سد النهضة بيع الماء أم الكهرباء !! .. بقلم: د. أحمد عبد الله الشيخ
16 يوليو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
62 زيارة
بمناسبة اعلان اثيوبيا الاحادي البدء في ملء خزان سد النهضة، ورفض اثيوبيا الاعتراف الصريح بحق السودان في مياه النيل الأزرق برفضها التوقيع على أي التزامات قانونية، وارتفاع نبرة تسعير وبيع المياه لدي بعض الاثيوبيين، اعيد نشر مقال قديم تم نشره في سودانايل في يونيو عام 2018، فيه إشارة الي نية اثيوبيا القديمة لبيع المياه للسودان.
أورد ونديميه تلاهون في كتابه “الأطماع المصرية الاستعمارية في بحيرة تانا والنيل الازرق” الصادر عام 1979 عن جامعة أديس أبابا أن الامبراطور هيلاسيلاسي قد أرسل سفيره في بريطانيا الي الولايات المتحدة لمفاوضت شركة أمريكية تسمي جي جي وايت مان لبناء سد على بحيرة تانا عام 1929. وقد قامت الشركة الامريكية بعمل مسوحات ووافقت على بناء السد بتكلفة قدرها 15-20 مليون دولار. ولما كان المبلغ كبيرا على خزينة إثيوبيا، اقترح الامبراطور هيلاسيلاسي أن تقوم الشركة الامريكية بتمويل بناء السد على أن تقوم تلك الشركة ببيع مياه النيل الازرق الي الشركة البريطانية المشغلة لمشروع الجزيرة وللحكومة المصرية، حتى تتمكن الشركة الامريكية من استرداد مبلغ تمويل السد وفوائده. ولكن الحكومة البريطانية بما لديها من نفوذ قامت بإجهاض المشروع الاثيوبي، إضافة الي الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا في ثلاثينات القرن الماضي أيضا ساهم في وأد الفكرة.
وعلي صعيد أخر، أوضح أسفاو بيني أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سان ديغو الولائية بولاية كاليفورنيا الولايات المتحدة، في مقالة له بعنوان” لماذا صمم سد النهضة على 6000 ميغاوات” منشورة بتاريخ 19/06/2013 في موقع قادا الاليكتروني أن سد النهضة لا يمكنه إنتاج 6000 ميقاوات بصورة منتظمة طوال السنة، لان هذه الكمية من الكهرباء تحتاج الي متوسط معدل سريان من المياه يبلغ 4700 متر مكعب في الثانية، بينما يبلغ متوسط معدل سريان مياه النيل الازرق 2350 متر مكعب في الثانية مما يمثل 50% من المعدل المطلوب.
ومن جهة أخري، ذكر ديل ويتنغتون أستاذ الهندسة المدنية بجامعة كارولينا الشمالية تشاب هيل بولاية كارولينا الشمالية الولايات المتحدة، في مقالة بعنوان “لماذا الحاجة الي مباحثات فنية لسد النهضة” المنشور في موقع كونفرزايشن بتاريخ 8/6/2016، أن حوجة إثيوبيا من الكهرباء لم تتعد 2000 ميغاوات، وأن استيراد كينيا من الكهرباء الإثيوبية لم يتجاوز 400 ميغاوات، فيجب على إثيوبيا أن تبيع الكهرباء للسودان. ولكن الخط الحالي الناقل للكهرباء من إثيوبيا للسودان لا تتجاوز حمولته 100 ميغاوات، مما يتطلب إنشاء خطوط ومحولات جديدة ذات ضغط عالي لاستيعاب الكهرباء المُحتملة من سد النهضة. ولكن تقرير بعنوان “سد النهضة فرصة للتعاون والفوائد المشتركة في حوض النيل الشرقي” الصادر عن معمل عبد اللطيف جميل للأمن الغذائي ومياه العالم في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا بولاية ماساشوستس الولايات المتحدة عام 2014، أشار الي أن إنشاء خطوط جديدة ذات ضغط عالي بين إثيوبيا والسودان ومصر قد يستغرق خمس سنوات.
وعلي نفس الصعيد، ذكر الدكتور محمد نصر علام وزير الري المصري الأسبق في مقالة بعنوان “مقاطعة كهرباء سد النهضة” في صحيفة الوطن المصرية بتاريخ 20/12/2014 أن شبكات الكهرباء في إثيوبيا حاليا لا تستطيع ان تتحمل أكثر من سدس (1/6) إنتاج الكهرباء المحتمل من سد النهضة، وان تكلفة نقل كهرباء سد النهضة من خلال خطوط ضغط عالي، سوف يكلف خزينة إثيوبيا أكثر من مليار دولار، أضف إلى ذلك سعر الكهرباء التشجيعي، فان العائد من بيع الكهرباء لن يفي بمصروفات تشغيل سد النهضة. أما خيار التوسع في شبكة توزيع الكهرباء الإثيوبية الداخلية لاستيعاب الزيادة من الهائلة في الكهرباء من سد النهضة، فان إثيوبيا قد تحتاج الي 30 عاما لإنجاز تلك المهمة. اما خيار تصدير الكهرباء للسودان، فان السودان وإثيوبيا مجتمعين ليس لديهما الحوجة او القدرة لاستغلال نصف الكهرباء المنتجة من سد النهضة مما يفرض على إثيوبيا ان تبيع الكهرباء للسودان بسعر التكلفة. ولكن مصر هي الدولة الوحيدة التي لديها القدرة على استيعاب كامل الكهرباء المنتجة من سد النهضة وأن رفض مصر شراء كهرباء سد النهضة قد يعرض إثيوبيا لخسارة مقدارها 6-7 مليارات دولار مما يؤثر على قدرة إثيوبيا في الإيفاء بالتزاماتها السد المالية.
ولا يفوت على القاري الكريم، أن السودان قد يكون المتضرر الرئيسي من سد النهضة، إذا ما تغيرت السياسة واختلفت المصالح السودانية الإثيوبية، فإثيوبيا يمكن أن تمارس ضغطا هائلا على السودان. وذلك لان ضيق السعة التخزينية المائية في النيل الأزرق، سوف يجعل من إثيوبيا اليد العليا التي تتحكم في مواقيت وكميات المياه المنسابة في النيل الأزرق مما يضع السودان تحت رحمة إثيوبيا. قد يقول قائل إن إثيوبيا لا يمكنها حجز مياه النيل الازرق لفترة طويلة وهذا قول صحيح! ولكن إثيوبيا سوف تتحكم تماما في مياه النيل الازرق بعد اكتمال سد النهضة. فمثلا يمكن أن تسمح بمرور كميات كبيرة من المياه في مواقيت ليست مناسبة للسودان، أو تسمح بمرور كميات قليلة من المياه في أوقات الذروة الزراعية مما يهدد النشاط الزراعي في السودان. أما بالنسبة لمصر فلديها بحيرة ناصر التي حمتها من موجات الجفاف في القرن الماضي، فيمكن لمصر ان تستقبل كميات متباينة من المياه في أوقات مختلفة طالما حافظت مياه بحيرة ناصر علي حجم مناسب من المياه. فيمكن لمصر ان تتفق مع إثيوبيا على شراء حصة كبيرة من كهرباء سد النهضة، مقابل السماح بمرور كميات كبيرة من المياه في أوقات غير ملائمة للسودان مما قد يفقد السودان قسطا كبيرا من مياهه.
بناء السدود الكبيرة يتم وفق خطط للتنمية تقوم على انشاء بنيات تحتية كبيرة ومنشئات زراعية وصناعية ضخمة مصاحبة لعملية بناء تلك السدود. تلك المنشئات من شانها ان تستهلك الجزء الأكبر من الكهرباء المنتجة، وان بناء سدود كبيرة يعتبر مضيعة للمال إذا كانت الغايات من بنائها توفير كهرباء لشخص يريد ان يضئ غرفة او ان يشعل موقد، وسد مروي في السودان أكبر مثال علي السدود التي لم تبن وفق خطط للتنمية مدروسة. عدم ضغط السودان على إثيوبيا لأبرام اتفاقية منصفة على تشغيل سد النهضة وضمان سريان مياه النيل الازرق في مواقيت الحوجة السودانية، يعرض الزراعة في السودان لأخطار جمة.
لكن يظل السؤال ماذا لو اتفقت مصر وإثيوبيا، قبل أن يتفق السودان مع إثيوبيا؟ وهل تريد إثيوبيا بيع الماء للسودان بدلا من الكهرباء في السنيين الاولي لتشغيل سد النهضة؟ أم أنها ارتكبت نفس أخطاء حكومة الإنقاذ في إنشاء مشاريع كبيرة ذات كلفة اقتصادية عالية لأغراض الشو السياسي.
د. أحمد عبد الله الشيخ
aaer4c@gmail.com