رواية 48 لمحمد المصطفى موسى: همفري وسوق العيش وأسئلة ما بعد الاستعمار
رواية 48 لمحمد المصطفى موسى: همفري وسوق العيش وأسئلة ما بعد الاستعمار
قراءة ثانية
عبدالله الهاشمي يوسف
elhashmi2004@yahoo.com
23 مايو 2026م
تظل تقنية الحلم في المتخيَّل الروائي العربي واحدة من الأدوات السردية التي جرى اختزالها طويلاً، حيث استُهلكت إما كـ “فجوة استرخاء مجانية” يمنحها السرد للمتلقي، أو كآلية إفصاح ميكانيكي تعويضي تعكس عجز الذوات الروائية عن المونولوج الداخلي في حالة اليقظة. غير أن الروائي محمد المصطفى موسى في روايته «48» يذهب بهذه التقنية نحو أفق بنيوي تكويني (Genetic Structuralist) أكثر تعقيدًا؛ فالحلم عنده لا يقتصر على التعرية السيكولوجية التفسيرية للشخصيات، بل يتحول إلى فضاء رمزي متعدّد الأصوات (Heteroglossic Symbolic Space) تتقاطع فيه الخطوط الميثولوجية مع التاريخي والواقعي. إنه فضاء مشحون بـ اللا-متعيَّن النصي (Textual Indeterminacy) يسمح بتهريب المسكوت عنه والمقموع في حركة السيرورة الاجتماعية إلى وعي الذات الكولونيالية ولاوعيها في آنٍ واحد، ليتفوق الحلم – في مفارقة نقدية حادة – على الواقع المادي في صياغة الحقيقة العارية. ويتجلى هذا التوظيف العميق في الفصلين (32-33)، حيث يبلغ التوتر الدرامي في “سوق العيش” ذروته الأنطولوجية أعقاب “نزال رياسة العتالين”؛ ذلك الحدث الذي يشكّل التمفصل السردي المفصلي (Crucial Narrative Articulation) الذي شطر الرواية رأسيًا. عند هذه النقطة التنازعية، يجد “همفري” (المفتش البريطاني) نفسه مغترباً داخل كابوس كثيف الدلالات، لا يترجم قلقه الوجودي الذاتي فحسب، بل يشير إلى شرخ إبيستيمولوجي (Epistemological Rupture) أصاب بنية الهيمنة الاستعمارية (Colonial Hegemony) ذاتها.
وفي هذا السياق، يلج “همفري” سوق العيش عبر بوابة الرؤيا بوصفه يمثّل المركزية الإدارية (Administrative Centrality)، لكنه يصطدم بمرآة حلمية مشوِّهة تعمل على تفكيك مركزيته (Decentering)؛ إذ يتبدى كائناً مأزوماً يفقد الامتياز الكولونيالي (Colonial Privilege) والسيطرة؛ فقامته تنكمش، وقبعته الاستوائية تبتلعه في قزمية رمزية لافتة، بينما يتضخم “السوق” في المقابل بوصفه الفضاء البدائي المتجاوز (Transcendental Space) للقوى الحيوية الجارفة. والملمح النقدي الأبرز هنا هو أن الرواية تكسر المألوف والنمطي في أدبيات ما بعد الاستعمار (Post-colonial Literature)؛ فهي لا تدير المشهد الكابوسي عبر شخوص الإدارة البريطانية، بل تُمارس إزاحة للمركز ليصبح مشغولاً بالكامل برموزالهامش الاجتماعي (سيد الرجال، أولاد منصور، وماتريد). إن اللاوعي هنا يُعلن انزياح السيادة (Shift of Sovereignty) من الفضاء البيروقراطي المشيد على الطراز اللندني، ليتمركز في سوق العيش باعتباره سلطة مضادة (Counter-Hegemony) بدأت تتجاوز أطر التدجين الاحتوائي. وتأكيداً لهذه الرؤية، تُعاد صياغة شخصية “ماتريد” حلمياً عبر أنساق ثقافية مضمرة (Implicit Cultural Patterns)؛ فلا تظهر مجرد فاعل اجتماعي يدير “أنداية”، بل تتبدى كـ نموذج بدئي أسطوري (Archetype) منبثق من رحم الميثولوجيا الشعبية، تتصدر المشهد بنظرة صارمة ومخترقة للجموع، متحولةً إلى رمز مطلق للقوة الجمعية الكامنة؛ تلك القوة العصية على التشفير بالقوانين الإدارية الإنجليزية، والتي تجمدت أمامها حنجرة “همفري” فعجز عن ممارسة سلطته الخطابية (Discursive Authority).
وتتوازى هذه السيطرة الرمزية للسوق مع ذروة التجلي السيكولوجي (Psychological Manifestation) للشكوك، والتي تتجسد في صورة التاجر اليهودي “رافائيل البعلبكي” وهو يلوح بمنديل أبيض يستحيل سريعاً إلى حمرة الدم. هذا المشهد يمثّل ذروة التناص الداخلي (Intratextuality) والإشارات الارتدادية (Analepsis)؛ تحديداً منذ ظهور “لويس إلياس” القادم من بلدة “دير ميماس”، والذي نبش في رماد الماضي ملمحاً لتورط رافائيل في مقتل شقيقه “موشيه”. تلك الظلال من الشك التي حاصرت يقظة “همفري” تتحول في الحلم إلى يقين شعوري مدمر؛ فالمستنجِد يُجابه ببرود المستنجَد به، ليصبح المنديل المدمى رمزاً لسقوط “ميثاق الثقة”، حيث يرتد “البعلبكي” الذي قدمته الفصول الأولى كحليف اقتصادي وعرّاب لمشروع الحداثة الكولونيالية، كشخصية معتمة تُجسّد الهوية الهجينة والمخاتلة (Mimicry / Hybridity) التي لا يمكن الارتكان إليها في هندسة المستقبل.
