أمي…
يصادف اليوم، 28 أغسطس، ذكرى رحيلك المفاجئ المرّ. كنا على موعد تسكني معنا ، وهيأتُ غرفتك، وكنا في انتظارك، ولكن مشيئة الله تحققت…
جاء صغيري، وكان يومها لم ينطلق لسانه بعد، وطلب مني أن أتصل بك، كما كنت أفعل كل صباح. كان يناولني الهاتف قائلاً: «بوبة»؛ وهو يعني «حبوبة». وكأنه كان يستشعر شيئاً ما… وقد كان.
في ذلك اليوم ، علمت بأنك مغمىً عليكِ بعد أن سقطتِ وارتطم جسدكِ بالسيراميك… تلك الإغماءة التي لم تستفيقي منها أبداً.
رحلتِ إلى ربكِ راضيةً مرضيةً… آه، كم كنتِ طيبةً، عفويةً، عفيفةً، محبوبةً من الجميع، حتى أطلقوا عليكِ اسم «البريدو»!
أمي…
ها هي السنوات قد مضت منذ رحيلك الأليم. ترى، ماذا كنتُ سأخبركِ لو كنتِ بيننا الآن؟ ماذا سأحكي لكِ عما جرى في أسرتنا، وماذا سأقول لكِ عن الوطن؟
بعدك، رحلت أختي روضة فجأةً أيضاً، وتركت اعتدال ونزار وسلافة وبكري. ولم يمضِ وقت طويل حتى رحلت اعتدال ونزار، وهما في ريعان شبابهما، وبفارق يومين فقط.
وبقيت سلافة وأخوها بكري وحيدين، لا أمّ لهما ولا أب…
وبعد أعوام قليلة، انكسر مرقُ أسرتنا برحيل ولدكِ عبدالباري، «سداد الشمس وشيّال التقيلة»، بعد معاناة مع المرض.
كان رحيل عبدالباري فاجعةً أخرى. ترك وراءه بناته الصغيرات الثلاث، اللاتي لم يكنّ قد فهمن بعد معنى موت الأب، وابنه الذي كان على أعتاب الجامعة.
وقبل عام ونيف، رحلت أختي عفاف…
كان رحيلها صاعقةً بالنسبة لي. تحدثتُ معها عبر الهاتف عصراً، وكانت في أتمّ صحتها وعافيتها. وبعد المغرب، اتصل بي ابنها محمد وأبلغني بالنبأ العظيم:
«يا خالي… أمي بقت في رحمة الله».
في البداية لم أفهم ما يقول، وظننته يقصد شخصاً آخر… ولكنها كانت قد رحلت بالفعل.
رحلت «باباب شمام شقو»… هكذا كانت تناديني ونحن صغار.
كم أذكرنا ونحن يافعون نتجارى وسط حقول القطن في مشروع أم دلقم بمنطقة النعيم، ذلك المشروع الذي كان لوالدي، الناظر شرف الدين شرف، شرفُ أن يكون أحد مؤسسيه، ولا يزال هناك قطاع يحمل اسمه: «دبل شرف الدين».
أمي…
لقد رحلت أيضاً أختك الوحيدة، خالتي مدينة، تلك البشوشة التي لم تفارق الابتسامة وجهها.
ورحل معها قبلها، ابن أخيك الوحيد، عصام الدين.
ورحلت عنا حواء إسماعيل، أخت عبدالرحمن إسماعيل.
وقبل أيام، رحلت حنان محمدين، وفي الأسبوع الماضي رحل خليفة البشير، ذلك الرجل الطيب العفوي.
أمي…
في العشر الأواخر من رمضان عام 2023، وبينما كنا في العمرة، والناس يتأهبون لاستقبال العيد، اشتعلت حرب ضروس في الخرطوم.
امتدت الحرب إلى كل ولايات السودان، وسقط عشرات الآلاف من شباب السودان من الجانبين، وتشرد الناس ونزحوا إلى الولايات، ولجأ الملايين إلى خارج الوطن واهينت كرامتهم ،وسرت الجفوة والعداوة بين الأهل والزملاء والأصحاب بسبب الحرب …!
الحرب يا امي كشفت عن وجه قبيح كان يخبأه بعض السودانيين خلف الوجوه الطيبة ،كشفت عن نفوس قاسية بشعة وجشعة ..! وان السودان لن يعود كما كان …
وما زالت الحرب مستمرة، ولا نعلم متى ستتوقف، ولا كيف سيكون السودان بعدها…
أمي…
بحمد الله، زوّجنا إحدى بنات عبدالباري الكبرى، تلك التي تركها والدها وهي صغيرة.
وبحمد الله، رزقنا الله ببنتٍ لطالما تسأل عنك. فأريها صورتك التي أحملها دوماً في محفظتي، وأحدثها عنك.
وزوجتي الغالية ما زالت تحزن لفراقك كلما أتت سيرتك، وما زالت تستشهد بأقوالك وحكمتك التي كانت تترك أثراً في النفوس.
اخي صديق بلغ من العمر عتيا وقد فقد الذاكرة جزئيا ،لقد اتصلت عليه ذات يوم ولم يعرفني …وابنه يس قد رحل إلى رحاب ربه ،وكذلك انتقل نصرالدين عبدالرحمن بشر الرجل الخلوق زوج بنتك عواطف.
أمي…
أحفادك صاروا رجالاً ونساءً. منهم من تزوج، ومنهن من تزوجن، وكبرت الأسرة من بعدك، وإن ظل مكانك فيها لا يملؤه أحد.
أمنية التي وضعتها بنتك مدينة وفارقت الحياة،قد تزوجت وصارت اما ً..
رحمكِ الله يا أمي، ورحم والدي رحمةً واسعة.
أبتهل إلى الله أن ينزل شآبيب رحمته على قبرك، وأن يجعل قبركِ وقبر أبي روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعنا بكم في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا رحيل.
رحمكِ الله يا «بريدو»…
ما زالت صورتك في محفظتي، وما زال صوتك في ذاكرتي، وما زال غيابك حاضراً في كل تفاصيل حياتنا.
سلامٌ عليكِ يوم رحلتِ، وسلامٌ عليكِ يوم تبعثين.
اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعفُ عنها، وأكرم نُزلها، ووسّع مُدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقّها من الخطايا كما نقيتَ الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجمعنا بها وبوالدي في جنات النعيم، بلا فراق ولا ألم.
آمين.
