رسالة الثلاثين من يونيو .. وعبء د. حمدوك .. بقلم: د. منتصر أحمد ابنعوف

النص؛

في أي مظاهرة المهم وما يلتفت إليه المراقبون هو ما يكتبه الرجل العادي بقلم الحبر على ورقة طباعة لأن ذلك هو التعبير التلقائي عن شعور ومطالب العامة، أما المنشورات المُعدّة بإحترافية فهي دائماً ما تنتمي لجهات منظمة و ذات مواقف معلومة مُسبقاً للمهتمين بالشأن العام.

لذلك على من أراد لصوته أن يصل دون أن يتعرّض للإختطاف أو التجيير لصالح هذه الجهة أو تلك أن يحرص على اقتناء و إعداد المنشور المعبر عن مطالبه “هو”، و الا سيُحسب صوته لصالح الجهة ذات اليافطة البارزة و الصوت العالي.
تابعت و بإهتمام كل ما وقعت عليه عيناي من تسجيلات لمظاهرات الأمس و كنت اهدف لقراءة دوافع الشباب على المستوى الشخصي و فهم ماهية رسالتهم للدولة تلك التي حملتهم على المغامرة و تحدي أخطار الوباء، وهو ما لم يكن بالأمر السهل نسبة للتعبير الشفهي للجمُوع و غياب وسائل التعبير الفردي المكتوبة.
و للأمانة، فقد كان في ذهني سؤالين، الأول عن إتساق مطالب الأفراد و الشباب الغير مسيس مع المطالب التي قدمتها مذكرة لجان المقاومة و أسر الشهداء و الثاني عن تأثر المطالب بالوضع الإقتصادي و المعيشي الصعب.
و قبل تقديم ما خلُصت إليه، لابد من الإشارة إلى عقبات تحد من التحليل الموضوعي لإتجاهات الرأي العام، حيث يوجد مناخ غير ديمقراطي يعمل على حجب الآراء المخالفة و على صياغة الخطاب الجماهيري في سياق معين.
و لقد تمثل ذلك في إبعاد الأصوات ذات المطالب المختلفة كما ورد في مناشدة “غرفة العمليات”بعزل “الفلول” في جزء من الموكب حتى يتسنى التعامل الأمني معهم، هذا من ناحية، و من أخرى توجيه الحشود نحو مطالب معينة كما ورد في خطاب احد قادة حراك منطقة البراري، الذي أشارت إليه القناة الفرنسية، و الذي وجه فيه الحضور بأن هذا الموكب لتصحيح المسار لا للمناداة بإسقاط الحكومة. و كذلك لايمكن إهمال عمليات الاعتقال التي سبقت التظاهرة و المصادرة لمواد إعلامية ذات مطالب بإسقاط حكومة الدكتور حمدوك.
مع أخذ ما قيل في الإعتبار و مع متابعة اللقاءات الفردية التي أجرتها القنوات المختلفة يمكن الخلوص إلى نتائج مهمة وذات موثوقية معقولة؛ ففى ما يخص إتساق المطالب الشعبية مع مطالب مذكرة اللجان يمكن القول بالتناغم إلى حد معقول، فالمطالب بالقصاص والعدالة من جهة و السلام من الجهة الأخرى قد تصدرت أولويات الجموع مع تباين في الترتيب بحسب الجهة، ففي مناطق النزاع برز السلام في المقدمة بينما كان في المرتبة الثانية في العاصمة حيث تأثرت مشاعر الشباب بذكريات الفقد و الدم. الملاحظة الثانية في هذا السياق هو بروز قضية تحسين الأوضاع المعيشية إلى مرتبة أعلى عما وردت في المذكرة فكانت هي المطلب الثالث بدلاً عن ما قبل الأخير في المذكرة.
و من ناحية تأثر مطالب الشباب بالأوضاع المعيشية الحرجة، فقد كان من المدهش أن التيار العام للمواكب لم تصدر عنه أي مطالب بإسقاط حكومة دكتور حمدوك و الي حدٍ ما حاضنتها السياسية. و يمكن القول بقدر كبير من الثقة أن دكتور حمدوك مازال يحظى بالدعم و الثقة من جماهير الشباب مع امل و مطالب صارمة بضرورة إصلاح الأداء الحكومي. و لكن هذا لابد أن يقرأ أيضا مع إختفاء و خفوت منشورات وشعارات شكراً حمدوك التي كانت مميزة للشهور الأولى من عمر الحكومة! و من هنا يمكن الخلوص للميزان الدقيق الذي يقف عليه السيد رئيس الوزراء.
ناحية أخرى مهمة لابد من أخذها في الحسبان و هي نوعية الشريحة التي مثلها التظاهرات، ذلك ان غالبيتها الساحقة هي من الشباب دون الأربعين مع تفوق للفئة العمرية دون الثلاثين و وجود رمزى لكبار السن. و ذلك يطرح أسئلة حولة صلاحية الخلاصات أعلاه في التعبير عن الشرائح الغير ممثلة في المواكب، و خاصة عند إعتبار الطبيعة البراغماتية لتلك الفئات و ميلها نحو قضايا الإقتصاد و تحسين مستوى المعيشة.
ما لا يمكن دحضه أن قطاع معتبر من أجيال المستقبل قد وضع و بشكل كبير ثقته و رهاناته على الثورة و تجسد ذلك في شخص الدكتور حمدوك، و هو عبء ثقيل و يوجب تجرّد و تفاني و جُهد لا محدود من أجل رد الجميل. و لذلك الصراعات العدمية للسيطرة على واجهات العمل السياسي و الصراع حول المواقع و النفوذ لا يليق بأحلام و تضحيات أولئك الشباب و هو ما لا يقبلونه و تلك كانت رسالة الثلاثين من يونيو.

montasir.ibinoof@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً