النخلة شجرة باسقة، سامقة، وهي محل فخر وإعتزاز عند أهلنا في شمال السودان، وفي (حفير مشو) و (القرير) يشارف وقت حصادها (حش تمرها)، في مطلع شهر أكتوبر من كل عام، فتكتسي البلدة حبوراً وفرحاً كموسم الخطوبة في إملشيل في قلب جبال الأطلس لدي الأمازيغ، بأسطورة العشق (إيسلي وتسليت). والناس في السودان وغيره من الدول العربية التي عرفت وإشتهرت بزراعة النخل، كالعراق والجزائر والواحات في واحة النخيل في السودان إلي إمتداد بُطُون وادي هور وما طرقه أهلنا الميدوب وصولاً لوادي العطرون، وواحة سيوة في مصر والداخلة والخارجة والجغبوب والجفرة والكفرة في ليبيا وفي أماكن عدة في الصحاري الواسعة.
النخلة شجرة لها كبرياء وشموخ يعرفه أهلنا في كل مكان يزرع فيه النخل. وَالنَّخْل في بلادنا؛ تزيده عذوبة مياه النيل، والنخلة ما تنفك تسترق رقرقة الماء تحتها في دعة ويسر، فتسقيها ببعض من عبق وسحر وألق. وأهلنا الشوايقة والدناقلة والمحس يتحدثون عن النخل بكبرياء، كما يتغزل رعاة البقر بأبقارهم، والأبالة بإبلهم، ولهم لها تسميات، تسمعهم عند مناداتهم لها ترهف تلك الحيونات الأليفة السمع أكثر عند مغيب الشمس، وهي تقصع جرتها في إستكانة للراعي عند حلبها، ومن ثم تتأهب لتنام، بل وتجيبهم بالجؤار كما ترد الإبل بالرغاء.
وإجتراراً لبعض حديث أهلنا السرمدي في الشمالية عن التمر بذاك الفخار والإعتزاز الذي يحمل عبق الصيرورة التاريخية؛ سألت صديقي وجاري العزيز إبراهيم عثمان وأنا أهم بكتابة هذا المقال ليحدثني عن النخل، فقال لي وكأنه يتحدث عن فتاة غيداء، ” أحلي التمر، التمودا في بلاد المحس، تمر عسل في حلاوته، حصاته صغيرة، لكنها تمرة كبيرة، وثمنها غالي، وما بدوها إلا للناس العزاز، والقنديلا حلوة شديد، رطب وناشف، وتفاخر أكثر؛ بأن في بيتهم(٣ قنديلا و ١١ بركاوية) وقال إن البرحي، جديد في البلد، وبلاد الشوايقة عرفت به. وأنهم يحشون التمر (يحصدونه) في أكتوبر ؛ وقبلها ينتظرونه يشقق بين (الجريدة والأمبقة)، وبعد ما تطلع السبيطة تفتح وتلقح، ويطلع “القلوق، والدفيق” إنتهي كلام إبراهيم عثمان الذي أفخر بصحبته، رجل قوي الشكيمة، صادق الود، قوي الرأي، يذكرني دائما بقول الشاعر “إن كنت ذَا رأي، فكن ذَا عزيمة، فإن فساد الرأي أن تترددا” وأحسب أن إبراهيم (عبود) قد عاد وهو يحدثني عن التمر بذاكرته وخياله من ركن أخر من بلاد الأخدود الأعظم؛ The Grand Canyon في الجنوب الغربي بولاية أريزونا، عبر أثير تكتنفه بحار وصحاري وسماوات شتي إلي بيتهم في دنقلا ( وإبراهيم علي عثمان بابكر، (عبود) وإسم الشهرة لعائلته (جلابه) يعود أصله للقولد وحتي حفير مشو).
سميرة حسن مهدي…!
ومن بين تمور بلادي، نخلة سامقة بالوطنية والجسارة والإقدام، جذورها ضاربة في طين جرف قرب نيلنا (الذي كتب عنه الشاعر الفذ مرسي صالح سراج، عّم السيدة سميرة حسن مهدي، إبن خالة والدها) قصيدة يقظة شعب وتغني بها الموسيقار الفنان الراحل محمد وردي. فإستلهاما لتلك لرمزية النخل؛ أكتب، دون إذن منها، بإعتبارها شخصية عامة، وهكذا يجب أن ننظر إليها؛ هي سيدة فاضلة، بل مناضلة غطي غبار الزمن الرديء علي عطاءها الوطني الثر؛ لا يعرفها الناس، جهلاً، ولا يذكرها التاريخ نسياً، ولكنها دون شك هي إحدي نخلات بلادي الواسعة، والعامرة بالإباء والكبرياء والفخار والشمم، هي نخلة يمن أهلها بتمرها إلا لأعز عزيز، كما قال (إبراهيم)، وهي رمز ونبراس ومنارة تهدي الغريب لبيت للوطن. ولهذا فقد طرقت بابها، دون غيرها، المبعوثة الكندية لتكريمها بزيارة خاصة في بيتها المتواضع في أمدرمان، السيدة
Jacqueline O’Neil
Global Affairs Canada
Ambassador for Women, Peace and security…) والتي زارت السودان مؤخراً لتضع قبلة علي جبين سميرة حسن مهدي إعترافاً بريادتها لباكورة الثوري ضد النظام البائد، ليس كإمراة رائده له بل كأول سوداني/سودانية تقوم به.
سميرة حسن مهدي؛ لها رمزية تماثل النخل في بلادي وكل بلدان العالم، فمن لإيجد صلة بينها وَالنَّخْل عليه التأمل في مسيرة النخل؛ التي تقف بإعتزاز طيلة حياتها، فهي لم تنحني للعاصفة، والقهر والتسلط، والقمع، ولم تساوم في وطنها، كما النخلة تكتفي من الماء بالنذر اليسير، تعيش قوية وتموت واقفة قوية علي جذورها الضاربة في عمق الأرض حتي وهي ميته؛ وعندما تكون غضة باسقة لا يتسلقها إلا خبير، ترميها بحجر فتساقط عليك رطباً جنياً؛ ثمرها يقيك الجوع، ووجودها في بيتك، أو وطنك صدقة، تحييك كل صباح بحفيف من خوصها وسعفها ولكن إياك من السلاء فيها فإن تجاسرت عليها أدمت يديك وكأنها تحاربك بعزيمتها التي لا تلين. فسميرة كانت كذلك، وهي المرأة السودانية الأولي والرائدة التي تعتقل في عهد الإنقاذ، فإذا لم تخني ذاكرتي فقد تم إعتقالها عندما كانت تعمل في السلطة القضائية، ويا للمفارقة؛ ووجهت لها عدة إتهامات كان من بينها محاولة قلب نظام الحكم؛ ففي بداية عهد النظام البائد، تم إتهامها بتوزيع منشورات ضد النظام تدعو فيها لتقويض النظام؛ وحوكمت بمواد من قانون الأمن؛ إحدي تلك المواد كانت تصل عقوبتها للإعدام. وحرمت من تعيين محام للدفاع عنها. وزجت في السجن، ليله كنهاره، حالك الظلمة، وزاده الظلم ظلاماً علي عتمته ، فكانت معاناتها كبيرة للغاية ولا تطاق.
وتلك هي تفاصيل محاكمتها:
*تم اعتقالها يوم ٢٣ أغسطس ١٩٨٩،
المواد التي حوكمت بموجبها:
*كانت من قوانين سبتمبر التى أصدرها جعفر النميرى.
المادة ٩٦ ك وعقوبتها الإعدام
المادة ١٠٥ عقوبتها السجن المؤبد ومصادرة الممتلكات،
المادة ١٠٦ وعقوبتها تصل إلى السجن لمدة عشرة سنوات
المادة ٤٥٧ تكوين شبكة للاجرام المنظم نسبة لتوزيعها منشورات معادية للنظام.
الماد ١٢٧ أ إزعاج السلام العام والطمأنينة.
*تم شطب المادة ٤٥٧ نسبة لاعتبارها شاهد محكمة وقد برأت الوالدة سميرة.
*برأت جميع المتهمين معها من التهم الموجهة إليهم وتمت تبرئتهم.
حوكمت الاستاذة سميرة فى محكمة عسكرية، والمحاكمة وكانت محكمة ايجازية وحرمت من تعيين محامى لها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم