بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
عرضنا في الحلقة السابقة تلخيصاً تاريخيَّاً سريعاً لتطوُّر الأديان في العالم وارتباط الدين بالسلطة الزمانيَّة الحاكمة، وكيف أنَّها كانت تطير بجناح الشرعيَّة الإلهيَّة، والتي تمثَّلت في اعتقاد الحاكم بأنَّه إله أو له صلة بالآلهة، وهي تمثِّل القوَّة الناعمة، وجناح السلطة الزمانيَّة الممثَّلة في القوَّة الخشنة.
وقد ساد فيها استعباد للبشر، واستغلال لهم، وتضحية بهم من أجل الآلهة، ولكن معظم طقوسها البدائيَّة ضمرت مع تقدُّم البشريَّة وتلاقح حضاراتها واتِّفاقها على مبادئ عامَّة تحفظ الحقوق ولكن بعد قرون كثيرة من سفك الدماء وإهانة الإنسان.
وقد ذكرنا معظم ممالك الشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا ولكنَّنا لم نذكر الشرق الأقصى خاصَّة الصين والهند واليابان والأميركتين وبقيَّة إفريقيا. ولا نجد كبير فرق في هذه البلدان في العلاقة بين الدين والسلطة الزمانيَّة كغيرها من القارات.
والغرض من هذا العرض للديانات التي سادت في العالم حتى ظهور الإسلام هو تكوين خريطة ذهنيَّة لأديان الشعوب، التي ألهمت طرق معيشتها ووضع الإنسان فيها من ناحية حقوقه وواجباته وقيمته التي تمثِّل معايير العدالة الاجتماعيَّة التي ينشدها الإنسان مثل الحريَّة والعدل والمساواة، في الوقت الذي جاءت فيه رسالة الإسلام.
وأيضاً فهم السياق الذي نتج عنه عصر التنوير في أوروبا ومقارنته بدور الإسلام التَّنويري كآخر تدخِّل إلهي مباشر لتنوير العالم. ونجد أنَّ كتابه الكريم لا يذكر غير ذلك وهو يخاطب البشر كافَّة وليس أهل أوروبا فقط:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا”.
والبرهان هو الحُجَّة البيِّنة الفاصلة التي تثبت فرضيةً ما.
والنور هو الظاهر الذي به كل ظهور، والظاهر في نفسه المُظْهِر لغيره. والمبين هو الظاهر الوَاضِحٌ الموضِّح الذي لاَ غُبَارَ عَلَيْهِ.
هذا هو التنوير الحقيقي بمعاييره الصحيحة التي تقود لليقين.
وأيضاً الغرض هو إثبات أنَّ الإنسان في كلِّ بقاع العالم لا يستطيع أن يعيش بغير عقيدة، إن كانت هذه العقيدة في إله أو في فلسفة، وهو أمرٌ ثابت إلى يومنا هذا ممَّا يعضِّد قول سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.
ولا يهمُّ إن كان قد اخترع إلهاً يعبده أو لم يخترعه فعرضنا يثبت أن معظم البشر يُحسُّ بحاجة لإله يعبده يلجأ إليه عند العجز ليحميه من الفقر والمرض والظلم. ومن لا يؤمن بإله فهو يبتدع إلهاً من نوعٍ آخر يُسمِّيه عقلاً أو فلسفةً “يؤمن” بقدرته على مدِّ يد العون إليه في مُلمَّات الحياة. ولا يفوت القارئ أنَّ كلّ ذا إيمان يؤمن بصحَّة عقيدته ويرمي الآخر بالغفلة.
ونحن نعلم أنَّ للإنسان أربعة أنواع من الجوع والعطش وطعامها وشرابها مختلف. فالجسد طعامه وشرابه معروف، والعقل طعامه المعرفة وشرابه الفضول، والقلب طعامه الحبُّ وشرابه القبول، والروح طعامها الإيمان وشرابها الأمن والطمأنينة.
ونجد أنَّ إشباع أو حرمان واحدٍ من هذه الأجزاء في الإنسان يؤدِّي إلى الوعي بالأجزاء الأخرى. فالإنسان الذي يذهب للمطعم ليأكل ويشرب فهو يطلب حاجة بطنه ليُهدِّئ جوعها وعطشها، ولكنَّه لا يدخل أوَّل مطعم إذا كان عنده حريَّة اختيار وتوجد مطاعم مختلفة، فهذا يقرِّره عقله وقلبه، فهو سيختار ما يظنُّ فيه منفعته بعد أن يُفكِّر في أنواع الطعام حسب صحَّته وما يمكن أن يجلبه من عافية، ويختار طعامه من قائمة الطعام حسب ذوقه وما يعنيه له ذلك الطعام نفسيَّاً إن كان يذكِّره ببلده أو بأمِّه أو برحلة لبلدٍ قضي فيه زمناً جميلاً.
وعندما يأكله يحسُّ بالسعادة إن وافق ذوقه ويُحسُّ بالطمأنينة والاكتفاء إذ أنَّه ضمن قوته وذهب جوعه، وفي كلِّ هذا إشباع للأنواع المختلفة للجوع. أي أنَّك ى يمكن أن تفصل بين جوعٍ وجوع وشبعٍ وشبع وهكذا الدِّين لا يمكن أن تفصل فيه بين أجزائه التي تُغذِّي أنواع حاجاته المختلفة إن كان جسديَّة أو نفسيَّة أو اجتماعيَّة أو روحيَّة.
ولذلك لا بُدَّ من دين ليغطِّي حاجات الإنسان المختلفة ولا يكون هناك دين بلا عقيدة وهي مجموعة المفاهيم التي تكوِّن نسق الدين وجوهر الدِّين هو الإيمان بشيء وإذا ذُكرت كلمة الإيمان فهذا يعني الغيب لأنَّ الإنسان ليس مطلوباً منه أن يؤمن بشيء يشاهده فهذا يقين ولكنَّه يُتوقَّع منه أن يؤمن أو لا يؤمن بغيبٍ ما لأنَّه لم يدخل حيِّز اليقين بعد.
واليقين ينقسم إلى علم اليقين وهو تصديق الخبر بلا مشاهدة بناءً على شواهد العقل وهي المنطق والآثار، ويعقبه عين اليقين وهو بالمشاهدة وأخيراً حقَّ اليقين وهو بالتجربة. ولا يمكن لأحدٍ لا يقتنع بالجزء الأوَّل وهو علم اليقين أن يقتنع بالجزء الثاني وهو عين اليقين؛ أي لو شاهد ما يُنكره، أو بالجزء الثالث وهو حقَّ اليقين حتى لو جرَّبه. فمن يُنكر شواهد العقل سيجد تفسيراً آخر لمرحلتي عين اليقين وحقِّ اليقين.
وقد ضربنا مثلاً من قبل بقصَّة خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي اهتدي لربِّه بشواهد العقل فوصل لمرحلة علم اليقين ولكنَّه لم ير غيباً يتحقِّق أمامه وذلك يعني أنَّ مجال رؤيته لم تتجاوز مُلك الله حيث نشاهد ظاهراً من الحياة؛ أي ما يظهر لنا من آثار العلم ويخفي علينا ما لا نشاهده وهو في ملكوت الله.
ولهذا السبب قال سيدنا إبراهيم عليه السلام لربِّّه: ” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى”، فسأله المولي عزَّ وجلَّ:” قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ فقال بلي، أي أنَّه وصل مرحلة علم اليقين ولكنَّه أراد مرحلة التأكُّد بالمشاهدة ليصل لمرحلة الاطمئنان، ولذلك كان طلبه من ربِّه أن “يريه كيفيَّة إحياء الموتى بعد أن آمن عقليَّاً أنَّ الله خلق العالم ويستطيع أن يميته ويحيه، وهذه كانت أوَّل حُجَّة استخدمها مع النمرود وقد قالها له بيقين كبير وكأنَّه رآها.
ولكن من ينكر وجود الله أصلاً فلا شيء يمكن أن يجعله يُغيِّر رأيه ولنسمع ما يقوله المولي عزَّ وجلَّ في وصفهم:
” وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ”، وأيضاً: ” وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ”.
وهذا يعني أنَّ من ينكر وجود الغيب لا ينكره لأنَّه لا يراه ولكن ينكره لأنَّه جاهل وخياله ضيِّق ولا يثق بشيء أو بأحدٍ ولذلك ثقته فقط بتفكيره إذ يظنُّ أنَّ الآخرين لا يريدون له خيراً وأنَّ أفضل من ينفعه هو نفسه وأنَّ أفضل ما في نفسه هو تفكيره وإحساسه الخاص وهذا هو جوهر النرجسيَّة والطاغوتيَّة.
وكلَّ الأديان تقوم على فكرة جوهريَّة وفروع تُعبَّر عنها بلُغة وهذا الاختلاف في الألسنة أي اللغات يتبع الاختلاف في الألوان والأفكار والعادات، وهي من آيات الله سبحانه وتعالي التي ربطها بسنَّته في خلقه لحكمة ضمنيَّة وهي التَّنوُّع، وترك إدراكها للعلماء:” وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ”. وهؤلاء العلماء هم الراسخون في العلم الذين يرون ما وراء الظاهر، ويفهمون النواميس، ويربطون بين كلِّ خلق لله لا يرون اختلافاً فيه:
” هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”.وهؤلاء يستخدمون الاستقراء في أعلى درجات المنطق والاستنباط في أدناه ولكنَّهم لا يغفلون عن الصورة الكاملة والرؤية الشاملة.
وعكسهم أصحاب الغفلة: ” يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ”.
والفكرة هي لبنة المفهوم والتي هي مجموع كلماتٍ نُظمت بنسق مُعيَّنٍ لتصنع جُملاً تعبِّر عن مفهوم يحتوي معني. وهي جميعاً تبدأ بحروف، والتي هي لبنات الكلام، وقد بدأ الوجود بأصغر كلمة وهي “كن”: ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”.
ومن مجموع الأفكار نبعت المفاهيم والتي منها انبثقت النُّظُم أو النَّسق التي تكوِّن الشرائع والمناهج: ” لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا”.
والشِّرْعَةُ هي دين أو مذهب أو طريق يسلكه النَّاس أو اتِّجاه مُعيَّن يقصدونه لتحقيق هدف وهي تشمل الدستور أو الميثاق والعهد بين أفراد الجماعة الذين يتشاركون مكاناً مُعيَّناً قد يكون وطناً أو جميع مساحة الكرة الأرضيَّة.
والمنهاج هو الطريق الواضح أو الوسيلة المحدّدة التي توصِّل إلى غاية معيَّنة، فالمنهج العلميّ هو خُطَّة منظّمة لعدَّة عمليّات ذهنيَّة أو حسيَّة بُغية الوصول إلى كشف حقيقة أو البرهنة عليها. أي كيفيَّة تحقيق الشرعة على أرض الواقع.
وهذه الشرائع والمناهج من المفترض أن يجد فيها الإنسان مرشداً يفسِّر علاقته بنفسه وبغيره وبالوجود ويوضِّح له الغرض من وجوده في سياق وجوده، أي في المكان الذي يُولد وينشأ فيه، وإلا صار الوجود عبثاً لا معني له: ” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ؟”، إذ لا يُوجد مجتمع لا تُوحِّده مجموعة أفكار وطقوس لتخلق نسقاً ما يحتذيه الكلُّ من أجل خلق مفاهيم يجتمعون عليها تؤدِّي إلى معرفة مشتركة في الذي يمكن فعله والذي لا يمكن فعله وإلا صارت الحياة فوضي.
والقرآن الكريم يوضِّح في آية واحدة بليغة شاملة الغرض من خلق الإنسان:
” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”، ومعني العبادة هي طاعة الله طواعية وعن رضيً وحب في كلِّ شأن تبغي إرضاؤه. وعن رضيً أي بِطيبِ خاطِرٍ وهو تَعْبيرٌ عَنِ الْمُوافقَةِ والارْتِياحِ وهو مقام عند الصوفية ويعني نهاية التوكُّل وقبول كلّ شيء. أمَّا أن تُحبُّ أي أن ترغب في المحبوب وتتَّصف بما يستجلب الود. وأوَّل علامات الحُبّ هو الإخلاص والانقطاع عمَّا عيره، وطلب الوصال وتقديم الدليل على صدق المودَّة وهذا يعني لا شريك.
وأيضاً يقول أنَّ سبب خلق السماوات والأرض أمر جادٌّ وليس للهوٍ أو لعب:
” وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ”.
وتوجد بين كلِّ الشعوب مفاهيم يتَّفقون عليها، فلا يوجد تجمُّع بشري يُقرِّ بصحَّة قتل الآخرين بلا سبب ولكنَّهم قد يختلفون في تعريف وتحديد السبب، أو بصحَّة السرقة من البيت أو الأسرة الواحدة ولكنَّهم قد يعتبرون السرقة من جيرانهم مقبولة، أو يُقرِّ بالخيانة أو الاعتداء على أفراد الأسرة بدون سبب ولكنَّه قد يعتبر أشياء أخري مقبولة؛ مثل شرب الخمر، وإن كان ذلك لا يعني أنَّ جميع من بالمجموعة يوافق على ذلك ولكن يكون ديدن الأغلبيَّة أو النِّظام السائد.
ولأنَّ مصادر النُّظُم عديدة فكذلك السبل التي يسير عليها البشر ولا يختلف أحدٌ أنَّ غرضهم جميعاً من اختيار مذهب حياتهم هو السعي للنفع والبعد عن الضرر لأنفسهم.
ويقع الاختلاف عندما يتعدَّى نفع النَّفس على نفع الآخرين ويظنُّ كلَّ طرف أحقيَّته في امتلاك الحقيقة التي يبني عليها مذهبه ولذلك فوجود منهج يوازن بين حقوق النَّفس وحقوق الآخرين بما يدعم سبل السلام كان وظلَّ وسيظلُّ مُبتغى النَّاس أينما كانوا ومصدر اختلافهم.
والمصدر لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالي أو من الإنسان لا ثالث لهما. فالمصدر السماوي بُلِّغ بواسطة الأنبياء والرُّسل الذين لم يقل واحد منهم أنَّه ألَّف ما أرسل به ولا ملكيَّته الفكريَّة بينما المصدر الإنساني لا يُنكر مؤلِّفه حقوقه الفكريَّة أو لربما ينسبه لله لغرض كسب دنيوي ولكن حتى إن نسبه لله فهو يرجعه للمصدر الأوَّل: “
والله سبحانه وتعالي ينسب المفاهيم إليه أو إلى الهوى للذين يتَّخذونه إلهاً يُعبد:
” أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟”
ولذلك يعتبر الله سبحانه وتعالي أنَّ هناك فريق يُبلِّغ عنه رسالته وفريقٌ يعاديهم ويؤلِّف مذاهب مخالفة:
” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ”.
والطريف أنَّهم من صنع الله سبحانه وتعالي يجعلهم بمشيئته أعداءً للأنبياء نتيجة عمى بصيرتهم واختيارهم لإنكار وجوده فسمَّي وحيهم لبعضهم البعض زُخرف القول وسمَّى وحيه لأنبيائه الحقَّ: ” وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ “.
وزخرف القول تعني في قاموس المعاني الجامع الكلام الباطل المزيَّن المموَّه، وزَخْرَفَ كَلامَهُ: حَسَّنَهُ بِأَلْفاظٍ ظاهِرُها جَميلٌ وَباطِنُها كُلُّهُ تَمْويهٌ وَكَذِبٌ.
وإذا تأمَّلنا قضيَّة المنهج وتحديد معايير صحَّته العلميَّة نجد أنَّ الناس لم تدركها إلا حديثاً من خلال المنهج الفلسفي لفلسفة العلوم وبعض العلوم التَّجريبيَّة والتي يرتكز الأمر فيها على قطعيَّة الحجَّة؛ أي الدَّليل أو البرهان العلمي.
فالفيلسوف كارل بوبر هو صاحب فلسفة العلوم هو الذي ابتدع معيار التفريق بين العلم الحق والعلم الزائف؛ وهو إمكانيَّة أو احتماليَّة بطلان فرضيَّة بناءً على الحُجَّة والتي قال عنها:
“في العلوم التجريبيَّة، والتي وحدها يمكن أن توفِّر لنا معلومات عن العالم الذي نعيش فيه، لا تحدث البراهين؛ إذا كنَّا نعني “ببرهان” الحُجَّة التي تحدِّد لنا إلى الأبد حقيقة نظريَّةٍ ما”.
وذلك يعني أنَّ الدليل العلمي لا يمكن أن يصل درجة الإطلاق في حقيقته إذ أنَّه دليل عمليٌّ قبل أن يكون علميَّاً لأنَّه يعتمد على تجربة لا يمكن أن تُحيط بكافَّة العوامل المتداخلة، ولا رؤية تفاعلاتها السابقة وعليه فالحقيقة العلميَّة نسبيَّة وغير مطلقة، أي تحتاج إلى قبول مشوب بشكٍّ منهجيٍّ يترك باب التَّفكير والمراجعة مفتوحاً لمزيد من تلاقح التجربة مع المعلومات الجديدة حتى يتمُّ تغيير القرارات بناءً على الدليل الجديد وذلك يعني لا بُدَّ من إيمان بشيء يغيب عنَّا وترجيح حُجَّة على أخري. وهذا الفهم هو الذي فتح باب نسبيَّة الحقائق وتفسير الظواهر بالصدفة.
بل حتى العقلانيين من علماء الكيمياء والفيزياء من الممكن أن يصلوا إلى استنتاجات مختلفة لنفس العمليَّة التجريبيَّة العلمية في المعمل لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم أخذ الملاحظة على أنَّها دليل سببي للظاهرة، لأنَّ افتراضاتهم الأوَّليَّة المبنيَّة على تجاربهم الخاصَّة في الحياة ومذاهبهم الفكريَّة ونوع علومهم المكتسبة واختلاف طرق تفكيرهم لوَّنت تفسيرهم للظاهرة وبذلك لم يكونوا موضوعيّين؛ أي أنَّ الموضوعيَّة الكاملة حتى في البحث العلمي لا توجد وهي لذلك فموضوعيَّة نسبيَّة.
إذاً فقد نقض كارل بوبر المنطق الأرسطوطاليسي الذي يقوم على يقوم على أساس من مقدمات يقينية،
وينتهي تبعا لذلك إلى نتائجَ يقينية، وفي الفلسفة والتصوُّف هو قياس مؤلَّف من مُقدِّمات يقينيَّة وينتهي تبعًا لذلك إلى نتائج يقينيّةٍ، وهو ما قام به د. محمد أحمد محمود.
ولذلك فيجب الحرص عند عرض نظريَّة ما على أنَّها علميَّة ويمكن لذلك استنتاج خلاصة منها تسند عقيدة أو أخري لانتفاء هذه الموضوعيَّة الكاملة، وعليه على الإنسان أن يزن كلَّ الاحتمالات ويقرِّر بعدها أيُّها أقرب للحقيقة ويؤمن باختياره.
والباحث يحاول أن يجد السبب الذي أدَّي لنتيجة ما أو لظاهرة ما، وهناك نوعان من العلاقة السببيَّة واحدة مباشرة كأن تقول السبب الذي شفي المريض الفلاني هو المضاد الحيوي الذي قتل الجرثوم، ومثل هذا السبب المباشر نادر في حياة البشر لتداخل العوامل الكثيرة نتيجة معتقداتهم الخلفيَّة ونتيجة غياب الصورة الشاملة أو العلم الشامل، ولذلك لا يمكن لبشرٍ أن يدَّعي كامل العلم إلا الله سبحانه وتعالي لمن يؤمنون به.
أمَّا التفسير السببي، الذي هو أكثر شيوعاً، فهو علاقة الارتباط بين ظاهرة ونتيجة، فكلَّما كثر الارتباط بينهما كلَّما ازدادت الثقة أنَّ هذه العلاقة سببيَّة. فمثلاً إذا قلت بأنَّ علاجاً نفسيَّاً يداوي مرضاً نفسيَّاً مُعيَّناً فإذا كانت السببيَّة مباشرة فيجب أن يستجيب كلّ مريض لهذا العلاج وأمَّا إذا كانت السببيَّة غير مباشرة فنجد أنَّ معظم المرضي قد يشفون ولكن البعض لا يشفي لسبب ما.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم