شيييييف .. بقلم: حسن محمد صالح
11 مايو, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
نزلنا في وادي المحنة قبل غروب الشمس بقليل أدرنا علينا النوق فدرت منهن ثلاث حلبها العبيد ((حتي شق الحوار)) وملأ كل الأقداح والسعون وكان يحتقب بندقيته الآلية بعد أن وضعها في وضع التعمير(( وكان تصرفا غريبا حقا )) فكيف يمكن للعبيد أن يؤدي مهمتين في وقت واحد(( الحلب والصر والأمن والدفاع ))عن المجموعة كان يحلب ويضحك ضحكاته المجلجلة ثم ينظر إلينا نظرة اشفاق وأحيانا تكون نظراته مستفزة لمشاعر الرعب في دواخلنا الممتلئه بالرعب حقا علي غير مظاهرنا التي تبدو متماسكة وراباطة جأشنا من أول وهلة لمن ينظر إلينا نظرته العابرة فالناظر إلي ملابسنا المزركشة وثيابنا الفضفاضة ورؤسنا المغاطاة بالكدمول ومن فوقها ملابسنا الشتوية المهيبة يعتقد أننا بحق فرسان في ذلك الميدان الفسيح . .
تعجبنا كثيرا من العبيد وطريقته في التعامل معنا في تلك اللحظات المفصلية والساعات الحرجة ((كما يقول الساسة في أوديتنا بما فيها وادي المحنة )) ولكن أحدا منا لم يلفظ بشئ فساد الصمت المكان . من علي البعد رأينا أسرنا علي مطايا النساء في خبيب متعجل وأمام القافلة حصانان يقودهما فارس قد مل الركوب وكان يعرج ولكنه منهمك يقذ في السير ويحدو ممسكا بلحيته فطارت قلوبنا من الخوف عندما رأيناه يكيل التراب علي وجهه ويرفع رأسه إلي السماء ويهرول برجل ويدوس علي هوام الأرض برجل.
وكعادة العبيد ما أن يفرغ من العتام حتي يمسك بمزماره ويسمعنا مقطعه المفضل : بنات الريل جفلن … من المقيل جفلن .. عصرا كبير جفلن .. رقابن تيل جفلن .. ورأينا العبيد هذه المرة وعلي غير العادة يستخدم الزمبارة عصا يضرب بها يمنة ويسري حتي خشينا أن تنكسر في إحدي الضربات القوية من علي قفا الخروف العجوز الذي إنسطح في الرمال وتوقف عن الإجترار ثم نام نوما عميقا وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد .
الكل صار في شغل شاغل حتي الشاي الذي نحتسيه قبل تناولنا طعامنا قد قفلنا عنه وتناثرت أقداحه الفارغة من أمامانا وكأنها تنادي علينا بأن نصب عليها المادة السائلة ثم نرشف منها شيييييييييف ((وهذا النوع من الرشف)) من الممنوعات في تلك الأرض التي كنا نود أن نعبرها بسلام لولا تأخر العوائل وتعثر الخراف .
لم نفقد شهيتنا للماء والشاي والبن براحته المختلطة مع روائح النال والمحريب والسعات وأعواد السنقد المحترقة فقط ولكننا تجاهلنا الخط علي الرمل الذي من خلاله نضع خارطة طريقنا ونحدد مسيرنا في تلك المتاهات من الأراضي القبلية والمفازات البعيدة من العتامير التي يسلكها قطاع السبيل لمغانم كثيرة يرجونها فنحن لسنا في المكان الذي يرتع فيه الحمل بجوار الذئب في مرتع واحد دون أن يخاف الحمل المسكين من غدر الذئب اللئيم .
وهذا ممكن ما لم يكن أحد الأطراف حكومة ومعارضة أو حزب كبير واحزاب صغيرة ونحن نعلم أن الساعة التي حددها الرسول صلي الله عليه وسلم بأن الراكب يمكن أن يسير من بغداد إلي حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب علي غنمه لم تحن بعد ولن تأتي حتي يتم امرنا الذي من اجله خرجنا من بيوتنا وحملنا حقائبنا ومتاعنا علي أشرعة القدر .
لم يكن الرمل يستغرق منا وقتا طويلا يضعه الخطاط علي الأرض ثلاث مرات وينظر إليه وفي المرة الثالثة تبدأ عنده العجرفة والعنجهية وكنا نجري نحوه نتطلع إلي عينيه وشفتيه ليقول لنا قوله الفصل وأحيانا يصمت ولا ينبث ببنت شفاه وأحيانا يضحك وأغرب ما في تصرفاته نحونا ذلك الحياد الذي يبديه ويتظاهر به وكأنه ريئس تحرير لإحدي صحفنا ((المستغلة)) أو مديرا لواحدة من قنواتنا الفضائية الخلاسية الملكية والتشغيل .في ذلك اليوم فقدنا البوصلة تماما أردنا أن نفعل شيئا ((ما)) لنختار إما أن نسير إلي الأمام أو نعود إلي الوراء ولكننا لم نستطع كأن الذي امامنا هو العدو مدججا بسلاحه الفتاك و الذي خلفنا هو البحر بكل مخاطره واهواله وامواجه العاتية .
نظرنا إلي القطيع فوجدناه اكثر شجاعة منا يرعي ويلعب ويرتع ويقبل علي طعامه بلهفة وينتقي الأخضر من عشبه والرايق من ماء وندي وطل و يتناجي فيما بينه بلغة لا همس فيها وينادي علي صغاره ويداعب ((فحله)) الذي كان مكان إهتمام الإناث ومفخرة للذكور..
أما نحن توقفنا وتبلد منا الإحساس وسألنا العبيد وجدناه قد نسي لحنه الفريد وصار ينفخ في مزماره كانما ينفخ في قربة مقدودة أو اسطوانة مشروخه ونادينا علي ((الرمال)) فوجدناه قد فارق الحياة منذ لحظات في الوقت الذي كان يمسح فيه علي الأرض ليرسم لنا مستقبلنا الذي تبدد في وادي الرمل ومشينا علي ذات الرمال خطوات ثم نظرنا إلي أثرنا فكان قد إنمحي تماما فادركنا حقيقة واحدة اننا لسنا في وادي المحنة ولكننا في المربع الأول .
elkbashofe@gmail.com