زيارة تفقدية لبنك أمدرمان الوطني أحد مؤسسات المنظومة العسكرية .. بقلم: الهادي هباني
ثالثا: شهدت البيانات المالية للبنك طفرات غريبة غير طبيعية مثيرة للتساؤلات لا تتناسب مع الحدود الدولية المتعارف عليها في معايير صناعة الصيرفة عموما. والبيان التالي يوضح بعض أهم تلك الطفرات التي حدثت في بعض بنود الأصول والمطلوبات خلال الفترة المذكورة:
ومن البيان يتضح ما يلي:
3- من الملاحظ أيضا أن هيكل أصول البنك خلال عام 2018م هيكل مختل لا يتناسب مع معايير الصناعة المتعارف عليها حيث يمثل النقد وما في حكمه 71%، والذمم المدينة 19% والاستثمارات قصيرة الأجل 6% والاستثمارات طويلة الأجل 1% والأصول الثابتة 1% والاستثمارات الأخرى حوالي 2% (المرجع السابق ذكره، قائمة المركز المالي، صفحة 26). فليس من الطبيعي أن تكون 71% من أصول البنك عبارة عن أصول سائلة مجمدة غير مستثمرة. وهو ما يعكس ضعف مؤشر الربحية الرئيسي متمثلا في صافي الربح إلى إجمالي الأصول (Return On Assets “ROA”) والذي سجل نسب ضعيفة جدا جدا ومتناقصة حيث بلغت 3.1%، 2.5%، 2% في الأعوام 2016/2017/2018م على التوالي. ولذلك فقد كانت الأرباح الموزعة على أصحاب الودائع أرباح ضعيفة جدا حيث بلغت 980 مليون جنيه عام 2017م و1.64 مليار جنيه عام 2018م تعادل ما نسبته فقط 0.007% و0.004% من إجمالي حقوق أصحاب ودائع الاستثمار البالغة 13.9 مليار جنيه و42 مليار جنيه في الأعوام 2017م و2018م على التوالي. في حين أن أرباح البنك كمضارب قد بلغت 700 مليون جنيه عام 2017م و994 مليون جنيه عام 2018م تمثلان 70% و74% من قيمة رأس المال المدفوع من أصحاب البنك البالغ 1 مليار جنيه و 1.34 مليار جنيه/ وتمثلان 33% و30% من صافي حقوق الملكية لأصحاب رأس المال في نفس الفترة وهو ما يعكس جليا درجة الاستغلال السافر لودائع الناس من قبل أصحاب رأس مال البنك خاصة وأن البنك يوسع دائرة فروعه الممتدة في العاصمة والأقاليم لاصطياد ودائع العملاء لتحقيق معدلات أرباح خرافية لأصحاب البنك ممثلين في الشركات والمؤسسات التابعة للمكون العسكري دون أن يكون هنالك تدخلا من قبل البنك المركزي لحماية العملاء وذلك ببساطة شديدة لأنه شريكا بنسبة 56% في رأس مال البنك وبالتالي شريكا أصيلا في الأرباح. وإذا قارنا بينه وبين بنك الخرطوم مثلا نجد أن الأخير أفضل بكثير حيث بلغت نسبة أرباح البنك إلي صافي حقوق الملكية 8.4% و8.2% ونسبة أرباح أصحاب الودائع إلى إجمالي قيمة ودائعهم الاستثمارية 2.8% و2.6% في نفس الفترة وهو ما يبين ارتفاع درجة الاستغلال لودائع العملاء في بنك أمدرمان الوطني عنه في بنك الخرطوم. مع ملاحظة أن ودائع العملاء تحت الطلب (الحسابات الجارية)، البالغة 7.9 مليار جنيه و20.1 مليار جنيه تمثل 30% و28% من إجمالي مصادر أموال البنك في عامي 2017م و2018م على التوالي، تعتبر مصادر مجانية للبنك لا يتقاضى العملاء أرباحا عليها. هذا الاستغلال في جوهره يكشف خدعة البنوك التجارية عموما والتي تقوم بشكل أساسي على فكرة الرفع المالي أو ما يصطلح عليه بال (Leverage) كفكرة تقوم عليها نظرية وفكرة الاستثمار في مجال البنوك والتي يمكن تبسيطها بأن أصحاب البنك (أو مؤسسيه) يدفعون رأس مال صغير مقابل استقطاب حجم كبير من ودائع العملاء ومن خلالها يُرَاكِمُون أرباحهم وحقوقهم كمالكين للبنك. وبالتالي فالبنوك التجارية تحتاج لرقابة صارمة وتعليمات ولوائح تضمن حماية ودائع العملاء وتلزم البنوك بالعمل على تنميتها وعدم استغلالها فقط لمصلحة أصحاب البنك. ولذلك فقد وضعت اتفاقية بازل معايير وضوابط صارمة للحدود الدنيا لنسبة كفاية رأس المال بهدف حماية المودعين من كافة أنواع المخاطر. إلا أن الوضع في السودان مختل تماما وأن كل البنوك السودانية تعاني ضعفا كبيرا في رأس المال وتعتمد في نشاطها بشكل أساسي على ودائع العملاء وأن بنك السودان المركزي بدلا من أن يكون رقيبا على البنوك التجارية وعلى أنشطتها ووضع التعليمات الكفيلة بضبط فكرة الرفع المالي والحدود الدنيا المطلوبة لكفاية رؤوس أموال البنوك التجارية نجده من أكبر المساهمين في رؤوس أموال البنوك التجارية.
المصدر: التقارير المالية 2017/2018م لبنك أمدرمان الوطني
(جدول رقم 1) رأس المال المدفوع وأصحاب حقوق الملكية لبنك أمدرمان الوطني 2017/2018م
برغم أن هنالك توزيعات للأرباح في شكل أسهم مجانية عام 2018م بقيمة 340 مليون ريال (التقرير السنوي 2018م، قائمة التغيرات في حقوق الملكية، ص. 29) إلا أن حصة البنك المركزي في رأس مال البنك قد انخفضت من 85% عام 2017م إلى 56% عام 2018م دون أن يكون هنالك إيضاح يبين أسباب هذا الانخفاض. في الوقت الذي زادت فيه حصص باقي الشركاء الذين يمثلون شركات تابعة للجيش أو على الأقل ظلت على ما هي عليه.
2- إعادة هيكلة بنك أمدرمان الوطني بحيث يتم تفكيك تبعيته للجيش باعتبار أن القوات المسلحة ليست مؤسسة اقتصادية ولا يجوز لها الاستثمار في أي نشاط تجاري بما في ذلك الأنشطة الاقتصادية ذات الطابع العسكري وأن أي استثمار في القطاعات العسكرية هي استثمارات استراتيجية تقوم بها الدولة ممثلة في وزارة المالية (بالتنسيق الفني فقط مع القوات المسلحة) وتكون كل إيرادات هذه الاستثمارات العسكرية تابعة لخزينة الدولة ممثلة في وزارة المالية. وبالتالي لابد من إعادة هيكل رأس مال البنك بحيث تؤول كل حصص المنظومة العسكرية الممثلة في مجلس إدارة البنك لوزارة المالية أيضا وبالتالي يكون كل رأس مال البنك تابعا لوزارة المالية مع إمكانية النظر مستقبلا لطرح بعض أسهم البنك في اكتتاب عام للجمهور.
لا توجد تعليقات
