رواية سفر الفنجرى .. بقلم: د. على حمد ابراهيم
إنزوى يحدث نفسه فى ركن قصى من الطائر الفخيم ، يتهادى فى بطء محسوب استعدادا للاقلاع فى رحلة مجهولة العواقب . يطمئن نفسه : هى خطوات كتبها عليه قلم القدرة منذ الأزل. وما يكتبه قلم القدرة يمشى فوق ضهر البحر. زفرة من سويداء قلبه المحتقن. .و تحديقة مبهمة فى الافق البعيد. جبال من السحب الداكنة تتبدى من نافذة الطائر الفخيم ، يتأملها فى استغراق عميق. علها حزينة هى الأخرى من سفره هذا . يرفض الاستسلام لسطوة الشعور بالتيه. أو الاحساس بالحسرة على مجد ضاع : يترك وراءه الخميل الساجى ، ومستودع الخزف الجميل. ويغادر مغاضبا الى البلد البعيد ، يستعصم خلف المسافات الفاجرة و المحيطات المرة ، لا تسقى ماء زلالا لظامئ يتفطره الظمأ .كان شاهدا على الفجيعة لحظة مولدها ، يوم تداعى الخميل الساجى ، يتصايح أهله ، كل فى وجه الآخر : أن إنج سعد ، فقد هلك سعيد. تمضى امام ناظريه فواصل الشريط الدامى ، يوثق بعض إنجازات تتار القرن العشرين التدميرية فى خميل زروق و المحجوب . يمتلئ صدره بغبن مكين . يغمض عينيه كالمغشى عليه من هول الفجيعة . لا يستطيع لنظز فى اللوحة البغيضة. لا يطيق مداومة النظر فى الجراح الصادحة .أو معايشة وجوه تقدح حقدا ساما كما أنثى الكوبرا تقدح . حقدا أعمى يكفى لتسويد كل فسحات الأمل الجميل فى مظان الحياة القصيرة . يتف عن يمينه وعن شماله كما يتف الصالحون فى وجوه الشياطين . تتخطفه الرؤى الحزينة من قريب ، تتمارى فى مخيلته صور الضحايا الذين تساقطوا تلالا غدر بها تتار المحن الجدد وقد حوّموا فى البرية جماعات جماعات ينشرون الدمار والخراب بهمة لا يلحقها العياء. و تاهت ضحاياهم فى البريات الواسعة ، زحموا طرقات فيافى الدياسبورا ومدنها بسحناتهم المميزة على سعتها. قسماتهم المشرقة بالامس علاها الصدأ ، راكمته فوقها صنوف الإذلال و الاهانة والتصغير. احتوتهم باشفاق حنيف. نظرت الى قيمة الانسان فيهم ، احتفت بكسبهم المعرفى وخبراتهم التراكمية ، و قدرتهم على التعزى الآمل . واحتمال الجراحات الموضعية يجترحها فيهم جراحون لا يحسنون حتى الذبح والتجريح . قدمت الدياسبورا لاطفالهم اللقمة التى انتزعها من افواههم تتار القرن العشرين رغبة فى احتلال مواقع آبائهم لتتمكن فيها الفئة الباغية من التتار الجدد ، أو من عشيرتهم الاقربين. الطائر الفخيم يشق عنان السماء بقوة و اقتدار . وهو يشق دياجير صمته وتأملاته بزفرات حرى تنطلق من سويداء القلب من حين لآخر. يبتعد الطائر الفخيم كثيرا عن ربوع البوادى عموم ، يبتعد عن مدينة التراب ، هكذا يقول عنها ابنها القاص الكبير ، يحبها وتحبه بوله صميم . يعمدها و يسميها مدينة التراب فى دعابة عذرية لم يسبقه عليها أحد من جحافل القصاصين . و تعمده هى ، تسميه بالمك . وتضع على رأسه تاجا من الريش الفخيم يليق بميسم المك الكبير ، يتزركش بألوان قزحية مفرطة الدلالة والابانة . يقترب الطائر الفخيم من البلد البعيد ، صارت ملاذا للمضطهدين الخائفين. يستعيد مناظر الشريط الحزين، فيلم هندي تستشرفه مدينة التراب. يحدث نفسه اكثر ، ويتذكر اكثر : طفح سيل الكذب العرمرم بالبيدر . وبلغ الزبى . يتذكر أكاذيب الشيخ العراب يضحك بها على عقول الدهماء ، يعقد قران ابنائهم القتلى على الحور العين قبل الحصول على موافقتهن بعرسان اشباح توسدوا أحراش الجنوب . لا يتراؤون لبعضهم البعض كما هى شروط الاقتران الازلية . عرسان قتلهم الشيخ الكجورالكبير خدعة فى حروبه الجهادية الفالصو. وهاهو يزوجهم خدعة زواجا عرفيا بلا شهود و بلا توكيل بالقبول من العرائس اللائى تعذر الوصول اليهن فى ذلك الزمن الذى لم تنفرط فيه ثورة الاتصالات من عقالها . قضى عليهم الكجور الحرباء فى حروبه الجهادية فى احراش الجنوب .