رحلتي مع مرض لم يعد في الخباء أو تحت الغطاء .. بقلم: د. إبراهيم دقش


استميح القراء عذراً مستحق ، لأنى سأروى قضية شخصية ، فى مظهرها عامة ، وفى باطنها “عمومية “.. وفى تناولها “محاذير” تكمن فى نوع المرض ، فالناس لايبالون ولايهتمون وهم يحدثونك عن إصابتهم بالبلهارسيا والالتهاب الرئوى والملاريا والدسونتاريا لكنهم يشفقون ويتشفعون للسماء عندما يصل الأمر إلى مرض العصر (الأيذر) ،فيما المرض اللّعين (السرطان)يظل فى الخباء وتحت الغطاء ، فلا أحد يعترف بأنه ضحية ذلك المرض العضال..حتى ظهر شجعان أصابهم فتغلبوا عليه بالصبر وبالدواء وبالاحتمال. ومنهم الراحل السفير مصطفى مدنى ، والسفير أبو زيد الحسن والسفير د: نور الدين ساتى الذى كتب سفره القيم (عائد من ممكلة السرطان)…
وبالنسبة لى كانت الإصابة مفاجأة فى مستشفى (سباير) بمدنية هاربنتون خارج لندن فى شهر مارس الماضى(2016) حين سألنى الإستشارى الطبيب : هل فاجأتك؟ فقلت له لاوالله ، لكنى أريد أن أعرف منك مصيرى.. وعندها فقط شرح لى أمرى بأنى “مصاب” فى منطقة محدودة واحتواؤها ممكن وعلاجها غير مستحيل غير أن المطلوب منى :
• تناول ثلاثين حبة
• تناول حقنة هورمون بعد 15يوما ًعلى أن تتكرر كل 84 يوماً ولمده عامين
• الخضوع للعلاج بالاشعاع لمدة ستة أسابيع..
وما كان أمامى خيار.. ووافقت على الخطة العلاجية عدا الثالثة الى تكلفتها فوق طاقتى فى حدود30- 60 ألف استرلني.. فأعطونى خيارين :الأردن،مصر،جنوب أفريقيا وأمريكا.واخترت القاهرة لأسباب “فنية”تخصنى.. وحين ودعت قراء عمود (عابر سبيل) بهذه الصحيفة قبل سفرى الذى كنت أعرف سلفاً أنه سيطول لم يكن قصدى مطلقاً مافهمه البعض وإنما ركزت على العلاقة خوفاً من فتح باب الأقاويل والتأويل إن اختفيت فجأة.. وقد وجد وداعى ذلك تجارباً من كثيرين من حقهم علىّ ألا أقمطهم حقوقهم ، فقد أبدى بعضهم مشاعر فياضة بل وشهامة وربما عاطفة دفاقه. مثل عبد الله كروم، وهو رجل أعمال صديق قال لى بالحرف الواحد (ولايهمك، فنحن جاهزون) وأعرف أنه لايبيع الكلام ،ثم كان طه محجوب – تاجر اللساتك –الذى سبقت دموعه كلماته على الهاتف لأنه اعتبرنى أودعه الوداع الأخير، وهناك الفريق محمد أحمد على الذى بعت برسول لبادية كردفان لجلب علاج بلدى سلمنى له يداً بيد ،كما كان هناك الشاب عادل حسن كريماً اذا أتى بقارورة ماء زمزم باعتبار انها لما شربت من أجله وزاد الى ذلك سفرة إلى سنار وقراءة(يس) عليها من اجل الشفاء.. وجاءنى الشيخ يس أحمد ليروى لى بحريته مع ذات المرض.بثقة عجيبة وترك لى أربعة أجزاءمن كتاب (الحكم العطائية) لصاحبها ابن عطا ليؤنسنى خلال فترة العلاج وبعث لى الدكتور عبد الحليم المتعافى بوصفة قرآنيه أكد لى أنها اشفت شقيقته من حالة مماثلة.. وأوصلنى محمد يحيي الكوارتى بصديق طيار له عاد من القاهرة معافى فشرح لى ورسم لى لوحة “آمل” أصفى عليها ألقاً رسالتا تعاطف (خاصتين ) الأولى من الفريق ركن بكرى حسن صالح والثانيه من الفريق أول محمد عطا.. وتبقى أهم رسالة الكترونية تلك التى بعت بها أصدقاء عمود (عابر سبيل ) من المنطقة الصناعية بالخرطوم بزعامة (هريمى) كلها دعواتك وكف مرفوعة للسماء.. فكل هؤلاء طمأنونى بأنهم يريدوننى بينهم وأعطونى الاحساس بأن (حياتى) كان لها معنى ومبنى فى “الفانية” وكان ذلك زاد يكفى فى تلك المرحلة الانتقالية.. وقد اسوقفتنى كتابه صديقى دسوقى فى صحيفة(قوون) الذى أزعج كل أهلى ومعارفى وأصدقائى من منطلق محبة باشهارة طبيعة مرضى حتى دعمت القرى والحضر واتفق معه انى سأقاوم واصارع الداء خاصة بعد أن فاجأنى مدير مكتب رئيس الجمهورية الفريق طه عثمان برسالة حملها بنفسه نقل لى فيها استفسار الأخ الرئيس المشير عمر البشير عن صحتى وتمنياتة لى بالشفاء والعودة سالماً لأرض الوطن.. وذلك الجزء الانسانى – والله على ما أقول شهيد – أنسانى المرض.. فالاتصالات والاستفسارات والمحادثات الهاتفيه من أعزاء كتر من كل أنحاء العالم كانت فوق تصورى وأخص مولانا محمد أبو زيد أحمد بشكر خاص لكونه أقام لى ثلاث حلقات تلاوة فى مدنى ، وزميلنا محمد شيخ العرب الذى (وزن) هاتفه على القاهرة ونافسه فى ذلك الأخ محمد الشيخ حسين .. وفاجأنى أسرتى أفراد الصغيرة (بتواجدهم ) إلى جانبى عند (الحارة)…
أما الجانب المهنى الذى لا أريد أغفاله فيتعلق بالطبيب الاسنان كمال حمد مستشار العلاج الاشعاعى والكيميائى بالخرطوم الذى زرته فى عيادته وعرضت عليه تقرير الطبيب الانجليزى ونتائج الفحوصات ، فأبدى لى أسفه أن يتعرف عليّ فى ظروف غير سارة وقام بنفسه باعطائى الحقنة الثانية فى 19مارس 2016 نظراً لحساسيتها وتكلفتها (400 دولار) ونصحنى بأنهم فى السودان ليس بحوزتهم الجهاز ثلاثى الأبعاد الذى يفترض أن أخضع لثلاثين جلسة تحته ، وتكرم بتحويلى لصديق وزميل له فى القاهرة هو شوقى الحداد.. ولسوء حظى وجدته خارج بلاده..
وكأنما أراد الله أن يقيّض لى “التشافى” فى الموقع المناسب.. فقد رويت – عرضاً – لمن أعرف فى قاهرة المعز ومن أثق فيهم من أصدقاء الأمس سبب قدومى.. فتسابقوا على الاهتمام بأمرى وقدمونى لواحد من أشهر مستشارى (الأورام ) فى مصر ، الدكتور البروفسير ياسر محمد غانم ، الذى تولانى ، وأعطانى رقم هاتفه الخاص ..
عند الكيلو 42
وهكذا سلمنى أصدقائى القدامى من أهل مصر إلى حيث انتهى بى المطاف عندهم “مستشفياً”.. ووجدت نفسى فى المركز الطبى العالمى عند الكيلو 42بطريق الاسماعيلية الصحراوى.. وهو صرح تابع للقوات المسلحة المصرية على أحدث طراز ، وبعناية طبية عالية المستوى، وبأجهزة غاية التطور التقني…ووجدت هناك رعاية لاتوصف لأنها تبدأ بالعامل وتعبر للفنى ثم للطبيب ومن بعده لأهل الشأن ، وجميعهم نساء ورجالاً ، منتهى الانضباط والأدب..
لم أصدق أن فى معصمى ديباجة عليها اسمى ورسمى ورقمى وتاريخ ميلادى.. ودلفت إلى الصالة الخطأ ، فنبهونى إن مكانى فى القاعة الخاصة، التى وجدت فيها مرضى مثلى بصحبة ذويهم ، وتوطدت بيننا العلاقة العارضة وكأنما أصحبنا أعضاء ناد واحد.. وأدلى كل واحد منا بما يعانى ،وفيه المشترك والمتشابه ، وكل تجربة توفر معلومة مفيدة.. فقد عرفت من رجل مسن ان العلاج بالاشعاع فى ذلك المكان مضمون العواقب لأن الجهاز الذى يستخدمونه واحد من خمسة فى العالم له ثلاثة أبعاد… ويتطوع آخر بأن الآثار الجانبية للعلاج بالاشعاع ضعيفة ، وأعراضها كذا وكذا بنسبة ثلاثة فى المائة واكتشفت بعد الجلسة السابعة انى ضمن الثلاثة فى المائة ولما صارحت الطبيب الاستشارى ياسر غانم أفهمنى أن ذلك طبيعى.. ولما عرضت عليه نتيجة كشف العظام سألنى لماذا تأخرت فى إحضار النتيجة من المعمل. ولم أخفى عنه انى كنت متوجساً، فضحك وقال لى فى مثل “حالتك” المواجهة واجبة إن لم تكن مستحبة.. وحمدت الله ان المحصلة كانت (سلبية)، وبقى على أن أواجه ما تبقى ..
واكتشفت ان هذا البنى آدم أضعف خلق الله، وتأكد لى انه اذا مسه الخير منوعاً، واذا مسه الشر جزوعاً… وجزعى ليس (خوفاً) مما تترتب عليه (حالتى) فذاك أمره عند خالق السموات والأرض، ولكن تحسباً من “الجانبيات” والفجائيات.. وظلت استسلم لذلك الجهاز ثلاثى الأبعاد يومياً وبصورة منتظمة لثلاثين (جلسة) كما يسمونها.. وطيلة تعرضى لاشعاعه الذى لا أراه بالعين المجردة كنت أردد وطيلة عشرين دقيقة(يا رحمن يارحيم)وفى آخر مرة سألنى الفنى: انت بتقول إيه؟ فرددت عليه بأنى إنما (أحادث) صاحب ذلك الجهاز ويسالنى بحب استطلاع واضح : هو انت تعرفه؟ فأضحك وأقول له بانى انما أعرف الذى خلقه ومن سخره.. وينتبه (أبو السيد). وهذا اسمه- فيردد “سبحانك ربى ..” !
وفى ذلك المركز الطبى العالمى، وفى الوحدة الخاصة(بالأورام) التقيت بأناس وبأشخاص وبمرضى، فصرنا مثل أعضاء النادى الواحد، نعرف بعضنا ونتفقد من يغيب.. فما كان يجمع بيننا هو (المصيبة) وان تنوعّت وتشكلت من واحد لآخر.. وكانت الرحلة إلى ذلك المركز من القاهرة بالعربة تستغرق زهاء الساعة يومياً من السبت إلى الأربعاء.. ولخمس وأربعين يوماً حسوماً.. فذلك الجهاز ثلاثى الأبعاد – ثمنه لايتعدى الثلاثه مليون دولار، ولاأريد أن أثقل على الدوله، لذلك خطر لى تصوراً بتحريك المجتمع لشراء مثل هذا الجهاز خاصة بعد أن استشرى ذلك الداء بين أهلينا الطبيبين، وذلك عبر حملة تبرعات تتولاها مجموعة مؤثرة.. وأحلم بدار لعلاج ذلك الداء جهة(الكدرو)، يشيدها أهل السودان وتشارك فيها الحكومة..
[كتبت سناء الريفى على تغريدتها فى (الفيس بوك) حول مرض د: دقش قائلة:

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً