مناظير السبت 12 سبتمبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- رصد تقرير أعدته لجنة “ضمان استمرارية العملية التعليمية” التي شكلتها الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم الحالة السيئة للجامعة، ووجود 71% من أساتذة الجامعة و42% من طلاب كلية الطب و50% من طلاب كلية الهندسة خارج البلاد، وأن 74.7% من طلاب الهندسة ليس لهم سكن في الخرطوم، و57% منهم لا يستطيعون تحمل تكاليف السفر.
- تكشف هذه الأرقام وحدها استحالة تنفيذ قرار وزير التعليم العالي بإغلاق مراكز الجامعات السودانية خارج السودان وإجبار الطلاب والأساتذة على العودة إلى السودان، فضلا عن الظروف السيئة والدمار الهائل الذي تعرضت له الجامعات بسبب الحرب.
- يشير التقرير الى تدمير مساكن أساتذة جامعة الخرطوم بحي المطار بالكامل، وتعرض الجزء الشمالي من المبنى القديم لكلية الصيدلة لأضرار كبيرة، وفقدان كلية العلوم 12 مختبراً، منها سبعة دمرت بالكامل، إضافةً إلى تدمير قاعتي الامتحانات وقاعات الدراسة، وفقدان السجل الإلكتروني للجامعة، وهو ضرر فادح قد يؤثر بشكل كبير على مصداقيتها الاكاديمية التي كانت قد تضررت بالفعل بعد التفويض الذي منحته وزارة التعليم العالي لاحدى الشركات الخاصة بالوصول للسجل الاكاديمي للجامعات الحكومية والخاصة والرد على الجهات التي تريد التحقق من الشهادات الصادرة من جامعة الخرطوم وبقية الجامعات السودانية، وكنتُ قد تناولت هذا الموضوع باسهاب في عدة مقالات سابقة تناولت فيها استقالة بروفيسور “علي رباح” من منصبه كأمين للشؤون العلمية بجامعة الخرطوم بعد إكتشافه لهذا التفويض المريب والخطير!
- هذه هى أوضاع جامعة الخرطوم وحدها، وهي أكبر وأهم الجامعات السودانية، فكيف يمكن لوزير التعليم العالي أن يطلب من الطلاب العودة إليها وإلى غيرها من الجامعات، بينما لم تكتمل حتى عملية حصر الأضرار وإعادة تأهيل المنشآت والمعامل والقاعات والخدمات الأساسية؟!
- والأمر لا يتعلق بالجامعات فقط، فالخرطوم والجزيرة وعدد كبير من الولايات تعرضت لدمار واسع في المنازل والمنشآت والبنية التحتية، وهنالك ولايات ومناطق لا تزال تحت قبضة قوات الدعم السريع، وما زالت خدمات الكهرباء والمياه والخدمات الصحية تعاني من مشكلات ضخمة، وهنالك شبه انعدام للادوية والعلاج في معظم انحاء البلاد، بينما يواجه المواطنون ارتفاعاً كبيراً في أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والسكن، وانهياراً متواصلاً في قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، وتعيش ملايين الأسر موزعة بين النزوح داخل البلاد واللجوء خارجها، ولا تزال الحرب مشتعلة في اجزاء كبيرة من البلاد، بينما تتعرض الخرطوم نفسها لهجمات الطائرات المسيرة من حين لآخر، وينعدم الأمن في مناطق واسعة منها !
- في ظل هذه الظروف، يريد البرهان ووزير التعليم العالي المغلوب على امره من الطلاب وأساتذتهم أن يعودوا إلى السودان للدراسة حضورياً! أي دراسة هذه، وأي جامعات يتحدثون عنها؟ هل يمكن أن تبدأ الدراسة الطبيعية في جامعة فقدت معاملها وقاعاتها وسجلاتها الإلكترونية، ولا يستطيع أكثر من نصف طلابها تحمل تكلفة السفر إلى الخرطوم، وهل يمكن أن يعود 71% من الأساتذة الموجودين خارج السودان بقرار إداري؟!
- من الواضح ان الانقلابي المجرم البرهان الحالم بحكم السودان، او اسياده الكيزان الذين امروا وزير التعليم العالي باصدار ذلك القرار المعيب يسعون لإظهار أن الحياة عادت إلى طبيعتها في البلاد وأن الحرب انتهت، ولذلك يجري الضغط على الطلاب وأسرهم للعودة إلى مناطقهم، حتى لو كانت هذه المناطق لا يتوفر فيها الحد الأدنى من مقومات الحياة.
- ولكن مَن تريد تلك الجهة أن تخدع .. الطلاب الذين يعرفون أوضاعهم جيداً، أم الاساتذة الذين يقيم معظمهم خارج السودان، أم الأسر التي فقدت منازلها وأعمالها ومدخراتها وتعيش في ظروف بالغة الصعوبة، أم المجتمع الدولي الذي يعرف أوضاع السودان من خلال اجهزة الرصد وتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام، ويعرف تماماً حجم الدمار والنزوح والاحتياجات الإنسانية؟!
- إذا كان البرهان يريد فعلاً عودة الطلاب إلى الجامعات، فليبدأ أولاً بايقاف الحرب وإعادة السلام والاستقرار، وإعادة بناء الجامعات وتأهيل المعامل والقاعات والسكن، وتوفير الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، وتهيئة الظروف التي تسمح للطلاب والأساتذة بالعودة الآمنة والطوعية.
- أما إجبارهم على العودة بقرارإداري بائس فلن ينهي الحرب، ولن يعيد الجامعات إلى وضعها الطبيعي، ولن يقنع العالم بأن السودان عاد إلى حياته الطبيعية.
