أعتقد أن فكرة المهدي أو المخلص مقتبسة من الثقافة المسيحية القديمة ، وفكرة (Resurrection ) أو الرجعة في الأنجيل لا تختلف عن فكرة المهدي المنتظر عند المسلمين ، وعند تفشي الظلم واليأس يعتقد الناس بقدوم المخلص الذي يملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً ، لذلك يعيش الفريق برهان أزمة (المخلص ) ، فهو ينتظر ذلك الملاك ذو الأجنحة ليطير بين السحب فيهبط أمام القيادة العامة لينقذ الفريق برهان من ورطة البحث عن رئيس الوزراء الغائب في سرداب مغلق الأبواب ..
ولذلك ليس المهم في الثورات وجود منصب مثل رئيس جمهورية أو رئيس وزراء ، فهذه أوعية تستخدمها حتى الأنظمة الشمولية ، فحتى العقيد القذافي كان يقول أنه لا يحكم ليبيا ولكن الشعب والنظام الجماهيري هو الذي يحكم ، ورئيس الوزراء في إيران لا يحكم بل من يحكم هو الولي (الفقيه ) ، لذلك يجب الحرص على وجود مؤسسات تحافظ على القيم الديمقراطية مثل احترام حقوق الإنسان وحق حرية التعبير وليس البحث عن شغل وظيفة هي مجرد وعاء ، ولم يكن البحث عن رئيس وزراء مثل المهدي المنتظر هي الأزمة التي يعاني منها وعانى منها السودانيين في سنوات تاريخ نضالهم ضد الأنظمة الشمولية ، أزمتنا الحقيقية الحرية والعدالة ، و الفريق برهان فضل أن يقود معركته مع الشارع عن طريق إستخدام برتوكولات المخلوع البشير ، فبدأ بإعادة التمكين ، ثم شغل الناس بحدوتة البحث عن رئيس وزراء ، وكلنا نعلم أن البشير قدم ثلاثة من رموز حزب المؤتمر الوطني لمنصب رئيس الوزراء في فترة ثلاثة أشهر وكلهم فشلوا في حل الأزمة المستعصية ، ولم يكن أي أحداً منهم تنقصه الخبرة أو الكفاءة ولكن كانت الثورة تبحث عن القيم وليس عن المقامات.
وبدأ الفريق برهان يعيش العزلة الداخلية ، فقد أعتذرت العديد من الشخصيات السودانية قبول أي منصب في هذا النظام ، ولم يعد أمام الفريق برهان سوى المكاشفة وإعلان توجهات إنقلابه ، وليبدأ بإطلاق سراح رموز حزب المؤتمر الوطني من المكان الذي يقبعون فيه وذلك إذا سلمنا جدلاً أنهم في السجن ، لأنه يسود إعتقاد في الشارع السوداني بانهم هم الذين يعدون قوائم الإحالة للصالح العام ، وهو الذين يحددون نسب العودة التدريجية لنظام (التمكين ) ، فهم يحلمون بالعودة ويدفعم الثأر للإنتقام من الثورة السودانية ورموزها ، ولم يعد لديهم ما يخسرونه بعد أن تم سجنهم ومصادرة ممتلكاتهم ، ولذلك سوف يكون ولاءهم للفريق برهان لا يحتاج إلى تمحيص .
أما الخيار الثاني هو الإعتماد على حاضنة (الموز ) بحكم انهم قادوا التحريض الإعلامى على الثورة السودانية ، ولكن بدأت الخلافات تدب بين أطراف هذا النقيض المتشاكس وبدأت المعركة تنتعش حول كيفية تقاسم الغنائم قبل الوصول إلى السلطة ، ولذلك فإن وجودهم في السلطة فسوف يشعل فتيل هذا الخلاف أكثر مما هو عليه مما ينعكس سلباً على شكل الحكومة التي ينوون تشكيلها ..
لذلك بين (القصرين ) يعود الفريق برهان إلى القفص الذي احتجز فيه الدكتور حمدوك ليكون المخرج الوحيد إذا ساءات التقديرات ، ويحفزه إلى ذلك الظن بأن الإحتجاز القاسي قد لين من عزيمة الدكتور حمدوك مما يجعله قبول منصب (التيس المستعار ) فينال حريته بينما يأمن العسكر من غضب المجتمع الدولي ، وهذا ما يُطلق عليه في قاموس السياسية quid pro quo .
أسبوعين من الإنقلاب ولا زلنا في المربع الأول ، والبرهان يغرز رأسه في الرمال ويتجاهل مناشدات المجتمع الدولي بإعادة إلى ما كانت عليه ، ومن غرائب هذا الإنقلاب أن دولتي قطر والإمارات ، على الرغم من خلافهما حول الكثير من الملفات في العالم العربي ، إلا أنهم تتفقان على دعم إنقلاب البرهان ، فقطر ترى أن البرهان قضى على لجنة تفكيك التمكين وأعاد الإخوان الذي فصلتهم هذه اللجنة لوظائفهم ، بينما ترى دولة الإمارات أنها صنعت (سيسي ) السودان فأصبح لها نفوذ في هذا البلد المهمل ، و يمكنها من دعم البرهان سرقة موارد السودان وإستغلال موانئه .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم