رِمَيْدُوُنْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الثَامِنةُ والثَلاثُون .. بقلم: جَمْعُ وإِعدَادُ عَادِل سِيد أَحمَد.
3 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
21 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
درجت والدةُ الإخوة الثلاثة: زَمْزَمْ، وحُمْحُمْ، ورِمَيْدُوُنْ، على أن تحمي أولادها من السَّحَارَة التي تسكن الجوار، بشراسة منقطعة النظير.
وتحت رعايتها، وذودها الذي لا مثيل له عنهم، عاش الأخوةُ الثلاثة في مأمنٍ من هجمات السَّحَارَة.
ولكن، ولأنّ الدُّنيا ما دوَّامة !، شعرت الأمُ الرؤوم بدنو أجلها، وأحسّت أنها قد اقتربت من الممات، فدعت أبناءَها الثلاثة، ونادتهُم، وسألتهُم عن أمنياتهم، وطلباتهم الأخيرة منها، قبل أن تموت، فقال لها زَمْزَمْ:
– أُرِيْدُ قصراً من الرَّمَاد.
وقال لها حُمْحُمْ:
– أُرِيْدُ قصراً من الطين.
وقال لها رِمَيْدُوُنْ:
– أُرِيْدُ قصراً من الحديد!
وبنت الأم الرؤوم تلك القصور، لكلٍ حسب طلبه، وما أن انتهت من البناء، واكتملت القصور، حتى فاضت روحها إلى بارئها، وماتت.
وسكن الأولادُ الثلاثة، اليتامَى، الحُزانى، كلٌ في قصره، على حِدَة.
وفي اليَوْم الأول، عندما جاءت السَّحَارَة، وجدت الأولاد بدون حماية. فاختارت أن تتجهُ إلى قصرِ زَمْزَمْ، وهناك، أمام القصر، طلبت منه أن يخرج من مكانه، ويأتيها لتأكله، ولما رفض زَمْزَمْ، قامت السَّحَارَة بتوجيه ضُرَاطَهَا نحو القَصْر، فانهار قصرُ الرَّمَاد، واستطاعت السحارة أن تقبض على (زَمْزَمْ)، وطبخته، وأكلته…
وفي اليَوْم الثاني جاءت السحارة إلى حُمْحُمْ، وأمرته أن ينزل من القَصْر لتأكله، فرفض حُمحُم النزول لها، كأخيه زَمْزَمْ، فوجهت ضُرَاطَهَا مرةً أخرى نحو القَصْر ، ولم يصمد قَصْرُ الطين أمام ريح السحارة، فانهار مثلما انهار بالأمس قصر الرماد!
وقبضت السحارة على (حُمْحُمْ)، وطبخته، وأكلته.
أمَّا في اليَوْمِ الثالث، فقد جاءت إلى قصر رِمَيْدُوُنْ، المشيد من الحديد، وهي تُمنِّي نفسها بأن يكون رِمَيْدُوُنْ وجبتها الشهية لهذا اليوم، ورفض رميدون النزول لها، كأخويه حُمحُم وزَمْزَمْ، فوجهت ضُرَاطَهَا نحو القَصْر، ولكن القَصْر صمد، ولم ينهار.
وحاولت، وحاولت، وحاولت، ولكنها في الأخير، فشلت، ورجعت خائبة.
ونجا (رِمَيْدُوُنْ) من كيدها، ولكن لحين، لأنها ظلت تُفكِّر في طريقةٍ أخرى، وحيلةٍ مُبتكرة لهدم قصر الحديد والإمساك به.
وهداها مَكرُها، لأن تزرع القَاعُون في الحقل تحت القَصْر، حتى تُغري رِمَيْدُوُنْ بالنزول من مكانه.
ولما أينعت ثمارُ القاعون، نزل رِمَيْدُوُنْ لقطافها، ثُمَّ صار يأخذ الثمار ويرجع بأمان إلى القَصْر في كل مرة.
ولكن، جاء اليَوْمُ الذي تمكنت منه السَّحَارَة، فقبضت عليه، وذهبت به إلى ابنتها في البيت، وأمرتها بأن تذبح رِمَيْدُوُنْ وتطبخه، وتضع لحمه في قدحٍ كبير، وتأتيها بالوجبة الشهية المطبوخة من لحم (رِمَيْدُوُنْ).
وما أن خرجت السَّحَارَةُ من دارها، حتى تغلَّب (رِمَيْدُوُنْ) على البنت، فصرعها، وقتلها، وأخذ جلدها فلبسه، ووضع شعرها على رأسه، ولبس ملابسها، وحجلها، وأسورتها.
ثم طبخ لحمها، وحمله في قدح إلى أمها السَّحَارَة.
وأكلت السَّحَارَةُ اللحمَ بشهيةٍ مفتوحةٍ، وعزمت على إبنتها (المزيفة) بأن تشاركها الطعام، فقال لها رِمَيْدُوُنْ (المُتخفِّي في هيئةِ بنت السحَّارة):
– لا أستطيع، فلقد أكلت قطعةً واحدة، أصابتني بالغثيان، وطمام البطن.
واستأذنت (بنت السحارة المزيفة) أمَهَا في الذهاب إلى قصر (رِمَيْدُوُنْ)، فأذنت لها الأمُ قائلةً في سعادة وحبور:
– حلالِك بَلالِك، هُوَ قصرُك، فمن يسكنه غيرك؟
وما أن استقر (رميدون) داخل قصره الحديدي، حتى صَاحَ بالسَّحَارَة من فوق:
– أنا رِمَيْدُوُنْ، وأنت قد أكلتِ ابنتك، وها هو جلدها، وشعرها، ولبسها، وحجلها، وأساورها.
وذهلت السحارة فمَادَت الأرضُ بها، وسقطت من طولها، وفتفتت (صُرعت)، ثم أسلمت الرُّوح، وماتت غبينةً وحسرة على بنتها.
أمّا رِمَيْدُوُنْ، الذي تخلص الآن من السَّحَارَة وابنتها، فقد عاش في سلامٍ وأمان، مثلما كانت ترجوه له أمه، وسهرت، وثابرت من أجله، ومن أجل إخوته على تحقيقه!
amsidahmed@outlook.com