سفينة الشيوعيين الغارقة في السودان .. بقلم: عثمان محمد صالح
17 نوفمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
osmanmsalih@hotmail.com
كما يتلاشى صوت الحادي المغنّي في الفلوات، وكماتستحيل الهتافات البطولية بين الضلوع لحشرحات تتزل لها العبرات ، وكما تنطفيء الشهب في بحيرات الظلام، وكما تختتم الأنهر رحلاتها بالخلود إلى السكون في جبانة الماء المائج في الدلتاوات
مثقلة بتاريخ من الأطماء وجزوع الشجر ومخلفات الصراع الذي دارت رحاه ما بين اليابسة والماء، يبلغ حزب الشيوعيين السودانيين خاتمة المطاف وهو خائر القوى متقطع الأوصال والأنفاس تتوزّع أمواهه برك متقطعة تنتظر أشعة الشمس لتجفّ وتتبخر. قليل من هذه البرك سيسعى
لتجديد هويته اليسارية منغرزاً في تربة العمال” أما القسم الأكبر منها فسوف يتوزّعه مصيران :: فمنهم من سيتلقفه اليأس والإحباط والخمود واللافاعلية السياسية، ومنهم من يفارق سوح العمل المدني بأدواته السلمية و
ينخرط في سلك الجماعات المسلّحة يلوذ بدعوة السودان الجديد لعّله يلقى فيها السلوى والراحة لذهن تعصف به أزمة المرجعية الفكرية بعد تهاوي مثال الإشتراكية السوفيتية.
هي سكرات الموت، اذن، قد جاءت لحزب عظيم قد تكلّس ويبست في عروقه الدماء. ولاشيء يجدي لتخفيف آلام النهاية الرهيبة، وهي نهاية اختارتها له قيادته المحافظة التي تأبى أن تترجّل ولسان أفعالها ينطق : عليّ وعلى أعدائي. مَثَل هذه القيادة المتشبثة بمقود الحزب كمَثل ريان سفينة تمخر في أعالي البحار لم يعد يدري إلى أين يقودها ولا كيف يحافظ على توازنها لتتخطّى الأمواج وتقاوم أنواء الصراع الطبقي، ومع ذلك يأبى تسليم الدفّة لغيره مفضلاً هلاك السفينة بكلّ من عليها. قيادة انتحارية بامتياز!.
هي السكرات ولامنجاة بعد أن دقت القيادة آخر مسمار في نعش الحزب بقرارها الاخير القاضي بايقاف خمسة من كوادر الحزب القيادية والذين تسربت أسماؤهم الى الصحافة والميديا الاجتماعية وأبرزهم دكتور الشفيع خضر. الهدف من ذلك القرار هو إرهاب قوى التغيير وتكميم صوتها و تضييق الخناق عليها لدفعها للسكوت والخنوع والاستسلام أو مغادرة الحزب وتركه مرتعاً للمحافظين
إنّ قيادة الحزب تتفادى مواجهة التيار المطالب بالتجديد علانّية في المؤتمر العام وهي تعمل مافي وسعها لتأتي تركيبة أعضاء المؤتمر من أنصار خطّها, وتجنبياً لعقابيل المواجهة السافرة مع قوى التغيير أغلقت القيادة باب المناقشة العامة في قضايا تجديد الحزب ثم عقدت المؤتمر الخامس مطمئنة لفوزها فيه فخرج المؤتمر للوجود طفلاً ميتاً من رحم الانتظار حاملاً بصمة القاتل المعلوم، آية في الغش وتزييف إرادة الشيوعيين. عقد المؤتمر الخامس ومر مخيّباً للآمال دون أن يطرأ أيّ تغيير جوهري في بنية الحزب الفكرية والتنظيمية حيث تمت إعادة تعبئة الشراب الستاليني المتخثّر العتيد في قنان يغشي الأبصار بريقها الزائف. الأنكى من كل ذلك هو أنّ القيادة التي عطّلت دستور الحزب لاكثر من أربعة عقود واقعدت بحركة التنظيم وهمّشت دوره وقزمّت حظوظه بين الجمهور، لم تفلت من الجزاء وهو الفصل والطرد من صفوف الحزب
فحسب، بل وقامت بتنويم الحزب مغنطيسياً وتربّعت على سدّة الرئاسة من جديد وكأن شيئاً لم يقع.
لست مِّمن يراهن في تجديد الحزب الشيوعي وإقالة عثراته على دكتور الشفيع خضر وأنصاره. لم أراهن عليه بالأمس عندما احتدم التنافس بين أفراد القيادة على منصب السكرتير السياسي بعيد وفاة الأستاذ محمد إبراهيم نقد، ولا أراهن عليه اليوم . ففضلاً عن بينونة ضعفه الفكري الذي يواريه خلف دعوة التخلّي عن الماركسية ، فان دافعه المحرك هو طلب الزعامة ووراثة الهيكل التنظبمي المهيا وهذا ما أبقاه في الحزب إلى يومنا هذا حين خرج منه الخارجون . إنه يقدم بطاقته التعريفية للجمهور كداعية مجدّد بينما هو نفسه صنيعة ذات الظروف والملابسات الحزبية الشاذة التي مكّنته وهيأت له أسباب الترقّي والصعود الي القيادة ودستور الحزب معطل. إنّه ربيب ذات المركز الذي انحدر بالحزب إلى ماهو عليه الآن.
إنّ الصراع القائم في الحزب الشيوعي الآيل إلى المغيب هو صراع لاشأن لطبقة العمال به. فهو في الجوهر تنافس بين أُسَر برجوازية صغيرة متفاوتة الحظوظ في إحكام قبضتها على مراكز القرار الحزبي، أُسَر من مركز الحزب وليس من هامشه المُسيطَر عليه، تتنازع
السيطرة على حزب للبرجوازية الصغيرة التي تخادع العمال بمسوح الماركسية. وماطبقة العمال وبقية الكادحبن في نظر البرجوازي الصغير ذي النزوع اليساري غير كتلة من الجماهير الخاملة يعمل على تفعيلها وتسخيرها مطية لبلوغ السلطة, ثم مايلبث أن ينقلب على تنظيمات العمال و الكادحين .
بوضعه الحالي فلاهو بالحزب الحيّ فينهض لمهمّته في حشد الكادحين، ولا هو بالميّت فُيقبر. فزاعة للطير أضحى بجلباب كئيب، وعقبة كأداءة صار الحزب الشيوعي في سبيل بناء يسار متجدّد يستظلّ برايته المستضعفون في المجتمع وتهابه قوى اليمين.
عثمان محمد صالح
هولندا، 15-11-2015