سلبيات وايجابيات الدخل الأساسي الشامل .. بقلم: عبد الإله حسن محمد – اوتوا
7 يوليو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
148 زيارة
فكرة الدخل الأساسي الشامل غير المشروط كما اوضحنا ليست فكرة جديدة، لكنها فكرة بعثت من جديد نتيجة لتسارع وتيرة التقدم التكنولوجي والعلمي منذ اواخر القرن العشرين. كما أنها ليست فكرة تقتصر على اليسار أو اليمين السياسي بل يتخطى جميع الخطوط ، مع وجود المؤيدين والمنتقدين من الماركسيين والمناديين بالحقوق المدنية إلى اباطرة السوق الحرة مثل ميلتون فريدمان وفريدريك هايك.
يجادل المؤيدين لفكرة الدخل الأساسي الشامل بأن وتيرة التغير تحدث بشكل أسرع عدة مرات وعلى نطاق واسع من أي وقت مضى ويضربون مثلاً بقطاع الزراعة والشحن اللتان تعرضتا بالكامل للتشغيل الآلي وتقول بعض الأرقام أن ما يصل إلى 50٪ من العمل معرضة لإمكانية التشغيل الآلي في العقود القليلة القادمة. ولا يجد الذين يتم الاستغناء عنهم وظائف جديدة بسهولة. اما الذين ظلوا يعملون في وظائفهم او يجدون وظائف جديده ينخفض الدخل مع زيادة ساعات العمل وايضاً يزداد التباين في المرتبات. وتصبح الوظائف اقرب إلى المهام وبالتالي تقل المنافع التي توفرها، وتزداد الفجوة بين الدخول مما يعرض الروابط الاجتماعية بين افراد المجتمع الى التدهور ثم التلاشي. ويجادلون ايضاً بأن الآلات تستطيع أن تفعل كل شيء تقريبًا يقوم به العامل، وبتكلفة أقل، وبسرعة أكبر، وأكثر أمان، وبشكل عام بكفاءة أكثر من العامل مما يزيد الإنتاجية والربحية. وبالتالي يرون أن الدخل الأساسي الشامل هو الحل الأمثل للتعامل ومجابهة العديد من المشاكل التي تترتب على إحلال الآلة والذكاء الاصطناعي بدلاً عن العمل. لأنه يقوم بالتخفيف من بعض المخاوف الطبيعية التي تواجهها العاملين لإطعام انفسهم وعائلاتهم بسبب فقدانهم لوظائفهم والبحث عن عمل جديد او الانتقال الى موقع آخر. ايضاً يمنحهم الدخل الأساسي الشامل المزيد من وقت الفراغ لممارسة أنشطة ذات مغزى قد لا يتمكنون من القيام بها مثل الفنون والتعليم ورعاية الأطفال ومتابعة شغفهم واحلامهم الخاصة.
المعارضون يجادلون بأن الدخل الأساسي الشامل للوهلة الأولى يبدو رائعاً وتطور ملحوظ للنظام الرأسمالي ولكن دعم النيوليبراليون له أمثال ميلتون فريدمان وفريدريك هايك لأسباب مختلفة تماماً. سيسمح الدخل الأساسي الشامل لأصحاب العمل بدفع أجور أقل وسيخفضون من المساهمة في المنافع التي يتحصل عليها العاملين مثل المساهمة في المعاش وتامين البطالة والعلاج الخ القائمة، وبالتالي خفض تكاليف العمالة، وهي أغلى تكلفة لأي صناعه تقريباً. وبالفعل بدأ منذ الآن بعض أصحاب الشركات الكبرى أمثال امازون وفيسبوك بتوزيع منشورات تفصيلية عن كيفية التقدم بطلب للحصول على مزايا تقدمها الجهات الحكومية المختلفة مع حزم التوظيف الجديدة. وهكذا سوف تستمر عملية تراكم الأرباح لدي القلة الذين يمتلكون رأس المال، مما يسمح للشركات بالتوسع وبالتالي نمو الاقتصاد. ومن البديهي لأي شخص ينظر إلى ما يحدث عندما تزيد أرباح الشركات وتنمو بصورة مضطردة، أنها تميل إلى أن تصبح قلة مهيمنة علي الاقتصاد ونادر جداً ما ترى الطبقات العاملة أي فائدة حقيقية من ذلك. بمعنى آخر ان الفكرة تفتقر الى إعادة توزيع الثروة المتراكمة لدي أصحاب رأس المال إلى أصحاب العمل، ولن يكون كافيًا توفير الدخل الأساسي والآلات الضريبية أو الإنتاجية طالما أن الهيكل الأساسي للنظام الرأسمالي يبقى كما هو. اما بالنسبة للفقراء المعتمدين بالكامل علي برامج الرعاية الاجتماعية ستقل المنافع التي يتحصلون عليها من شبكة الضمان الاجتماعي بحجة “دفع ثمن” برنامج الدخل الأساسي الشامل”. عندها سيجد الفقراء العاملون منفعتهم تتآكل بسرعة بسبب التضخم الذي لا يمكن تجنبه ببساطة عندما يحصل “الجميع” على أموال مجانية. ستنخفض الأجور مع ارتفاع التضخم وتزداد تكاليف المعيشة بسرعة شديدة. وبمجرد أن تتآكل المنفعة الحدية للدخل الاساسي إلى دولار واحد أقل من الحد الأدنى من الكفاف، سيزداد عدد الباحثين عن العمل ولن يكون لدي أصحاب العمل أي حافز لرفع الأجور، حيث أنهم سيوفرون فقط ما يكفي “المنصرفات الاساسية” ( (spending money، وليس الدخل الضروري للعيش.
ويجادل العديد من المحافظين بأن الدخل الأساسي الشامل السخي الذي يغطي كل الاحتياجات الضرورية من الغذاء والسكن والعلاج هو فكرة اشتراكية ومن المؤكد أنه سيخلق حافزاً للناس لعدم العمل. ويتسألون ما الدافع الذي يمكن ان يكون لدي أي شخص للبحث عن العمل اذا لم يشعر الانسان بالقلق المستمر بشأن إطعام وإسكان عائلته؟ لكن الدخل الأساسي الشامل ليس اشتراكياً في حد ذاته، بل أنه فكرة ضرورية ابتكرت بواسطة النظام الرأسمالي نفسه. مع تزايد التراكم الرأسمالي لدي القلة وزيادة الانقسام بين الأغنياء والفقراء، تحتاج الرأسمالية المتطرفة إلى طريقة لاحتواء غضب جماهير العمال و إطالة هيمنة رأس المال مع إبقاءهم مطيعين ومعتمدين على أصحاب العمل والطبقة السائدة. المشكلة الحقيقية للدخل الاساسي أنها تعمل ضمن إطار النظام الرأسمالي كما ذكرنا. إنه إصلاح لمحاولة معالجة بعض التناقضات في الرأسمالية وجعلها أقل وطأةً. الدخل الأساسي الشامل هو جزء من سلسلة طويلة من استسلام رمزي مميز من قبل أصحاب العمل لمنع العمال من الإطاحة بالنظام الرأسمالي. إنه لا يدفع إلى طريق عادل أو منصف ولكنه يبقي علي الطبقة العاملة منغمسة في النظام الرأسمالي الجشع الذي نعيش فيه حاليًا.
ايضاً يجادل داعمي النيوليبرالية بأن الهدف من الدخل الأساسي الشامل السخي هو نقل المزيد من الثروة من الأغنياء إلى الفقراء من خلال فرض مزيد من الضرائب على ذوي الدخول المرتفعة مما سيكون له اثر سلبي على النمو الاقتصادي. وكذلك تزيد معدلات التهرب الضريبي مع ازدياد نسبة الضريبة مما يقلل من إيرادات الدولة وبالتالي من قدرتها على دعم البرامج الاجتماعية مثل الدخل الشامل وشبكات الضمان الاجتماعي الأخرى. ولذلك يؤيدون دخل أساسي شامل يكفي بالكاد لعيش الكفاف مع زيادات طفيفة في معدلات الضرائب وكذلك من اجل السيطرة على التضخم الناتج من جراء الأموال المجانية الكبيرة.
قدم الماركسيون اقتراحاً بديلاً للدخل الأساسي الشامل، حيث حاول عالم الاجتماع الفرنسي برنارد فريوت Bernard Froit بتطوير بديل لفكرة الدخل الأساسي الشامل اطلق عليه الراتب مدى الحياة ( (Lifetime Salary. لن يكون المرتب في نظام الراتب مدى الحياة مرتبطًا بالعمل، بدلاً من ذلك سيكون مرتبطًا بالفرد ويحدده مدى تطوير الفرد لذاته وقدراته بناءً على عوامل تجعل عمله أكثر قيمة. في فكرة الراتب مدى الحياة، بمجرد بلوغ أي افرد في المجتمع سن ال 18عام، يبدأ في استلام راتبه، الذي لا رجعة فيه، وحدده ب 1500 يورو (حوالي 1700 دولار أمريكي) في حالة فرنسا. ثم بعد ذلك على حسب عوامل مثل مواصلة التعليم أو مقدار الخبرة التي يكتسبها الفرد او التدريب على مهن ضرورية يرتقي الفرد إلى المستوى الأعلى من الدخل. يمكن أيضًا تطبيق الحوافز على صناعات أو وظائف محددة حيث يوجد نقص في العمالة لتشجيع الناس على العمل في تلك المجالات أو الصناعات. ستتم مطالبة الفرد أيضًا بالعمل من أجل الارتقاء بمستوى دخله، كلما بذل الفرد المزيد من الجهد نتج ذلك في زيادة راتبه بشكل أسرع، والتي ستبلغ 6000 يورو (حوالي 7000 دولار) كأقصى حد. بهذه الطريقة، اعترف نظام الراتب مدى الحياة أن جميع العمالة ذات قيمة وضرورية للمجتمع بينما لا تزال تعترف بالمهارة والجهد والوقت الذي يستغرقه المرء لاكتساب تلك المهارات والقدرات. لقد اعترف فريوت، بصفته ماركسيًا، بالتناقضات الذاتية للدخل الشامل وابتكر حلاً، أو على الأقل نقطة انطلاق، لرؤية أكبر. رؤية لا تقيدنا في هذا النظام أكثر ولكنها تخلق مخرجًا من خلال تنفيذ الأهداف الاشتراكية مثل استقلالية العمال وخلق أماكن عمل ديمقراطية بالإضافة إلى الاعتراف بالقيمة التي تم إنشاؤها بواسطة العمل المنزلي والمساهمات الاجتماعية الأخرى. نظرًا لأن قيمة العمال تتحدد من خلال مؤهلاتهم ومساهمتهم الاجتماعية بدلاً من وقت العمل أو العوامل الاجتماعية مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو العرق أو العمر أو الجنس او اللون الخ. تحصل الأمهات وكبار السن على أجر، وهذا ليس مجرد عمل تضامني أو يُنظر إليه على أنه منحة مجانية او صدقة، بل على أنه مسؤولية اجتماعية مشتركة. يُنظر إلى هذه الأنواع من العمل التي يتم تجاهلها في النظام الرأسمالي على أنها تنتج قيمة حقيقية يمكن أن تُدرج في الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، أو الناتج الاقتصادي الإجمالي للدولة. ستختفي فجوة الأجور بين الجنسين وسيكون للعمل المنزلي الذي تؤديه النساء في الغالب قيمة. لن تحتاج الأم التي تربي طفلاً أن تختار بين العمل او أن تكون أماً. سيتوقف كبار السن أو العجزة عن الاعتماد على برامج الرعاية الاجتماعية مثل الضمان الاجتماعي الذي يسمح لهم بالكاد بالعيش. كل ذلك جنبًا إلى جنب مع الخدمات المقدمة اجتماعيًا مثل الرعاية الصحية والتعليم والنقل العام والضروريات الأساسية مثل الكهرباء والتدفئة والمياه النظيفة.
هنالك شرح وافر لفكرة الراتب مدى الحياة لا يسعنا المقام هنا للإطالة مثل كيفية التمويل لمثل هذا المشروع الضخم، كيفية التطبيق الخ. وايضاً وجهت له عدة انتقادات أهمها انه مشروع معقد للغاية ويتطلب تتبع الخبرة التي يمتلكها كل شخص والمبلغ الذي يجب ان تدفعه كل شركة لتمويل البرنامج، ايضاً يتطلب تغير في كل جانب من جوانب المجتمع، كيفية عمل كل عقد من عقود العمل، الزمن الذي يستغرقه للتطبيق، زوال نظام الربحية وبالتالي الحافز للاستثمار والنمو الاقتصادي، انتفاء الدافع للعمال لتطوير انفسهم لوظائف تتطلب قدرات اكبر وضغوطات كثيرة، وسيطرتهم المطلقة على سير العمل في كل مراحل الإنتاج، ادارة الدولة لمشروع ضخم مثل الراتب مدى الحياة يؤدي لتفشى الفساد الخ القائمة. لكنه مشروع يستحق التطوير والبناء عليه لتفادي عيوب الرأسمالية المطلقة.
هل يمكن تطبيق الدخل الأساسي الشامل في السودان:
السودان بلد يمتلك طاقات وموارد هائلة ومتنوعة يمكن ان تجعل من السودان نموذجاً تنموياً متميزاً وقصة نجاح استثنائية في فترة وجيزة اذا ما تم وضع خطط تنموية محكمة تعتمد على الموارد الذاتية والدعم الخارجي بشروط مقبولة. ويجب ان تكون ركيزة كل خطة تنموية بالأساس رأس المال البشري والمسئولية الاجتماعية لتحسين حياة المواطنين لخلق بيئة آمنه مستقرة ومستدامه. ان شباب الثورة يتطلع الى دولة المستقبل التي تسع الجميع ويسود في كل ربوعها الحرية والسلام والعدالة من اجل تحقيق تطلعاتهم وآمالهم المشروعة.
لقد أدى تعرض السودان للازمات المتلاحقة والتحديات الكثيرة لتفاقم المشكلات وازديادها عمقاً من حيث الأثر والنتيجة. حيث تدني مؤشرات النمو الاقتصادي إلى ادنى المستويات وازدادت البطالة بنسب عالية وسط الشباب مما أدى إلى وصول نسبة الفقر إلى مستويات عالية تهدد امن واستقرار البلاد. بالإضافة إلى التدمير الكبير في البنية التحتية ومعظم المشاريع الموروثة من العهود والاجيال السابقة. كل ذلك يتطلب بصورة عاجلة وضع سياسات وبرامج وطنية تضع الجميع امام خيارات مصيرية بالغة التعقيد. تطبيق برنامج كالدخل الأساسي الشامل الذي يضمن للإنسان العيش بكرامة في مثل هذه الظروف أمر في غاية الصعوبة. ومع عدم توفر بيانات وادلة لأمثلة ناجحة مستدامة للدخل الأساسي الشامل حول العالم يصبح شبه مستحيل تطبيقه في السودان في الوقت الحالي. البديل الذي تم تطبيقه الآن هو الدعم النقدي المباشر وهو جزء من الدخل الأساسي الشامل، لقلة من ذوي الدخل المتدني وهو دعم نقدي خجول. فوق ذلك انه سيزيد من نسبة وحدة الفقر لان الدعم النقدي المباشر الذي تم تطبيقه هو استبدال لدعم السلع الغذائية والوقود الذي لا ينحصر اثره كما يشاع في الشرائح الفقيرة فقط بل يشمل معظم افراد الطبقة المتوسطة التي تعتمد على الدعم لمساندة دخلها الضعيف وبالتالي معظم افراد هذه الشريحة سينحدرون الى مستوى اقل من خط الفقر. وبالتالي رفع الدعم السلعي واستبداله ب الدعم النقدي المباشر سيؤثر بشكل مباشر وخطير على اهداف الحكومة في تخفيف وطأة الفقر للوصول الى أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة للأعوام ٢٠١٥-٢٠٣٠.
اين الحل اذن؟ الحل اولاً يكمن في التعريف الصحيح للفقر وليس الاعتماد على التعريف الذي يعتمده البنك الدولي والصندوق علي ان الفقر هو تدني في مستوى الاستهلاك فقط وبالتالي قبول الدعم النقدي المباشر كحل لمحاربة الفقر. الدعم النقدي المباشر الذي يوفر العيش الكريم ضروري لابد منه للمسنين والذين لا يستطيعون العمل لأسباب صحية او من ذوي الإعاقات البدنية والذهنية. ويمكن تمويل ذلك بفرض نسبة محددة تتراوح بين ٣ الى ٥٪ علي كل الموارد المستخرجة من باطن الأرض مثل البترول والذهب والمعادن الأخرى لان تلك الموارد ملك لجميع افراد المجتمع وليست لقلة تمتلك راس المال. ايضاً بنفس الكيفية يمكن تخصيص نسبة محددة من إيرادات المشاريع الموروثة من الأجيال السابقة مثل مشروع الجزيرة والذي اصبح ملك لكل الأجيال المتعاقبة. ومن الضروري اجراء دراسات عميقة عن الفقر المتعدد الابعاد في كل انحاء السودان وبعد ذلك يمكن تبني اهداف اقتصاديـــة واجتماعية وبيئية مناصـــرة للفقراء مع اعطاء أولوية قصوى للفقراء النازحين سواءً كان في الداخل او الخارج. ايضاً يجب التركيز على محاربة التضخم بصورة جادة وحصره في مستويات دون ال ٥٪ في العام مع تثبيت او استقرار سعر صرف العملة المحلية. لا يجب ان يقاس الفقر بمستوى دخل الفرد فقط بل بمستوى الحرمان من الخدمات ذات النوعية المناسبة مثل التعليم، الصحة، السكن، الطرق المعبدة، الكهرباء، المياه النظيفة الخ.
وبما ان معدلات البطالة تشكل نسب عالية وخاصة وسط الشباب ويساهم بصورة مباشرة في زيادة نسبة الفقر، يجب بالضرورة ان تكون أولوية أي خطة تنموية خفض معدل البطالة بتبني سياسة اقتصادية تخلق فرص للعمل وتحفز القطاع الخاص، ويربط مخرجات التعليم بمعطيات سوق العمل، وتتبني برامج تأهيلية وتدريبية عالية المستوى مع توجيه الموارد الاقتصادية صوب أنشطة كثيفة العمل.
a_bdulelah@hotmail.com