د. نازك حامد الهاشمي
تُعدّ مكافحة الفساد من أهم القضايا التي تحدد مصير المجتمعات واستقرارها، ولا يمكن أن تنجح الجهود الرسمية وحدها في الحد منه ما لم تُبنَ قاعدة وعي مجتمعي راسخة تبدأ منذ سن مبكرة. إن توجيه الاهتمام نحو تنوير الشباب في المرحلة العمرية التي تسبق الجامعة يمثل ضرورة استراتيجية، لأن هذه المرحلة تشكّل الإطار الأساسي لاكتساب القيم والمفاهيم التي ترافق الفرد لاحقًا في حياته.
في هذه المرحلة يكون الشاب في طور بناء الهوية، ويتأثر بشكل مباشر بالأسرة والمدرسة والمجتمع. وعند غياب التوجيه الواعي، قد تتشكل لديه تصورات غير دقيقة حول الفساد باعتباره سلوكًا مقبولًا أو وسيلة لتحقيق المصلحة. أما في حال ترسيخ قيم النزاهة والشفافية والعدالة منذ وقت مبكر، فإن ذلك يسهم في تكوين سلوك رافض للفساد قائم على الاقتناع الداخلي لا على الخوف من العقوبة. وتكتسب هذه المرحلة أهميتها من كونها فترة عالية القابلية للتأثر وتكوين العادات السلوكية المستقرة. كما أن بعض الممارسات البسيطة في هذا العمر، مثل الغش أو استغلال العلاقات، قد تشكل مدخلًا لتطبيع سلوكيات أكبر مستقبلًا، مما يجعل التدخل التربوي المبكر عنصرًا وقائيًا مهمًا في بناء السلوك الأخلاقي. من هذا المنظور، لا يقتصر تنوير الشباب على كونه نشاطًا توعويًا، بل يمثل استثمارًا وقائيًا طويل المدى يهدف إلى بناء منظومة قيمية تقلل من فرص إعادة إنتاج الفساد. كما أن الشباب الواعي يمكن أن يتحول إلى عنصر تأثير إيجابي داخل محيطه الاجتماعي، يسهم في نشر ثقافة النزاهة بصورة غير مباشرة.
وتشير بعض التجارب الدولية إلى أهمية هذا التوجه، مثل تجربة سنغافورة التي اعتمدت على دمج مفاهيم الانضباط والمسؤولية في التعليم المبكر، وتجربة فنلندا التي ركزت على بناء الثقة والمشاركة داخل البيئة المدرسية، بما يعزز السلوك المسؤول لدى الطلاب. وفي السياق الإقليمي، تُعدّ تجربة تونس من النماذج التي سعت إلى إدماج ثقافة النزاهة ومكافحة الفساد ضمن البرامج التربوية والتوعوية الموجهة للشباب، من خلال أنشطة مدرسية ومبادرات تقودها مؤسسات رسمية ومنظمات مجتمع مدني. وقد ركزت هذه التجربة على تحويل مفاهيم الشفافية والمساءلة من إطارها النظري إلى ممارسات وسلوكيات قابلة للتطبيق داخل البيئة التعليمية، بما يعزز الوعي المبكر لدى الفئات الشابة.
وفي هذا السياق، يمكن توسيع فهم آليات تكوين الوعي القيمي لدى الشباب بالاستناد إلى نظرية التعلم الاجتماعي عند باندورا ، والتي تؤكد أن اكتساب السلوك الإنساني لا يتم عبر التلقين المباشر فقط، بل يتشكل بدرجة كبيرة من خلال الملاحظة والتقليد للنماذج السلوكية الموجودة في البيئة المحيطة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع الأوسع. ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى الخطاب التربوي بوصفه مصدرًا مستقلًا لتكوين القيم، بل كجزء من منظومة أوسع من النماذج التي يتعرض لها الفرد بشكل يومي.
وعليه، فإن فاعلية الرسائل التربوية المتعلقة بالنزاهة ومكافحة الفساد تتحدد بمدى اتساقها مع السلوكيات الواقعية التي يلاحظها المتعلم في محيطه الاجتماعي. فعندما يدعو الخطاب التربوي إلى قيم مثل الشفافية، والمساواة، واحترام القانون، بينما يلاحظ المتعلم في الواقع ممارسات متناقضة مثل المحسوبية أو التمييز أو استغلال النفوذ، ينشأ نوع من التوتر المعرفي والسلوكي بين ما يُقال وما يُمارس. هذا التناقض لا يبقى في مستوى الإدراك النظري، بل يؤثر مباشرة في عملية التعلم، إذ تميل آليات التعلم بالملاحظة إلى ترجيح النموذج الأكثر حضورًا وتكرارًا وتأثيرًا، وليس بالضرورة النموذج الأكثر مثالية.
ومع استمرار هذا الانفصال بين الخطاب التربوي والواقع الاجتماعي، يفقد الخطاب التربوي تدريجيًا قدرته الإقناعية، ويتحول من كونه إطارًا موجّهًا للسلوك إلى مجرد معرفة نظرية منفصلة عن الحياة اليومية. وفي المقابل، يكتسب الواقع الاجتماعي غير المتسق مع القيم التربوية قوة نموذجية أعلى، لأنه يُعاش ويُلاحظ بشكل مباشر، مما يجعل المتعلم أكثر قابلية لاعتماده كأساس للسلوك الفعلي.
كما أن هذا التناقض قد يؤدي إلى إضعاف الثقة في المؤسسات التربوية ذاتها، حيث يشعر المتعلم بوجود فجوة بين ما يُفترض تعلمه وما يتم ممارسته فعليًا، الأمر الذي قد ينعكس في شكل تبرير للسلوكيات السلبية أو التطبيع معها باعتبارها “واقعًا اجتماعيًا” لا يمكن تجاوزه. ومن ثم، فإن فعالية التربية القيمية لا تعتمد فقط على جودة المحتوى التعليمي، بل على درجة الاتساق بين الخطاب التربوي والنماذج السلوكية الفعلية داخل المجتمع.
وبذلك يتضح أن معالجة هذا الإشكال لا تكمن في تعزيز الخطاب التربوي وحده، بل في تقليص الفجوة بينه وبين الواقع الاجتماعي، من خلال تعزيز القدوة الإيجابية، وتفعيل دور المؤسسات في تقديم نماذج سلوكية منسجمة مع القيم المعلنة، بحيث يصبح التعلم بالملاحظة داعمًا للخطاب التربوي وليس مناقضًا له. وفي هذا الإطار، يصبح بناء بيئة تعليمية ومجتمعية متسقة مع قيم النزاهة شرطًا أساسيًا لضمان فعالية أي مشروع توعوي في مجال مكافحة الفساد.
إن فعالية هذا النوع من التكوين لا تتحقق من خلال المناهج وحدها، بل عبر تكامل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في بناء بيئة قيمية متسقة. كما أن القدوة السلوكية تظل عنصرًا حاسمًا، إذ يصعب ترسيخ مفاهيم النزاهة في ظل تناقضها مع الواقع الممارس. وفي هذا الإطار، يمكن فهم معالجة الفساد بوصفها عملية مرتبطة بالبنية القيمية التي تتشكل في المراحل المبكرة، حيث تتحول المفاهيم الأخلاقية إلى جزء من تكوين الفرد وليس مجرد التزام خارجي.
من خلال تجربة ميدانية صغيرة قمتُ بها قبل عدة سنوات مع طلاب من المرحلة ما قبل الجامعية، تم قياس مستوى الوعي بمفاهيم النزاهة، وقد أظهرت النتائج وجود تباين مرتبط بنوع البيئة التعليمية ومستوى الاطلاع الفردي، حيث تبين أن الطلاب الذين يتعرضون لمصادر معرفية أكثر تنوعًا يمتلكون فهمًا أعمق لهذه المفاهيم. لم يكن الهدف من هذه التجربة القيام ببحث أكاديمي بالمعنى التقليدي، بل كان مدخلًا لاستكشاف طبيعة الوعي وتوجيه النقاش حوله. بناءً على ذلك، أقيمت جلسات توعوية تفاعلية ركزت على ربط مفاهيم النزاهة بالحياة اليومية مثل احترام القوانين وتحمل المسؤولية وفهم العلاقة بين الحقوق والواجبات. وقد أعقب ذلك تنظيم حلقات نقاش بين الطلاب أنفسهم، حيث أُتيح لهم التعبير عن آرائهم وتبادل وجهات النظر بحرية. وقد كان دوري في هذا السياق أقرب إلى دور الميسّر والملاحظ، مع التركيز على متابعة التفاعل دون التدخل المباشر في توجيه المحتوى. وقد أظهر الطلاب درجة جيدة من الانخراط، عكست قدرتهم على استيعاب المفاهيم وإعادة صياغتها داخل نقاشات نقدية وتبادلية. ومن منظور تحليلي، فإن هذا النمط من التفاعل يعزز التعلم القائم على المشاركة، حيث لا يقتصر اكتساب المعرفة على التلقي، بل يمتد إلى إنتاجها ومناقشتها، مما يساهم في ترسيخ الفهم بشكل أعمق.
