بقلم: السر جميل
تبدا حكاية الانسان في ظلمات ثلاث حيث يرفل الجنين في رحم امه ينعم بامن واستقرار لا يدانيهما شعور. يرى ذلك المكان الضيق الفصاء الفسيح وملاذه الآمن ومنتهى سعادته التي لا يبغي عنها بديلا. ولو خاطبت ذلك الجنين وقلت له إن لديك عينين لم تبصر بهما الجمال بعد وانفا لم تستنشق به عبير الحياة واذانا لم تطرب لسماع اصواتها وفما لم يتكلم ولسانا لم يتذوق وارجلا لم تطا الارض ليركض بها بحرية لرفض تصديقك ولاعتصم بمكانه معتقدا ان ما هو فيه هو الكمال المطلق والنعيم المقيم. لكن المقادير تسوقه إلى اجله المسمى فتاتي لحظة الطلق وهي لفظة استمدت اسمها في اللغة من السرعة والقوة كالسهم المنطلق من قوسه او الرصاصة النافذة من مضربها ليدفع الطفل إلى الخروج مكروها مقهورا. يخرج إلى النور باكيا متوجعا على فراق ذلك النعيم الدفيء الذي الفه واعتاد عليه.
وما هي إلا سنوات قلائل حتى ينمو هذا الطفل وتتفتح حواسه ليدرك ضيق تفكيره السابق وقصور فهمه القديم. يغمر السطح ركضا ولعبا وضحكا وتستبشر نفسه بجمال الكون حوله. يتعلم الكلام بشغف فيسعد بترديد الكلمات ويطلب من والديه اعادتها عشرات المرات ليستلذ باصواتها وينتشي بصدى كلماتها دون ملل او كلل متكشفا ابعاد عالم جديد لم يكن يتخيل وجوده.
ثم تمر الايام سراعا ويكبر الطفل ليبلغ مرحلة العقل والادراك حيث تتشكل معالمه الفكرية وتكتمل لديه أدوات التمييز بين الحق والباطل والصالح والطالح والخبيث والطيب. وهنا تتبدى له الحقيقة الكبرى بلسان الحكمة والشرع ان هذه الحياة برمتها بكل سعتها وبهرجها ودورها الفارهة وقصورها المجهزة بشتى سبل الراحة ليست إلا دار ممر وعابرة سبيل. وان هناك دارا اخرى دائمة هي المستقر والقرار لا شقاء فيها ولا تعب ولا غل ولا حسد خلود سرمدي لا ينتهي ولا يزول.
غير ان الانسان يقع مجددا في الفخ ذاته الذي وقع فيه وهو جنين فيتشبث بالدنيا ويتشبث بصغائر الامور ويتحجر في رايه متبعا هوى نفسه الامارة بالسوء. يخاصم ويغضب ويشتد في المحاسبة على التفاهات والامور الجانبية ويرفض العفو عن الذلات او التنازل عن الخطا. ورغم ان الطريق امامه واضح كالمحجة البيضاء لا عوج فيه ورغم وجود الدليل الهادي المتمثل في القران الكريم والقدوة الحسنة المتمثل في نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام إلا انه يصر على عناده ويؤثر زائل الدنيا على باقي الاخرة.
وفجاة ودون سابق انذار او ميعاد مسبق يقتحم الموت ساحته فتقبض روحه لتنتهي رحلته القصيرة. في تلك اللحظة الحرجة يدرك الانسان الحقيقة الثانية ويُعرض عليه شريط حياته كاملا بكل ما فيه من جحود وخصام وإعراض عن الحق والدليل. يصحو من غفلته ويتوسل راجيا من الملائكة ان يرجعوه إلى الدنيا ولو لساعة واحدة ليصحح ما افقده طيشه وليستدرك ما فاته من صالح الاعمال. ولكن هيهات فقد قضى الأمر وحُسم المصير وصارت بينه وبين الرجوع كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون. إنها حقيقة مريرة بطعم العلقم يدرك ثقلها من يكتب هذه السطور ومن يقراها على حد سواء.
وهنا تبرز المفارقة العجيبة وتتكرر المشاهد في تقابل جلي، إذ يعود المشهد الأول ولكن بصورة معكوسة، فتراه حين قدم الدنيا كان يبكي وحده والجميع حوله يضحكون استبشارا، حتى إذا جاءت ساعة الرحيل بكى من حوله ألما وفراقا لحياة ظنوها نعيما مقيما، في حين يقف هو على أعتاب الحقيقة المجردة.
ولقد أبدع الشاعر حين لخص هذه المأساة والإشراقة في أبايته الخالدة ولدتك امك يا ابن ادم باكيا والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك ان تكون اذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا
إنها الدعوة الأبدية لاستفاقة الروح قبل فوات الأوان. ففي أي طريق تسلك الآن وبأي دليل واد تصطحب أي قدوة تهتدي؟
من سلسة مقالات للأسرة