و صنع لهم أكاليل تايوانية من مجد كاذب وسماهم شهداء عنوة و إقتدارا . حتى اذا قضى وطره السياسى منهم عاد واعتبرهم (فطايس) دون أن تختلج عضلة لسانه من حياء. يتذكر حكاية السرداق الكبيرالذى اقامه ذات يوم الشيخ الكجور ينصب به على الدهماء احتفالا بتزويج أحد الشهداء على إحدى الحوريات العين المقيمة فى احدى السماوات العلى . زواج غاب عنه الماذون والشهداء و العريسان السعيدان . زواج لم تجر قبل اتمامه لا استشارة ، ولا استخارة كما جرت بذلك الشرائع والعادات. استفزه تصغيرعقله يومها الى درجة التصفير . و أهانه تماهى مردة النفاق والتدليس مع أكاذيب الكجورالعجوز وهم يعلمون . زادوا قلبه مرضا على مرضه القديم. ضعفت حيلة جميع أهل الديرة المندهشة فى أن يقولوا أن الأمر فيه عجب واستصغار للعقول. كل البرية المحيطة جبنت فى أن تقول أن بغلة الكجورالعراب فى الابريق. بل خرجت تتماهى مع مردة النفاق وترقص معهم الصقرية . يقيم زبانية الشيخ الكجور مهرجانا يقدمون فيه التهانى بمناسبة زواج ابن أحدهم من حورية لا يعرف الوالد اسمها ولا رسمها ولا اسماء نسابته الجدد. ولا السماء التى تقيم فيها العروس الحورية من السموات السبع العلى . تطلق عجوز شمطاء الزغاريد المعربدة ابتهاجا بالزواج المكذوب . حالة فريدة تتدامج فيها الزعاريد المعربدة مع البكاء والعويل. توليف درامى لا يستطيعه أى مخرح حتى و لو اوتى مقدرات مصطفى العقاد . تقلع أم الشهيد برطوشها من رجلها وتنهال على العجوز الشمطاء برطشة فوق تحت وعلى جنب . ويضحك الفراجة على المشهد السينمائى بتلذذ ظاهر . الطائر الفخيم يشق عنان السماء مقتربا اكثر من أم مدن العالم . و مبتعدا اكثر من مدينة التراب التى تهتك فى حبها فى لحظة الفراق الخليل الشاعر العربيد فى حب الاوطان. كان أكثر ما يخيفه أنه لا يعرف الى أين يقوده قدمه المفارق . هو كذلك . لا يدرى الى أين يقوده قدمه المفارق. قالوا دلاس ، قال لا يحب المدينة التى قتلت زين شباب الرؤساء . فى يومه هذا هو مفارق للبوادى عموم . و هو مثل الخليل لا يدرى الى أين يقوده قدمه المفارق ؟ لا يدرى متى يعود . أوهل العودة مرصودة فى دفتر الإياب . يكتفى ، مثل التنى الشاعر، يكتفى بالتضرع بالدعاء أن ترعى العناية وطنه العزيز. يقدمها على نفسه الاكثر حاجة لطلب الرعاية فى الدياسبورا القاسية . ما زال غارقا فى تهويمات نفسه وقد طال به المشوار و تقاذفه الملل والسأم . وتجسر فى وجدانه الشعور باليتم والتيه وقد تراصت بينه وبين البوادى عموم المحيطات الفاجرة. عاد يرن فى اذنه بكاء (أم وليد ) المر، تهيل على رأسها الرماد ، و تنادى بصوت مبحوح على ابنها الصبى وقد حصدته رصاصة قاتلة فى احراش الجنوب ، ذهب اليها مجاهدا غرا دون العشرين . تسأل الأم الثكلى ابنها الفقيد لمن تركها و قد علاها شيب كثيف. تعرف أم وليد أن ابنها لن يحير جوابا على سؤالها الكبير . فاجأتها هى الاخرى مظاهرة مصنوعة قوامها المتبطلون الجائعون من أهل الحى من محترفى التظاهر المصنوع مدفوع القيمة ، يعتاش منه رجال مردوا على النفاق ، يمزقون حلاقيمهم صياحا ونبيحا بلا قضية وبلا لزوم . و نساء محتاجات للمصروف يزغردن بلا طرب غير طرب انتظار المرجو الغائب يأتى من كيس القادرين على الكشكشة بلغة حاج سعيد الصريحة التى لا تعرف المداراة والدوران . يقول هم يريدون مظاهرة مدنكلة ونحن عندنا المستعدون لاخراج المظاهرات المدنكلة حسب المواصفات والمقاييس . كل مطلوب بثمنه . يتذكر الحكاية الطريفة ااتخرى ما زالت دائرة فى ذاكرة الحى القديم . المرأة الهرمة تتقدم من أم أحد قتلى الشيخ الكجور من الذين أنعم عليهم الكجور الكبير بتميمة الشهيد وهى تطلق زغرودة معربدة تبارك بها لأم الشهيد استشهاد فلذة كبدها الوحيد. تقلع ام الشهيد برطوشها من رجلها وتصفع به العجوز الهرمة عدة صفعات قاسية فى وجهها المتهدم . و تتف فى وجهها و تسمعها عبارات نابية . تمسح العجوز الهرمة الاوساخ من وجهها وقد فوجئت برد فعل الأم الحزينة . مضت عنها بعيدا وهى تردد ما يشبه الاعتذار : شن بجيب الضرب و الزعل والدواس . ناس الحيكومة قالوا دايرين زفة عريس . منو البقدر يقول لا لناس الحكومة . كان ما مرقنا فى الزفة الحكومة تضرب . وكان مرقنا ناس الشهيد تضرب . امسكوا ايديكم مننا وامسكوا اولادكم من الحيكومة . خلوهم الماتوا ، امسكوا الباقين . نحن ما جبنا ليهم الموت . الجاب ليهم الموت معروف علّ عينو حارة . ومافى زول بقول ليه بغم.
لا توجد تعليقات