وتُظهر هذه التجربة أن المبادرات البسيطة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في بناء الوعي إذا ما استندت إلى فهم واضح لطبيعة الفئة المستهدفة. كما تؤكد أن تطوير هذا النوع من البرامج يحتاج إلى تنوع في الأدوات التعليمية وتعاون مؤسسي يضمن الاستمرارية. كما يبرز في هذا السياق دور المجتمع المدني بوصفه عنصرًا مكملًا للجهود الرسمية، من خلال مبادرات أكثر مرونة وقدرة على الوصول المباشر إلى الشباب، وربط المفاهيم النظرية بتجارب حياتية واقعية، مما يعزز من استدامة الأثر التوعوي. وبناءً على ذلك، فإن تكامل أدوار المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والمؤسسات الرسمية يشكل الإطار الأكثر ملاءمة لترسيخ ثقافة النزاهة باعتبارها قيمة مجتمعية مستقرة، وليست مجرد سلوك فردي محدود.
وفي الختام، يجدر الاستشهاد بكتاب
Education for Public Integrity: Teaching on Anti- Corruption, Values and the Rule of Law
(التعليم من أجل النزاهة العامة: تدريس مكافحة الفساد والقيم وحكم القانون) الذي يؤكد أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تُختزل في الإجراءات القانونية أو الرقابية، بل تتطلب بناء ثقافة مجتمعية قائمة على مبدأ النزاهة، تبدأ من المراحل التعليمية المبكرة. وينطلق الكتاب من تصور أساسي مفاده أن الفساد يرتبط بضعف في البنية القيمية والمعرفية داخل المجتمع، مما يجعل التعليم أداة وقائية محورية في تشكيل السلوك العام.
ويعزز هذا الطرح الفهم القائم على أن المدرسة ليست مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل بيئة لتكوين الاتجاهات والسلوكيات، من خلال دمج مفاهيم النزاهة والشفافية والمساءلة في العملية التعليمية، وباستخدام أساليب تفاعلية تعزز التفكير النقدي وتربط القيم بالممارسة.
وعلى ضوء النتائج التي أظهرتها تلك التجربة الميدانية البسيطة، يتضح أن مستوى الوعي بمفاهيم النزاهة لدى طلاب المرحلة ما قبل الجامعية لا يتحدد فقط بالمحتوى الدراسي، بل يرتبط أيضًا بطبيعة البيئة التعليمية ومستوى التعرض للمصادر المعرفية، إضافة إلى فاعلية الأساليب التفاعلية في النقاش والتعلم. وقد بينت هذه التجربة أن الانتقال من مجرد التلقين إلى الحوار يسهم في رفع درجة الاستيعاب وتحويل المفاهيم من معرفة نظرية إلى إدراك سلوكي.
وعليه، فإن التلاقي بين الإطار النظري الذي يقدمه الكتاب والنتائج الميدانية يشير إلى أن بناء ثقافة النزاهة هو عملية تراكمية تتطلب تكامل التعليم الرسمي مع الممارسات التربوية التفاعلية داخل المدرسة، إلى جانب دور الأسرة والمجتمع في دعم نفس القيم. ومن ثم، فإن الاستثمار في تنمية الوعي المبكر لا يمثل مجرد توجه تربوي، بل يشكل مدخلًا أساسيًا لأي استراتيجية مستدامة لمكافحة الفساد، تقوم على الوقاية قبل المعالجة، وعلى تشكيل الإنسان الواعي قبل بناء الأنظمة الرادعة.
nazikelhashmi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم