سقوط الإنقاذ وإعادة إنتاج الإسلام السياسي! … بقلم: بروفيسور معتصم سيد احمد القاضي
21 ديسمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
109 زيارة
مع تباشير سقوط حكومة الانقاذ والمظاهرات الهادرة التي هبت رياحها من الدمازيين وعطبرة وبورتسودان، لا بد من السؤال عن أسباب فشل ثورتي اكتوبر 1964 وأبريل 1985، وعن الدروس المستفادة منها، لان المطلوب الان ليس فقط إسقاط نظام الإنقاذ، وإنما الإجهاز التام على الإسلام السياسي دستورياً حتى لا يتم استغلال الدين لإعادة إنتاجه مرة أخرى.
أحد الاسباب الرئيسية لهذا الفشل هو أن تلك الثورات لم تكن تقف على أي أرضية تنويرية راسخة، وإنما قامت على شعارات سياسية فوقية أو قصيرة النظر (مطلبية تتعلق بالإحتياجات الحياتية) تبدَّد مفعولها مع سقوط السلطة. وبذلك كانت تجد القوى الرجعية المدى الزمني الكافي لإلتقاط أنفاسها وإعادة صياغة أدوات تزييف وعي الجماهير بالطريقة التي تناسب المرحلة. ومن الأسباب المهمة أيضاً هو ما ذكره صديقنا آدم أبو بكر في احدى مداخلاته مع مجموعة من النابهين «إن التغيير في أكتوبر وأبريل قادته “النخبة المستنيرة” ممثلة فى النقابات والأحزاب وتم التحاق الجماهير به فى مرحلة متأخرة ولم تشارك فعليا فى إعداد “الطبخة “، وان الفعل الثوري لم يكن فى متناول جماهير الريف والقطاع التقليدى، لأنها لم تكن فقط بعيدة ومعزولة جغرافيا بل سياسيا، وقد لا نكون مخطئين لو قلنا أنها كانت مهمشة، ليس فقط من السلطة بل حتى من قوى الإستنارة وقادة الثورة».
والخوف هو أن تتكرر التجربة وتسقط الإنقاذ اليوم في ظل غياب أي مشروع تنويري حقيقي، ثم يأتي الإسلامويون غداً بالانتخابات الديمقراطية الصحيحة محمّلين على أجنحة شعارات تطبيق شرع الله. هذا الخوف مبرر، لأن الشعوب، في عقلها الجمعي بصورة عامة، قصيرة النظر وضحلة الذاكرة، لذلك دوماً تستطيع الأحزاب المعادية لمصالح الجماهير، عن طريق الدعايات الانتخابية، والشعارات الدينية، والخطب الحماسية، أن تزيّف وعيها وتوجهها للعمل ضد مصالحها.
فالشعب السوداني، مثلاً، لم يتعظ من مواقف الاخوان المسلمين مع جعفر النميري وتجارب تطبيق الشريعة والعدالة الناجزة سيئة السمعة، وجاء بهم للبرلمان عبر انتخابات صحيحة (غير مزورة). وبذلك تمكّن الإسلامويون بعد سقوط سلطة مايو من الاستمرار في استغلال الدين كوسيلة لتحشيد الجماهير وإفشال النظام الديمقراطي للإبقاء على قوانين الشريعة وفصل الجنوب، واستخدمت في ذلك الجوامع ودور العبادة ومراكز التعليم الديني – التي كانت سائبة – كمراكز ضغط وكبؤر لتفريخ الاخوان والمتطرفين والدواعش الذين يشكلون عملة واحدة متعددة الأوجه. بالطبع، على الناس ان ينتخبوا من يشاؤون، ولكن عليهم حِينَئِذٍ أن يتحملوا نتيجة عملهم وعاقبة خيارهم، لأن قوانين الجدل لا تعمل في أمة مخدّرة بالشعارات الدينية المزيفة.
ان الثورات العظمى في التاريخ الحديث مثل الثورة الروسية والفرنسية، بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا معها، قامت على ارضية فلسفية وفكرية متناغمة مع عمل قاعدي جماهيري واسع، وهذا ما لم تحظى به الثورات في السودان، وما نرجو أن يتوفر لها اليوم. فعلى سبيل المثال، رغم أن الثورة الفرنسية في عام 1789 قد ساهم في قيامها الوضع المالي المتردي، والقحط، والاستياء الشعبي على امتيازات رجال الدين والطبقة الأرستقراطية، كما هو الحال في السودان اليوم، إلا أن مطالب التغيير صيغت على أفكار تنويرية أدت الى اكتمال فصولها باقتحام سجن باستيل، وإعلان حقوق الانسان والمواطن، وإلغاء نظام الإقطاع.
وبرغم أن النخبة السودانية، من كتاب ومفكرين وأكاديميين، ومهنيين، ظلت تكتب عن خطورة الاسلام السياسي على حاضر ومستقبل السودان، وعن حالة الإنهيار التام الذي أصاب جميع مفاصل الوطن، لكنها، كما الاحزاب السودانية، فشلت في ان تبلور أي خطة أو فكرة موحَّدة تتفق عليها لهزيمة المشروع الاسلاموي، وذلك لان الأحزاب ذات الثقل الجماهيري، وهي الأحزاب الطائفية، لا تريد أن تحيّد أو تفقد أداة الدين والشريعة التي تستخدمها هي نفسها لتخدير جماهيرها وإبقائها في حظيرة السيّد.
وبرغم أن العمل التنويري الذي يرفض الإسلام السياسي اليوم نابع من الأزقة والأحياء في كل مدن السودان، إلا الأحزاب الكبيرة (الطائفية) مازالت تفتقد إلى رؤية إستراتيجية تتعامل بها مع الخطاب الإسلاموي، وهذا ما يجعل مواقفها السياسية اليوم موغلة في الضبابية، ويجعل السؤال المحوري مازال قائماًً: كيف نمنع اعادة انتاج الاسلام السياسي بعد سقوط الإنقاذ؟!
20/12/2018
sidahmmx@hotmail.com
////////////////////