مناظير السبت 19 سبتمبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- تقدمت بريطانيا ودول أخرى بمشروع قرار خلال الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، يقضي بتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان التي أنشأها المجلس في أكتوبر 2023 للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، وجمع الأدلة وتحديد المسؤولين عنها، وتأتي الخطوة في وقت تتواصل فيه الحرب، بينما تحاول الحكومة السودانية حشد الدعم لمنع تجديد الولاية.
- وكان الممثل الدائم للسودان في جنيف، حسن حامد حسن، قد دعا في 26 أغسطس الدول الأعضاء في مجموعة الدول ذات المواقف المتقاربة، وعددها 29 دولة بقيادة الصين، إلى دعم موقف الحكومة الرافض لتجديد البعثة، وقال إن السودان يتعاون مع ثلاث آليات أممية لحقوق الإنسان، هي مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والخبراء المعنيون بحقوق الإنسان في السودان، وفريق الخبراء المنشأ بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591، واعتبر أن إنشاء بعثة تقصي الحقائق يمثل آلية إضافية غير ضرورية.
- وجدد الممثل السوداني في 8 سبتمبر اتصالاته بالدول الأفريقية في جنيف، داعياً إلى رفض مشروع القرار البريطاني، وقال إن القرارات التي تُفرض دون موافقة الدولة المعنية تفتقر إلى الشرعية ولا تحقق نتائج عملية، مطالباً بدعم التحقيقات القضائية الوطنية، كما اتهم منظمات حقوقية دولية بالضغط لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان كله.
- لكن تقرير البعثة الذي نوقش في المجلس يوم 7 سبتمبر قدم صورة مختلفة عن الوضع، وقال رئيس البعثة محمد شانده عثمان إن لديهم أسباباً معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبتا انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب، وتناول التقرير أثر المسيّرات على المدنيين والمنشآت المدنية، بما في ذلك الأسواق والمستشفيات والمدارس ومواقع النزوح، كما أشار إلى الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، بما يشمل السلاح والتكنولوجيا واللوجستيات والتدريب والأفراد.
- وتطالب منظمات حقوقية بتمديد الولاية لعامين كاملين، مع توفير الموارد المالية والفنية اللازمة للبعثة، حتى تتمكن من مواصلة التحقيق في الانتهاكات، وجمع الأدلة وحفظها، وتحديد المسؤولين عن الجرائم، كما تطالب بتقديم تقرير مكتوب عن التحقيق العاجل في أحداث الأبيض، الذي طلبه المجلس في دورته السابقة، وتعزيز التعاون مع الآليات الأفريقية لحقوق الإنسان.
- كل هذه المعطيات تعني أن التمديد بات أمرا محسوما، وأن البعثة ستواصل التحقيق في الجرائم المرتكبة خلال الحرب، بما فيها الانتهاكات التي تطال المدنيين، وستحتفظ بالأدلة التي يمكن استخدامها في إجراءات المساءلة مستقبلاً، كما أن استمرار عملها يتيح للمجلس متابعة الوضع في السودان، بدلاً من الاكتفاء ببيانات الإدانة.
- الحكومة السودانية ترفض البعثة وتقول إن الآليات الموجودة كافية، والسؤال الذي لا بد ان يُطرح: لماذا لا تسمح الحكومة لبعثة دولية بالتحقيق في الجرائم، إذا كانت لديها أدلة على الانتهاكات التي ترتكبها قوات الدعم السريع وانها في المقابل لم ترتكب اى انتهاكات؟!
- من المتوقع أن تتضح الصياغة النهائية لمشروع القرار خلال الأيام المقبلة، قبل طرحه للتصويت، وستكون مدة التمديد والموارد المخصصة للبعثة وطبيعة التحقيقات المطلوبة منها، وموقف الدول من الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، من أهم النقاط التي سيشملها القرار.
- أخيرا، لا بد من القول إن تمديد ولاية البعثة لا يوقف القتال وحده، لكنه يعني استمرار التحقيق الدولي في الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب، ويُبقي ملف المساءلة مفتوحاً، ويمنح الضحايا فرصة لمعرفة الحقيقة وملاحقة المسؤولين عن الجرائم.
