها الرسمية لمبدأ المواطنة والتعامل مع الشعب بطريقة الكوم، أي إلى أي مجتمع يعودون ومن هو ذوي المكانة في هذه المجتمعات، والتي بالعادة شبكات الشعائرية المستأثرة بمالية الدولة والقابضة على وقود الزناد للدفاع عن هذه المصالح. هنا لا يجب أن نستغرب أن تظهر الأصوات التي تشعر بالتهميش، هذا حق، وهو واقع معايش، لا كذبة الشعار المبثوث في فضائيتنا اليتيمة تلفزيون جنوب السودان، التي تقول بلا خجل أمة واحدة وأناس متوحدين One People One Nation، إن جاز لنا ترجمتها.
شخصيا لا أرفض الفيدرالية كنظام حكم إذا كانت ستحل إشكالات الفشل الراهنة، كذلك لا أرفض الانفتاح على المقترحات الأخرى التي ترى بعكس ذلك، وتنادي بمزيد من السيطرة المركزية، في حين قبلت النخبة مبدأ التجزئة الأثنية التي سبق أن أصدرها الرئيس، أعني هنا الولايات 32 السابقة التي زادت من الانقسامات المجتمعية وصارت جرثومة في جسد الوطن المهترئ. وفي تقديري لابد من فتح المجال العام للأفراد وقادة الرأي وكافة المواطنين للتعبير عما يرون صائبا والالتقاء في منطقة وسطى لإيجاد توافق وطني جديد، يبعث الأمل في نفوسنا بمستقبل أفضل، بأن صار أحلام بعضنا مجرد الحصول على الخبز اليومي وشر التعرض للقتل أو النهب في طرقات العاصمة جوبا أو أرياف البلاد المختلفة. بعد أن فشل النظام في الاستفادة من الفرصة الذهبية التي وفرها الاتحاد خلف الاستفتاء والبناء على هذا الإجماع الوطني والمضي قدما في مسيرة تضحيات الأجداد والآباء والجدات والأمهات والأخوات والإخوان.
m.gatwech55@gmail.com