بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
النفس والاختيار والمسئوليَّة:
مسئوليَّة الاختيار فرديَّة:” كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ”. ولهذا فاختياري لديني مسألة شخصيَّة تخصُّني فقط ولا تخصُّ شخصاً آخر ممَّا يعني أنَّ مسئولية الاختيار تقع على عاتقي وحدي. فأنا رهين اختياري إن أحسنته دفعت فدية نفسي وأعتقتها وإن أسأته ظللت حبيس اختياري. وما مثل الجنَّة والنار إلا حسن وسوء الاختيار؛ أحدهما يحرِّرك من الهمِّ والغمِّ ومن القيود كلِّها في فسحة النور الممتد إلى ما لانهاية، والآخر يقيّدك في ظلمات ضيق الهمِّ والغمِّ والعذاب:
” فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا”.
وأنا أحترم اختيار الآخرين والاحترام لا يعني الاتَّفاق معهم فهم لم يختاروا طريقهم إلا لظنِّهم أنَّه الأفضل لهم وكذلك حالي وستقع على عاتقنا جميعاً مسئولية اختيارنا.
أدركت بملكاتي الناقصة، أنَّ في هذه الدنيا أنَّ النفس التي بين جنبيك هي جنَّتك وسجنك ولك أن تختار بين الدارين. ووجدت أنَّ حياة الإنسان منذ لحظة الولادة رهينة للموت لا تستطيع منه فكاكاً؛ فموت يخلِّدك في النعيم وموت يُخلِّدك في الجحيم. فالنفس عدوٌّ لك:
” أعْدَى أعداءِكَ نفسُكَ التي بينَ جنبيكَ”، فإن عرفتها أمنتها وإن جهلتها غدرت بك، ولذلك قال سقراط الحكيم: “اعرف نفسك”، وقال المولي عزَّ وجلَّ: ” وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ؟
والإبصار هو إبصار معرفيّ بواسطة الذكاء العاطفي والذكاء الأخلاقي وليس بالذكاء العقلي. وذلك يعني أنَّ الإنسان يبصر عندما يبصر نفسه على حقيقتها، وهذا يعني بطريقة موضوعيَّة لا ميل ظاهري ولا ضمني فيها. وهذا لا يحدث إلا إذا كان ميزان الحقائق مستقيماً: ” أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانِ”، ولا ميزان كالقلب مأوي الهوى ولذلك فللقيام بوزن أيّ حقيقة علميَّة أو منطقيَّة يجب أن يخلو القلب من الميل؛ أي من الذاتيَّة وبذلك تتمُّ حالة الحياد بكفَّتين متوازيتين لا تطغي أحدهما على الأخرى. والذكاء العاطفي والذكاء الأخلاقي مرتبطان بالميل العاطفي إن كان سلباً أو إيجاباً علناً أو بغير وعي وهو تصديق قول المولي عزَّ وجلَّ:
” فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”، لأنَّ فهم وإدراك الحقيقة يجب أن يكون بلا دور للهوى فيه أي أن يكون عادلاً:
” يَا أَيُّهَآ اْلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اْعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”. وفي هذا قمَّة الموضوعيَّة العلميَّة.
وعرفت بأنَّ الإنسان لذلك خطَّاء وذلك يعني أنَّه غير عقلاني لأنَّه يتَّخذ من القرارات الخاطئة أكثر من القرارات الصائبة ولكنَّه يمتلك عقلاً يمكنه أن يردَّه للصواب إذا أخطأ ولم أجد هذه الحكمة إلا في قول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم:
” يا رسولَ اللَّهِ ما تقولُ في القليلِ العملِ الكثيرِ الذُّنوبِ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ فمن كانت لهُ سجيَّةُ عقلٍ وغريزةُ يقينٍ لم تضرَّهُ ذنوبُه شيئًا قيلَ وَكيفَ ذلِك يا رسولَ اللَّهِ قال لأنَّهُ كلَّما أخطأَ لم يلبثُ أن يتوبَ تَوبةً تمحو ذنوبَه ويبقَى لهُ فضلٌ يدخلُ بهِ الجنَّةَ فالعقلُ أداةُ العاملِ بطاعةِ اللَّهِ وحجَّةٌ على أَهلِ معصيةِ اللَّهِ”. وكلَّ الفلسفات تدَّعي عقلانية الإنسان والواقع يكذِّبهم.
والإنسان لا بُدَّ له من تحصيل الوُسع قبل أن يسمح له باتِّخاذ قرار واختيار بديل من البدائل المطروحة وتحمُّل مسئوليَّة القرار. ولتقرير أنَّ الشخص عنده وُسع لا بُدَّ من أن يستوفي خمسة شروط وهي سلامة العقل، وفهم المعلومات، والقدرة على تذكُّرها وعلى وزنها بتحليل المنافع والضرر وأخيراً بالتمكُّن من تبليغ القرار. وبالطبع يجب أن يتمُّ ذلك بلا إكراه.
والوُسع يزداد بازدياد مصادر المعرفة وكمَّيتها ولذلك فقد دأبت منذ صغري على محاولة فهم نفسي، التي أتعبتني وأتعبت غيري بشطحاتها وهفواتها وتمرُّدها وومضات من العقل بين الفينة والأخرى، ولم أجد حلاً علميَّاً إلا بدراستها ولذلك فقد درست الطب حتى أُلم بكلِّ أقسامها الجسديَّة والفيزيولوجيَّة والنفسيَّة ثمَّ تخصَّصت في علم النفس والطب النفسي ودرست علم الاجتماع والفلسفة لإكمال فهمي للنفس الاجتماعيَّة والروحيَّة. ومن بعد ذلك تعلَّمت عن حالات النفس في وقت العافية والمرض والسبل لوقايتها ولعلاجها بالأدوية والعلاج النفسي وتخصَّصت في سبعة أنواع من العلاج النفسي.
فعلت ذلك لأنَّ القرارات التي سأتَّخذها سأكون مسئولاً عنها أمام نفسي وأمام غيري ومُحاسباً عليها وهذا يُحتِّم أن يكون لي ضمير أي ذكاء أخلاقي وذكاء عاطفي. وأدركت منذ زمان طويل أنَّ الذكاء العاطفي يقيني من شهوات النفس الميَّالة للإشباع الفوري العاجل لها على حساب الإشباع الآجل لأنَّ حساب الكسب والخسارة يعتمدان على طول مدَّة الإشباع مع العافية. فمثلاً شرب الخمر هو إشباع فوري وعاجل لعلاج الاكتئاب ولكنَّه يزيد الاكتئاب ويؤدِّي إلى إدمان أمَّا الصبر على الاكتئاب واستخدام العلاج النفسي والأدوية يؤدِّي إلى الشفاء الآجل ولكنَّه مرتبط بطول البقاء والعافية.
وثاني شيء تعلمته أنَّ الذكاء الأخلاقي يعني القدرة على تقمُّص أحاسيس وأفكار ووضع الآخرين بحيث لا أسمح لنفسي أن أفعل ما أريد لهم أن يفعلوه تجاهي وأن أبادرهم بالسلام والعطاء إذا كنت أنتظر منهم ذلك وهو يعني ألا يكون عندي كيل بمكيالين.
وقد كان السؤال الأهم هو: أين أجد العلم الذي يشفي غليلي؟ ولإجابة هذا السؤال كان حتماً علىَّ تعريف الذي أريد شفاءه، فابتدأت في رحلتي بالتَّعرُّف على نفسي لأنَّها أقرب إلى من الآخرين ولا تستطيع خداعي ولا أستطيع خداعها عند حالة استنفار غريزة البقاء. فالمرء قد يكذب على نفسه عند حالة الأمن والرخاء ولكنَّه لا يستطيع أن يكذب على نفسه لحظة المكاشفة عند الموت. وقد قيَّض الله سبحانه وتعالي لي لحظات مُكاشفة عديدة ذهبت للموت وصافحته أحمده عليها، جعلتني أُعرِّي نفسي لأراها كما هي بضعفها وقلَّة حيلتها وجهلها وظلمها. ووجدتُّ أكثر صفاتها ممَّا لا يُحمد وشغلني ذلك زماناً طويلاً وأنا أقرأ عكس ذلك في نظريات علم النفس الحديثة التي تُصرُّ على إيجابيَّة وصلاح الإنسان في أصله وهو ممَّا يعاند واقع نفسي وواقع الناس من حولي.
فنحن نري أنَّ طباع الإنسان البدائية لم تتغيِّر منذ ظهوره على الأرض، فهو مثلاً جشع وجزوع وهلوع وحريص ومغرور ظلوم جهول ولاعقلانيَّته أكثر من عقلا نيَّته وليس هناك حكمة قالها كارل ماركس أصدق من قوله:
“كلّ الثورات أثبتت شيئاً واحداً حتى الآن: ألا وهو أنَّ كلّ شيء يتغيَّر إلا الإنسان”.
ولهذا فليس هناك من علاج نهائي لهذا الطبع لأنَّه طبع، وليس حالة عرضيَّة مثل الالتهاب مثلاً الذي يمكن الشفاء منه باستخدام المضاد الحيوي.
وبما أنَّه طبع فيعني ذلك أنَّه مزمن ويجب استخدام الدواء الذي يجعله في حالة استقرار مثل الذي يعاني من مرض السكري ويستخدم الأنسولين مثلاً. فإذا استمرَّ في المداومة على علاجه استقرَّت حالته، وإن لم يفعل دفع ثمن إهماله.
ومريض السكَّري عليه واجبان هما: أن يفعل وأن ينتهي عن فعل. أي حالة إقبال على ما ينفعه وحالة إدبار عمَّا يضرَّه. فهو عليه واجب أخذ الدواء وعليه واجب ألا يقرب السكَّر مثلاً. فهو بين أمر ونهي. والأمر للفعل من أجل تحصيل العافية، والنهي عن الفعل من أجل الوقاية من تصعيد خالة المرض، ولا ينفع إهمال الأمر أو النهي وإلا تذبذبت الحالة واستعصت على الشفاء.
وهذا المفهوم للعافية لم أجده في دين ولا فلسفة غير الإسلام فهو يقول ببساطة أنَّه لا يمكن أن تستقرّ حالة الإنسان الجسديَّة والنفسية والاجتماعية والروحيَّة ليبلغ سُبل السلام ومعارج العافية بغير الالتزام بالأوامر والنواهي التي شرعها الله سبحانه وتعالي وهما يمثلان الشفاء والوقاية:
” وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا”. والرحمة تعني الوقاية من المرض وهو للمؤمنين الذين يسمعون كلام الله طبيبهم، ولكن الذين يُعرضون عنه يظلمون أنفسهم ولا يزدادون إلا مرضاً ويخسرون في النهاية. فمريض السكري الذي لا يسمع نصيحة الطبيب فلا يأخذ الدواء ولا يمتنع عن السكر ستسوء حالته حتما ويبدأ في فقد أعضاء جسده وتزداد حالته سوءاً إلى أن يفقد حياته ويخسر كلَّ شيء.
إذاً حالة الإنسان حالة استثنائيَّة في الوجود فهو الوحيد الذي يقوم بالثورات لتغيير نفسه وواقعه وينتهي لنفس النتيجة التي بدأ منها مقارنة مع باقي المخلوقات التي لا تثور على واقعها الداخلي والنفسي لأنَّها راضية به وتؤدِّي دورها المرسوم لها بلا ضجر فالماشية تأكل عشباً وستظلُّ تأكل عشباً إلى نهاية حياتها ولن تفكِّر في أن تأكل لحماً أو تضيف بهارات للعشب أو تطبخه. فالإنسان يدور في دوامة الملل والضجر والتغيير المستمر من أجل التغيير في أغلب الأوقات وينتهي بضرر نفسه وعالمه.
وما الإنسان إلا تمرُّدٌ مستمرٌّ على العبوديَّة وتوقٌ للحريَّة ولكنَّه يعلم أنَّ حُريَّته مقنَّنة؛ أي نسبيَّة تحدُّها حدود مهما تحرَّر من القيود فهو لن يستطع أن يتحرر من لونه ومكان مولده ولغته الأولي أو من رغباته وشهواته مهما فعل. وهو أيضاً محكوم بالقوانين التي تحكم علاقته بالآخرين والعالم ككائن حيٍّ متفاعل يؤثر ويتأثر بما حوله ووعيه محكوم بتجاربه السابقة وعلمه وحدود أدوات استقباله ولهذا فلا يوجد تصوُّر واحد للواقع عند الناس كلِّها ولا ينبغي وهو سبب تفسير وفهم نفس النصوص تفسيراً مختلفاً بين الناس. والإنسان يسعي للحريَّة ويغفل عن العدالة والأولي نسبيَّة والثانية مُطلقة فيضحِّي بالمطلق من أجل النسبي وهو ممَّا يدلُّ على قصور ذكائه العاطفي والأخلاقي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم