روايات خاصة: محنة شيوعى في بادية البطانة! .. بقلم: د. إبراهيم الصديق على
20 سبتمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
66 زيارة
(1)
يتعمد الحاج يوسف أن يرخي ثوبه حتى يكاد يلامس الأرض ، ويفاسح بين يديه ويباعدهما وهو يخطو بثبات وثقة يحاكى النسر حين يحوم حول صيده ، في يده – دائما – «مطرق » ، لا تفارقه ابدا ولا يزيد عليها ، لم أره يحمل سوطاً أو سيفاً ، لم يكن بحاجة له ، يكفي ان يشير أو ينهي بصرامة صوته ، ويتوقف كل شيء ، كان عنواناً للهيبة ومثالاً للإحترام ، يتعمد ألا يعيد كلامه ، ولا يتكلم حتى يسكت الجميع ولا يطرق أبداً للآرض حين يتحدث ويتمهل بين عباراته وكأنه يصك المفردات ، نظره في عيون مستمعيه لا يتجاوزهم ..
ألقاه كل يوم في وقت الأصيل ، تبدأ جلسته بعد صلاة الظهر وتنتهي قبل المغيب بقليل ، تصله قداح القهوة و«غباشة» ما بعد العصر ، أمامه صحن عجوة وبعض سمن ، يتوسط سريره «الهبابي» ويتحكر ، حتى لا يشاركه أحد في مساحته تلك ، ولكنني أفعل ، كانت تلك فاتحة صداقتنا ، حدثني عن جيفارا وعن بوخارين وماو وتشو إن لاي وعن الإحتكارات الرأسمالية والعالم الحر وتحليلات هوبسون وعن السلطة الغاشمة ، ولم يكن في خزانتي سوى الإماءات والآنصات وتقطيب الجبين ، فتلك أفكارا لا أجدها في خلوة الشيخ بسوطه الغليظ أو «مراح» الأبقار أو داخل سور المدرسة بضجيجها المتسارع ، وأحيانا – يتصاعد حديثه حتى أظنه يهتف ، ويثور ويتطاير الشرر من عينيه ، ثم ينكفيء في حالة عجز ويردد شعر الحردلو :
كم شُويَـم لَهُن وكتاً كتير فـوق ناقَــهْ زمناً في طَـرفْ رِيسَه وشِويَّةْ فَـاقــهْ عاكسنا الدَّهــر كِـتْرَتْ علينا العَاقـَهْ نِحنا بـرانا يا عبد الله كـيف نتلاقـى انها محنة «شيوعي » في أرض خصبة الطبيعة وبكر في الفكرة .. يسابق الجميع لصلاة الفجر ويتقدم الصفوف في حلحلة المشاكل ، ويبادر في الملمات ، قليل الحديث ومحدود الصحبة ، وتجده – دائما- في ركن قصي ، يحمل كتاباً أو يوسوس مع صديق..
«2»
حالة نادرة والحاج «يوسف» يستغرق بكلياته مع أغنية طروبة ، كانت من اللحظات القليلة التي يتابع بلهفة شيئاً اخر غير أخبار «هنا لندن» ، والشدو يتدفق في لحن يأخذ الألباب ، ويجلس حين تتداعى كلمات خليل فرح :
ياالطبيعة ، الواديك ساكن
ما في مثلك في كل الأماكن
يا جمال ، النال في ثراكن
يا حلاة ، اللي بيرعن أراكن
في قفاهن تور قرنه ماكن
لا غشى لا شاف لي مساكن
في الخزام والشيح والبراح
.. وازداد طربه حتى ظننت انه يحلق حتى بلغ درجة أقرب لتوهان العشاق حين ترنم الفنان:
يا أم لساناً لسا معجن
كلمة كلمة ، وحروفا ضجن
ديل خدودك ، غير داعي وجّن
ديل عيونك غير سبة لجن
ديل دموعك من نظره سجّن
دا دلال إيه دا دلال معجن
محّن الأمات يا رداح..
كان يتلفت ويمد بصره في الفضاء الواسع ويقارن بين المشاهد والكلمات ، وتحول الثائر الى وداعة الدراويش ، ولطفهم ، ورقة إحساسهم ، وربما لذلك السبب يميل الى مداعبة «ود بابكر» ، حين يلاقيه ينسل من طرف الجبل ، وقد علاه التراب وتشققت شفاهه من العطش ، ويناديه ، والمرة الوحيدة يغادر سريره ، وود بابكر في نوم عميق و«سبحته» تتدلى ، ويجلس الحاج يوسف جواره على «تبروقته» في احترام بديع ، ويتهاديان الدعوات بعد كل صلاة ، وهنا في هذه الحضرة يتوقف ود بابكر عن تكرار جملته التي يلقيها في وجه الجميع «المماسيخ » وينتقي مفردة أكثر أخرى «الجن الأحمر» ولم أدرك كنه الإسم ولم اسأل ، تلك صلة مجهولة الأسباب ، سوى أن النفوس هنا ذات طبع خاص.
«3»
ذات أصيل ناداني «الشيخ» وقفت أمامه بهدوء ، لم انحن ، او اتزعزع ، تلك كانت صورتي في ذهن «الحاج يوسف» وهو يرقب المشهد ويحدثني ، هذا صبي متمرد ، وكان على رأسي صلعة صافية أو «تفة» تتهدل ، دون أقراني الذين يغطي روؤسهم «قنبور»… وبدأ مشواره في بناء مشروع «كادر» جديد ..
هجيتني الذكرى ، وتداعي الصور أمامي لتلك اللحظات ، مثلما أثار قريحة الصادق ود الحلال يوما طفل يحمل «زمبارة» وصور ذلك ببراعة ومن بين ناظريه تعود لحظات الطفولة وبراءتها وعلى رأسه «قرين» أو «قنبور» وذاك حنين غمر الوجدان ، وقال:
زمبارة الوليد زادتني في الغبين
طريت جهلي وزمان أهلي مسين لي قرين
طريت جملي وطريت شيوم أم زين
كبي رأسي ولقيت عامتني شيبًاً شين
وجدته هنا في هذه العاصمة الضاجة بالناس والحياة، تتجاوزه الكتوف، وتعلو عليه الأصوات وتختلط الأشياء وهو بذات الهيبة كان هناك ، قال لي (في سعة من الحال وضيق المدن و جدران الأسمنت) ، بذات العزيمة نهض يغالب الثمانين ، ويتبسم «دردنا الزمان يا أبني، و حفا، هبرت الكف »..
يا شيوعيو السودان : افرنقعوا، هذه الأرض لا تنبت (جنا أحمر) د. ابراهيم الصديق علي
ibrahim.sidd.ali@gmail.com
///////////////////////////