ولا يتوقف الكابوس عند التمزق الذاتي للشخصية، بل يتسع ليعيد قراءة التاريخ السوداني عبر تقنية تراسل الأزمنة وتداخلها (Temporal Blending / Polychronicity)؛ فالرماح التي تطارد المفتش تستدعي في مخيلته الجمعية ظلال “معركة شيكان”، ومصرع “هكس”، وتجلي “المهدي” وسط غبار الفوضى، ليغدو الحلم فضاءً هلامياً تذوب فيه التراتبية الزمكانية، ويتكثف فيه كل ما شيدته الرواية معماريًا في فصولها السابقة. وتتبدى براعة محمد المصطفى موسى في كونه لم يترك هذا الكابوس معلقاً في الفراغ السيكولوجي، بل منحه ترجمة سياسية وإجرائية مباشرة في الفصل الثالث والثلاثين؛ فعندما يجلس “همفري” إلى مكتبه صبيحة كابوسه ليرفع تقريره للسكرتير الإداري، يتحول اللاوعي الحلمي إلى موقف أيديولوجي (Ideological Position) مكتوب على الورق، يتجاوز برود الوثائق البيروقراطية ليعلن اعترافاً خطيراً بأن ما يحدث في سوق العيش ليس نزاعاً تجارياً عابراً، بل هو تبلور لـ “السلطات الموازية” (Parallel Authorities).
هذا الاعتراف يمثل العتبة الأساسية لفهم المنعطف الذي اتخذته البنية السردية للرواية، حيث يترجم التحول البنيوي في موقف “همفري” المستجد من الصراع الدائر بين معسكر التحديث الكولونيالي وحلف الخواجات من جهة، وتحالف أولاد منصور والعتالين من جهة أخرى. فبعد أن كان همفري ظهيراً لمشروع التحديث الغربي الذي يمثله البعلبكي، يدفعه الكابوس لإعادة النظر وكتابة جملته الاستراتيجية: «آثرتُ الحياد وقت النزاع، لا استخفافاً بمفصليته، بل لأرى أين سترسو الموازين». هذا الحياد قد يبدو في قشرته الخارجية تجسيداً لـ “النزاهة الأخلاقية” المدعاة للاستعمار، لكن القراءة التفكيكية (Deconstructive Reading) تكشف عنه كـ براغماتية قسرية (Forced Pragmatism) وإدراك واقعي جديد؛ لقد أيقن همفري أن التدخل المباشر بات مكلفًا وغير مضمون النتائج، وأن قبضته الإمبراطورية فقدت قدرتها على تسمية المنتصر، مما جعله يرفع قدمه تعمداً عن كوابح الصراع.
إن هذا التراجع الاستعماري فتح المجال لديناميكية القوى المحلية لإعادة صياغة موازين القوى من داخل بنية المجتمع نفسه، وبذلك يؤكد السرد أن انحسار الاستعمار لا يخلف فراغاً جيوسياسياً (Geopolitical Vacuum)، بل يقدح شرارة القوى العضوية لإعادة إنتاج السلطة. ومن هنا يمثل الفصلان (32-33) ما يصطلح عليه في النقد الأدبي بـ لحظة التجلي التنويري (Epiphany) في تشكل الحدث الروائي؛ إذ تحول “سوق العيش” من مجرد جغرافيا اقتصادية إلى كيان رمزي شبه أسطوري يجتاح الأحلام والذاكرة والوعي السياسي معاً، وتحول “همفري” من مراقب متعالٍ خلف زجاج مكتبه في بلدية أمدرمان إلى رجل يكتشف – متأخراً – أن المجتمع الذي يحكمه يمتلك دينامياته الخاصة العصية على التدجين والسيطرة.
وتكمن القيمة الفلسفية والأدبية الأعمق لهذا النص في قدرته على تجاوز زمن الرواية (الأربعينيات) ليمد خيوطه نحو الراهن؛ فبذرة الصراعات المحلية والطبقية والإثنية المتباينة التي بدأت تتشكل في سوق العيش، لم تكن لتنتهي بمجرد رحيل المستعمر، بل كانت رؤية استشرافية (Prophetic Vision) تُمثّل الرؤية العالمِيّة (Vision du monde) للكاتب تجاه تواصل إنتاج الصراعات بأشكال وطنية جديدة بعد الاستقلال. لقد نجحت رواية «48» في تقديم مرآة باكرة وصادمة للتاريخ السوداني الحديث، صاغت الأسئلة الكبرى حول إدارة التنوع، والقدرة على تقديم التنازلات النخبوية، وفن الحفاظ على التوازنات الهشة؛ وهي الأسئلة ذاتها التي تعثرت في الإجابة عنها كل الحكومات الوطنية والضمير النخبوي اللاحق، بل وحتى أعظم الهبّات والثورات الشعبية ضد الاستبداد. لم تطرح الرواية حلولاً معلبة أو إجابات أيديولوجية جاهزة، بل آثرت إضاءة العتمة التاريخية بجمالية الفن، وسحر السرد، وعبقرية الرمز.
Your Sincerely,
Abdallah Elhashmi
GSM: +96893811849
