د. مهدي تاج الدين
في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه ملامح المجتمعات والدول، لم تعد الثقافة ترفاً فكرياً أو نشاطاً هامشياً، بل أصبحت واحدة من أهم الأدوات التي تسهم في تشكيل وعي الشعوب، وصياغة هويتها، وحفظ ذاكرتها، وبناء صورتها في الداخل والخارج. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة شركة تراضي للصناعات الثقافية، لتفتح نافذة جديدة على مجال ظل طويلاً بحاجة إلى مزيد من الاهتمام المؤسسي والاستثمار المنظم.
ويقف خلف هذه التجربة الأستاذ الكبير عبدالله آدم خاطر، الذي أدار الشركة بحنكة واقتدار، مستنداً إلى رؤية ترى في الثقافة مجالاً للإنتاج والبناء، وليس مجرد نشاط احتفالي عابر. فقد تأسست الشركة وهي تحمل في جوهرها فكرة أساسية مفادها أن الثقافة يمكن أن تكون صناعةً لها منتجاتها، ومؤسساتها، وأدواتها، وسوقها، وأثرها الممتد في المجتمع والدولة.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تبدأ من فراغ؛ فقد عشنا سنوات من العمل والنقاش داخل أروقة الشركة، منذ مراحل التأسيس الأولى، مروراً بمناقشات تكوين مجلسها التشريعي، وصولاً إلى الأفكار والمقترحات والخطط التي ظلت تتبلور من نقاش إلى آخر، في محاولة جادة لتحويل الفكرة إلى مشروع مؤسسي قادر على الاستمرار والتطور.
كانت تلك النقاشات، في كثير من الأحيان، تتجاوز التفاصيل المباشرة للعمل إلى أسئلة أكبر: كيف يمكن للثقافة أن تسهم في بناء المجتمع؟ وكيف يمكن تحويل الموروث الثقافي إلى منتج يحفظ الذاكرة ويخلق قيمة اقتصادية؟ وكيف يمكن للصناعات الثقافية أن تصبح جسراً بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال، وبين السودان ومحيطه الإقليمي والدولي؟
وقد أفلحت الشركة، خلال مسيرتها، في شرح رؤيتها وتحديد أهدافها، ولم تكتفِ بالأفكار النظرية، بل مضت إلى تنفيذ عدد من المؤتمرات واللقاءات والأنشطة التي تناولت قضايا الثقافة والصناعات المرتبطة بها، وأسهمت في فتح حوار حول هذا المجال وأهميته وآفاقه.
إن قيمة تجربة تراضي لا تكمن فقط في ما أنجزته حتى الآن، وإنما أيضاً في الفكرة التي تحملها للمستقبل، فالسودان يمتلك رصيداً ثقافياً هائلاً، يتجسد في تعدد الشعوب والمجموعات والثقافات، وفي الأدب والفنون والموسيقى والحرف والموروث الشعبي والعمارة والذاكرة الشفاهية وغيرها من أشكال التعبير الثقافي. وهذا الرصيد، إذا وجد البيئة المؤسسية المناسبة، يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة ومنتجات ثقافية ذات قيمة معرفية واقتصادية وحضارية.
ومن هنا، فإننا نتوقع أن تلعب الشركة دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا واصلت تطوير أدواتها، وتوسيع شراكاتها، واستقطاب الكفاءات والخبرات، وربط الصناعات الثقافية بالاقتصاد المعرفي، والاستفادة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية في إنتاج المحتوى الثقافي وتسويقه والوصول به إلى أوسع نطاق.
وليس المقصود بالصناعات الثقافية مجرد تحويل الثقافة إلى سلعة، وإنما إيجاد معادلة متوازنة تحفظ القيمة والهوية والرسالة الثقافية، وفي الوقت ذاته تخلق فرصاً للإبداع والعمل والاستثمار. فحين تصبح الثقافة منتجة، فإنها لا تحافظ على الماضي فحسب، بل تساهم في صناعة المستقبل.
ولذلك فإن تجربة تراضي للصناعات الثقافية تستحق أن ينظر إليها بوصفها تجربة تأسيسية في مجال مهم، وأن تجد الدعم والتشجيع من المهتمين بالثقافة والاقتصاد والمجتمع، ومن المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص.
أما الأستاذ عبدالله آدم خاطر، فإن حضوره في هذه التجربة يمثل قيمة إضافية؛ فالرؤية وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى عقل مؤسسي قادر على إدارة الفكرة، وفتح أبواب الحوار، والصبر على التأسيس، وتحويل التصورات إلى برامج ومشروعات. وهذا ما لمسناه خلال السنوات التي قضيناها في أروقة الشركة، ونحن نتابع الفكرة وهي تنتقل من مجرد تصور إلى مؤسسة تحمل رؤية وأهدافاً وتجربة قابلة للتطور.
إن الطريق أمام تراضي للصناعات لا يزال طويلاً، لكن البدايات الجادة هي التي تصنع المؤسسات الكبيرة. وما نرجوه أن تواصل الشركة مسيرتها، وأن تتحول في قادم السنوات إلى منصة سودانية رائدة للصناعات الثقافية، تسهم في حفظ الذاكرة الوطنية، وتدعم المبدعين، وتفتح فرصاً جديدة أمام الشباب، وتقدم الثقافة السودانية للعالم بالصورة التي تستحقها.
فالثقافة ليست ذاكرةً للماضي فقط؛ إنها أحد أهم الموارد التي يمكن أن نبني بها المستقبل.
