رؤية عبد الواحد نور للحل: مُبادرة السلام من الداخل .. بقلم: د. مقبول التجاني

 

لم تتح لي للأسف، الفرصة بعد، للإضطلاع علي كُل رؤية الرفيق و الأخ الأكبر، عبد الواحد محمد نور، للسلام، أو ما يسمي بمبادرة السلام من الداخل، و كل سمعته عنها كان من خلال تسجيلات و مقابلات تلفزيونية و كتابات صحفية محدودة، هنا و هناك، و لم يُتح للرجل التعبير الحُر عن رأيه كاملاً، في زمن الديمقراطية و الحريات.

ذلك أن الديمقراطية، لم تصبح ثقافة شعبية سودانية بعد، فقد إنهالت السِهام الناقدة، علي الرجل الفاضل الذي أفني عمره و زهرة شبابه من أجل المصلحة الوطنية السودانية، بمجرد إنتقاده السياسي الخَفيف لمنبر مفاوضات جوبا، و طَرحه لرؤية بديلة لِلسلام السوداني الشامل من الداخل.

هناك من يَعتبر أن كلام الرفيق عبد الواحد نور، مُجرد مُزايدة كَسب سَياسة رَخيصة، و نِكاية في مِنبر مُفاوضات مُحَاصَصات جوبا، و أنه لا يمتلك رؤية حقيقية مُتكاملة متماسكة للسلام من الداخل، تكون قابلة للتنفيذ، و حجروا علي الرَجُل مجرد الكلام و حقه الطَبيعي في التَعبير عن مواقفه السياسية، و هو الذي ناضل من أجل حقوق الآخرين المُستصعفين، في الحياة المُتساوية العادلة الكريمة.

لماذا لا يخرج الرفيق عبد الواحد نور، للرأي العام السوداني، بمبادرة سلام سياسية مكتوبة و مُفصلة، تهدف الي تحقيق السلام السوداني الشامل من الداخل، و من ثم يقوم بِشرحها هو شخصياً في مؤتمر صحفي علي الهواء مباشرةً، و يرد علي أسئلة المُفكرين و النُقاد و الصحفيين و خصومه السياسيين المُنتقدين، حتي نصل جميعاً الي أفضل رؤية قومية ممكنة للسلام المُستدام.

بإستطاعة الرفيق عبدالواحد، تقديم ما يشاء من شروط و مطلوبات مُستحقة، يَراها ضرورية و مُلحة لإنجاح أعمال مؤتمر السلام القومي في الداخل، قبل إنطلاق أعماله الرسمية، و تكون مفوضية السلام القومية مسؤولة عن الإعداد و الترتيب لهذا المؤتمر الهام.

يُمكن للشعب السوداني كُله، المشاركة في مُناقشات ذلك المؤتمر القومي للسلام، عن طريق البث التلفزيوني المباشر، و وسائل التواصل الإجتماعي المُختلفة، من خلال عملية تفاعلية تداولية صريحة و شفافة، يكون فيها لنا جميعاً، تمرين حقيقي للديمقراطية و المشاركة الشعبية الواسعة الحقيقية.

لو قُدر للبلاد و العِباد النجاة من جائحة الكورونا الفَتاكة، إنشاء الله، فستتمكن الجماهير الشعبية السودانية من المشاركة الواسعة بكثافة في أعمال المؤتمر التداولي للسلام، و من قبله الحِضور لحفل إستقبال ضخم في ساحة الحُرية، لِبطل الحرب و السلام عبد الواحد نور.

لأول مرة في تاريخ السودان الحديث، سيكون للمواطن العادي الأغبش البيسط، من مُختلف مناطق السودان، الحق و الفرصة، في الإدلاء برأيه و التقرير في المسائلة القومية الحساسة، و من ثم المُشاركة في إيجاد حلول لِمشاكله المُزمنة، المُتمثلة في الجهل و الفقر و المرض.

أما حِوارات النُخب الفَوقية، و مفاوضاتها المُغلقة في صالات الفنادق الخارجية، بعيداً عن عيون الرقابة الشعبية المُجتمعية، فقد أثبت التأريخ أنها مُجرد صفقات سياسية و مُسكنات عرضية و هُدنات سلام مؤقتة، سُرعان ما تنفجر بعدها الحرب، و لن تؤدي جلسات تِلك المُحاصصات الي حل جزري للمشاكل السودانية الكثيرة المُزمنة، لأنها تُعقد بطريقة نَخبوية فوقية، و لا تستصحب معها مُهمة عملية بناء السلام المُجتمعي القاعدي، و أولوية قضايا التنمية الريفية المُستدامة.

يَجب أن تؤدي إتفاقيات السلام السودانية المُستقبلية، الي نقل خدمات المدينة الي مكان المُواطن الأغبش البسيط في الريف الكبير، كما قال الزعيم الراحل جون قرنق، و ليس الي نقل نُخب “الهامش” القليلة العدد الي كراسي السُلطة في مكان “المركز” الصغير.

إن الخِطاب السياسي الإعلامي “للهامش” الآن، فيه قِلة قليلة، تدعو الي كثير من الشَطط الغير مُبرر، و التجييش العاطفي المُوجه نحو الآخر المُتخيل، و التطرف اللفظي الغير مُنضبط فكرياً، و عدم الواقعية و الرُشد السياسي، و الميل نحو الإصطفاف الجهوي الإقليمي، و يحتاج ذلك الخِطاب المتلون الإعلامي الشعبوي الفالت، منا جميعاً، الي عقلنتة و إعادة صياغته، من إجل مُخاطبة جزور القضايا الحقيقة، و رَد المظالم التاريخية، و النفاذ الي صُلب المشاكل الجوهرية.

ذلك الفَلَتان الإعلامي الشعبوي المُتطرِف المُتلون، قد يؤدي الي نَكسة إجتماعية وطنية كبيرة، و يُغذي ردود الفِعل المُعاكسة الفالتة المُتطرفة، التي يستمِد منها خِطاب التيار الإسلاموعروبي الشعبوي الرَجعي مشروعيته، مما يؤدي الي هزيمة المشروع التقدمي للثورة السودانية، و أحلامها العريضة نحو بناء الدولة القومية المدنية العادلة، دولة المواطنة، و يعوق ذلك التوجه السُلطوي المُنغلق عملية التحول و الإنتقال الديمقراطي الكامل.

عندما صَاح شباب لِجان المُقاومة الثُوار في شوارع و ميادين العاصمة الخرطوم: “كُل البلد دارفور”، في مواجهة كِلاب و زبانية المخلوع البشير. صاحت قِلة ناعِقي خِطاب الفَلَتان المُتلون الرَجعي، في وسائل التواصل الإجتماعي: “كُل المَركز جَلابة”.

علي العقلاء من “أهل الهامش”، أن يتصدوا الي هؤلاء الحِفنة و القِلة القَليلة المعدودة، عالية الصوت، التي تنشُر و تَبث سموم خِطاب الكراهية ضِد “المركز” ككل في العَلن، و عليهم أن لا يتركوا هؤلاء المُتطرفين من أن يتصدروا المَشهد السياسي و الإعلامي “لِلهامش”، بِخطاب جهوي شعبوي إقليمي مُنغلق مُوجه ضد الآخر “المُختلف داخلياً” بصيغة الجَمع المُطلق، لأن الضَرر من ذلك التوجُه السياسي الإعلامي الرَجعي الأعمي سيكون بالغاً علي تماسك اللحمة الوطنية، و النسيج القومي السوداني ككل، و يهزم المشروع الوطني السوداني.

magboul80@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً