نهاد،
كيف حالك؟ والنيل يمضي متهادياً، ونحن نمضي معه كأننا جزء من سريانه…في ردك على رسالتي الأخيرة، لمستُ ذلك الارتباط العميق بينك وبين النيل، وهو ارتباط مفهوم ومشروع؛ فأنتِ ابنة النور، ولولا النور ما كان للجمال أن يُرى أو يُحس.
سألني أحد الأصدقاء يوماً: من الذي وُجِدَ أولاً، الإنسان أم النيل؟
فأجبته: لقد وُجِدا معاً في لحظة واحدة… ودليلي هو هذا الخيط الخفي، وذاك الارتباط الروحي الذي لا يُفسَّر بينهما.
في مجتمعنا يانهاد، يُشبَّه الرجل الشهم الكريم بالبحر، وهم هنا يعنون النيل؛ كما أن للنيل نصيباً وافراً في أمثالنا التي لا تُحصى ولا تُعد. ومنها قولهم: “البحر بشيل غطاسه”، كناية عن أن النيل لا يُغالب، ولا يُقاس عليه أحد.
وفي بلاد الشايقية، يقولون:
“التمساح في بحره، وجنا الناس لأهله”،
وفي هذا المثل حكمة عميقة: أن الإنسان، مهما ابتعد، لا بد أن يعود إلى أصله… كما يعود الماء دائماً إلى مجراه.
وأظن يا نهاد، أن النيل لا يكتفي بأن يكون مجرى للماء فقط، بل هو أيضاً مجرى للحنين…لذلك نكتب إليه دون أن نشعر، ونودع فيه ما عجزنا عن قوله صراحة.
أحياناً، أتخيله واقفاً بيننا، يصغي لرسائلنا هذه، ولا يتدخل، لكنه يفهم…يمر على كلماتنا كما يمر على الضفاف: يلامسها برفق،لمسة حنان الام، ثم يمضي في سبيله، حاملاً شيئاً منها إلى حيث لا نعلم.
هل شعرتِ يوماً أن النيل يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا؟
أنه يحتفظ بأسرارنا الصغيرة، بتلك التي قلناها وتلك التي سكتنا عنها ربما لهذا، كلما ابتعدنا، اشتد فينا الشوق…ليس فقط إلى مكان، بل إلى حالة كنا فيها أكثر صدقاً، وأكثر بساطة… كالماء حين يكون في منبعه.
أكتب لك الآن، والنيل—كما أظن—يمر بين سطوري، يرتب الكلمات بطريقته، ويترك بين الجمل مساحات صمت تشبهه… فإذا وصلك شيء من هذا الصمت، فاعلمي أنه ليس فراغاً، بل كلام لم يجد طريقه بعد. ومشاورينا على النيل لن تفتر ولا بتكمل… ونواصل..
وختاماً ليس ختام، لكِ معزتي التي تعرفين..
عثمان يوسف خليل
♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️♦️
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته العزيز عثمان عساك طيب ، وقفت بصمت عاجزة عن الرد علي رسالتك في كل مرة تدهشني عن النيل وكأني أري ذاك المنظر أمام عيني عظمة سريان النيل وعن سؤالك من وجد النيل لا أري أرتباط أعمق من النيل والانسان مع فارق التشبيه ، ولكن العمق هنا والمعني واحد وأجد نفسي ادخل في دائرة المقارنة المقدسة لا أراديا عن صفات النيل الرائعة مثل الكرم والشهامة دلالات عديدة، وتدور حول ان النيل عنيد أحيانا فعلينا الحذر من عناده ، وكما ذكرت مسبقا روح النيل عظيمة .
اهيم وأهيم علني اجد ما يشفي روحي التي غالبها الشوق .
واجدني افهم تماما ما تعنيه يحمل عنا ما حملنا في دواخلنا غربة وشجن وحنين .
هذا السؤال الجوهري عن ان النيل يعرفنا له معنين يعرفنا لاننا كنا بالقرب منه منذ نعومة أظفارنا الي أن هجرناه ربما يعرفنا ولا أظن بعد هجرنا له يعرفنا بعد الان ربما يغالب عليه حزنه زاكرته هجراننا له حنينه المكتوم ؟ رواني هل يشتاقنا وعند عودتنا يتقبلنا كما كان الحالة التي ذكرتها الصدق والبساطة هل سيرحب بنا بذاك البهاء والنقاء والصدق والصفاء أم تعكر أيامه تلك الايام التي هجرناه ولم يجدنا !؟ اشعر ذلك الصمت المهيب ، صمت أخافني واخاف سطوري التي ترددت كثيرا لتخرج خائفة مرتعبة فالنيل روح تحس الهجر .. لا أكاد اقول هجرناه ولكن قصرنا واراني احس انين لا ينتهي ومياه البحر باكية بهدوء وشوق لعودتنا عل انين الشوق النيل وعودتنا تشفي غليل مكتوم منذ ان تركناه حاملا هموم اثقلته واوجعته وصمت ينادي واسمع صوته أين الاحباب !؟
دمت سالما .
نهاد نصرالدين .
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم