باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبدالله الفكي البشير عرض كل المقالات

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه (18-18)- الحلقة الخاتمة

اخر تحديث: 1 سبتمبر, 2026 9:42 مساءً
شارك

كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير
Abdallaelbashir@gmail.com

“لابد أن تجمع بين الباحث/ المؤرخ وموضوعه صداقة، وإلا فكيف له أن يفهم؟ فحسب عبارة القديس أوغسطين الرائعة: “لا يمكننا معرفة أي أحد إلا عبر الصداقة”. إن تصوراً من هذا النوع بالتأكيد لا يلغي روح النقد… فالروح النقدية والتعاطف ليسا متناقضين بالضرورة، ولكن لا نستطيع القول بأنه يمكننا دائماً التوفيق أو الجمع بين هاتين الفضيلتين، أو تساويهما في ذهن كل باحث/ دارس. بيد أن توصيف التاريخ [الفكر] هو ثمرة لجهد جماعي، فإفراط البعض يُقوِّم تقصير البعض الآخر”. (1954).
هنري مارو Henri I. Marrou (1904- 1977)

هذه هي الحلقة الختامية من سلسلة المقالات التي خصصناها لمناقشة ما أورده الدكتور أمين حامد زين العابدين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة: التعثر وتصحيح المسار (2025) عن فكر محمود محمد طه، صاحب الفهم الجديد للإسلام والفكر الجمهوري. وقد خلصنا، من خلال دراستنا لما أورده الدكتور أمين، إلى أنه لم يكن استثناءً من نمط الكتابات السودانية التي تناولت المفكر محمود محمد طه. فمعظم هذه الكتابات، على قلتها، تتراوح بين الضعف والإهمال، والركاكة والسذاجة، بينما تنطوي كثير منها على مزاعم لا تستند إلى بحث موثق، وتكرر خُزَعْبِلات وأباطيل لا تصمد أمام الفحص العلمي. وفي تقديري، وكما أشرت آنفاً، إن هذه الظاهرة تكشف عن معضلة تتجاوز مجرد الاختلاف حول أفكار محمود محمد طه، لتثير أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة إنتاج المعرفة في السودان، وآليات الاعتراف بالإسهامات الفكرية، وحدود الموضوعية في التعامل مع الأطروحات الفكرية الخارجة عن السائد والمألوف، ومدى خضوع المجال الثقافي والأكاديمي والفكري لسلطات معرفية وسياسية وأيديولوجية مختلفة، فضلًا عن ضعف أداء قطاعات من المثقفين السودانيين، ولا سيما في حواراتهم مع الفكر الجمهوري، التي اتسم كثير منها بالركاكة والسطحية والاعتماد على الأحكام المسبقة، بدلًا من القراءة المتأنية والنقد القائم على المعرفة بالمصادر. وفي تقديري، لا تنفصل تلك الظاهرة ونتائجها عما آل إليه الحال اليوم في السودان، حيث ظلت الصراعات والحروب حاضرة في مسيرته منذ الاستقلال، وإن كانت قد اتسعت نطاقًا وتعقدت أشكالًا وبلغت اليوم مستوى غير مسبوق. وليس من قبيل المصادفة أن تتراكم، إلى جانب الأزمات السياسية والاجتماعية، أزمة في أداء النخب الثقافية والفكرية، عجزت في كثير من الأحيان عن الارتقاء بالحوار حول القضايا الكبرى إلى مستوى المسؤولية الفكرية التي تقتضيها طبيعة تلك القضايا. ومن هذه الزاوية، فإن ضعف الحوار مع الفكر الجمهوري لا يمثل مجرد قصور في تناول تيار فكري بعينه، وإنما يكشف عن خلل أوسع في ثقافة الحوار والنقد وإدارة الاختلاف، وهي ثقافة كان يمكن أن تسهم، لو نمت وتطورت، في بناء قدرة أكبر على معالجة التعدد والصراع بالحجة والمعرفة بدلًا من التجاهل والإقصاء والغلبة. ومن ثم، فإن أمن المعرفة والفكر ليس ترفًا ثقافيًا، وإنما هو أحد شروط بناء مجتمع قادر على إدارة اختلافاته سلمياً، وحماية الدولة والمجتمع من إعادة إنتاج الأزمات التي ظلت تتراكم حتى انفجرت اليوم في صور أكثر عنفًا واتساعًا.
وعلى الرغم من المكانة المتنامية والاهتمام المتزايد اللذين يحظى بهما الفهم الجديد للإسلام في الدراسات العالمية المعنية بالإسلام والحداثة، ظل حضوره في الكتابات السودانية محدودًا بصورة لافتة. ومن خلال رصد ومتابعة امتدت لنحو ثلاثة عقود، يبدو أن هذا الحضور المحدود لا يعود إلى ضعف الاهتمام بالفهم الجديد للإسلام وحده، بل يرتبط أيضًا بأنماط من التجاهل والإغفال والاستبعاد المتعمد من الفضاء الأكاديمي ودوائر حوارات المثقفين. وفي هذا خطر على أمن المعرفة وأمن الفكر، الأمر الذي يتطلب مواجهته بالعلم والفكر والأخلاق. ولما كنت قد تناولت هذه الظاهرة من قبل في عدد من الدراسات، بحكم أن الفهم الجديد للإسلام والسيرة الفكرية لصاحبه يمثلان عندي مشروعًا بحثيًا مفتوحًا ومستمرًا، وظللت أعمل عليه على مدى نحو ثلاثة عقود، فقد عزمت على نشر هذه المقالات في كتاب، جعلت عنوانه المبدئي: ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه. ويأتي ذلك في إطار المزيد من الرصد والتوثيق، من أجل دراسة هذه الظاهرة والكشف عن أبعادها. وهي ظاهرة تعود إلى عوامل عديدة، كما أنها لا تنفصل عن المناخ التخويفي والإرهابي الذي أشاعه تحالف ديني عريض، إلى جانب نسجه للسردية التكفيرية؛ تلك السردية التي كرّست كسل العقول وتناسل الجهل. وكان قوام ذلك التحالف الفقهاء والقضاة الشرعيين، وهيئة علماء السودان، وأساتذة جامعة أم درمان الإسلامية، والإخوان المسلمين، ورجالات الطائفية، وقادة سياسيين، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وكبار موظفي الدولة، وجل أعضاء مجلس السيادة، ومشايخ الأزهر، فضلًا عن رابطة العالم الإسلامي، التي أتبعت حكم المحكمة بفتوى تقضي بردة محمود محمد طه عن الإسلام، بعد أن كان الأزهر قد أصدر فتوى بتكفيره في يونيو 1972.
وسبق أن وثقتُ هذه الوقائع، وما أحاط بها من مواقف، في كتابي: المؤسسات الدينية: تغذية التكفير والهوس الديني، (2022)، وكتاب آخر بعنوان: الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، (2020). ويجيء كتابنا هذا بعد التوسع في بعض الجوانب التي تناولتها هذه المقالات، وإضافة نماذج أخرى من كتابات المثقفين السودانيين عن فكر محمود محمد طه، ليصب في دراسة هذه الظاهرة وآثارها الممتدة، وفي بيان أثر ذلك التحالف الديني العريض في تشكيل المواقف من فكر محمود محمد طه.

لماذا استدعى النقد كل هذا التفصيل؟

مما تجدر الإشارة إليه أن هذه المقالات، في تناولها لما أورده الدكتور أمين عن فكر محمود محمد طه، ربما شعر بعض القراء بأنها جاءت مطولة جدًا. وهذا صحيح، ولكن سبب ذلك يعود، في الواقع، إلى منهج الدكتور أمين نفسه في تناول الموضوع. فالدكتور أمين لم يقدم، في الصفحات التي خصصها لفكر محمود محمد طه، دراسة لذلك الفكر، وإنما درج على إطلاق أحكام تقريرية دون تقديم ما يكفي من التعليل أو التحليل أو التوثيق. ومن ثم، كان تصحيح ما ذهب إليه الدكتور أمين، في كل المواضع، يتطلب التوسع في عرض المصادر الأصلية لفكر محمود محمد طه، وإقامة الدليل على مفارقة بعض أحكامه لما تقوله تلك المصادر. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور أمين إن محمود محمد طه “لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية” (ص 189). ولما كان هذا القول، في رأينا، مفارقًا للواقع ومتناقضًا مع الوقائع، إذ إن محمود محمد طه شخّص، بالعلم والفكر، قضايا السودان والمجتمعات العربية والإسلامية والأفريقية، بل وقضايا الإنسانية، وقدم رؤى وحلولًا لتلك القضايا، فقد كان لا بد من التدليل والبرهنة على ذلك. وهذا ما تطلب منا التفصيل في التشخيص الذي قدمه محمود محمد طه للقضايا والحلول التي اقترحها، ومن ذلك قضايا التحرر، والمعرفة الاستعمارية، والتعليم، والوحدة، والتعايش، والتسامح، والتعدد الثقافي، والآخر، والمرأة، والفقر، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والاشتراكية، والدستور، والشريعة الإسلامية، وعلاقة التشريعات بتطور المجتمعات، والموقف من التراث، ونظام الحكم الصالح، والتنمية، والبيئة، والحرية، وبناء المجتمع الصالح، والسلام، وغيرها.
وقد تناولنا بعض هذه القضايا بشيء من التفصيل، في حين اختصرنا بعضها الآخر، على أمل تناول ما لم نتعرض له، مع التوسع في البحث والتحليل في الكتاب. ومع ذلك، فإن بعض الأحكام الواردة في تناول الدكتور أمين لطرح محمود محمد طه تستدعي، في تقديري، مزيدًا من التحقق والمراجعة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بأوصاف ذات دلالة نقدية ومنهجية. ومن ذلك قوله: “وطغت النزعة التوفيقية والتلفيقية على مشروعه الفكري الذي استوعب مفاهيم وقيم الحداثة الثقافية الغربية”. فهذه العبارة الخطيرة، تحتاج إلى مزيد من البيان والتدليل والتعليل؛ إذ لا يوضح الدكتور أمين بصورة كافية المقصود بالنزعة “التوفيقية والتلفيقية”، ولا يحدد طبيعة المفاهيم والقيم التي يصفها بأنها من مفاهيم وقيم الحداثة الثقافية الغربية، ولا يدرس محتواها، كما لا يبين، بصورة تفصيلية، الأسس النصية والمنهجية التي استند إليها في الوصول إلى هذه النتيجة. ومن ثم، فإن مثل هذه الأحكام تحتاج إلى أن تُقرأ في ضوء المصادر الأصلية لمحمود محمد طه، وأن تُستحضر نصوصه ومواقفه الموثقة، ثم تُقارن بها النتائج التي انتهى إليها الدكتور أمين. وهذا أمر مهم بوجه خاص في دراسة طرح فكري كبير وعميق ومركب تتداخل فيه أبعاد مختلفة، إذ إن إطلاق الأحكام الكلية يؤدي إلى اختزال الطرح أو تفسير بعض مكوناته خارج سياقاتها الفكرية.
ومن واقع دراستي لمصادر محمود محمد طه ومواقفه الموثقة، أرى أن معظم الفقرات التي تناول فيها الدكتور أمين فكر محمود محمد طه بحاجة إلى مراجعة نقدية دقيقة، وتصحيح علمي، سواء من حيث دقة الوصف، أو سلامة الاستنتاج، أو سلامة المنهج، أو مدى اتساق الأحكام مع النصوص الأصلية. ولا يعني ذلك بالضرورة أننا نرفض النتائج التي تختلف معنا في الرأي، وإنما نرى أن النتائج التي خلص إليها الدكتور أمين تقتضي إخضاعها لمزيد من الفحص والتمحيص والمقارنة النصية، حتى يتبين ما إذا كانت تلك الأحكام تستند إلى شواهد كافية من طرح محمود محمد طه نفسه، أم أنها تمثل تأويلًا يحتاج إلى مزيد من البرهنة والتأسيس.
وعليه، فإن من الضروري، عند تقييم طرح محمود محمد طه، التمييز بين الوصف والتفسير والحكم النقدي، وعدم الاكتفاء بالأوصاف العامة من قبيل “التوفيقية” أو “التلفيقية” أو “استيعاب الحداثة الغربية”، ما لم تُحدَّد هذه المفاهيم بدقة، وتُبيَّن شواهدها في نصوصه، ويُوضَّح المسار الاستدلالي الذي يربط بين تلك الشواهد والنتائج المستخلصة منها. فالأحكام النقدية، على النحور الذي أتى به الدكتور أمين، مهما بدت وجيهة في ظاهرها، لا تكتسب قيمتها العلمية بمجرد إطلاقها، وإنما بقدر ما تستند إليه من أدلة، وما تقيمه من صلات واضحة بين النصوص والنتائج التي تُستخلص منها. وبهذا وحده يمكن أن يكون النقاش حول طرح محمود محمد طه الفكري قائمًا على أساس علمي، ومستوفيًا لشروط النقد الموضوعي، وقابلًا للفحص والمناقشة.

الغرابة بوصفها مدخلًا للفهم

“إن ما جئت به هو من الجدة بحيث أصبحت به بين أهلي كالغريب وبحسبك أن تعلم أن ما أدعو إليه هو نقطة التقاء الأديان جميعها، حيث تنتهي العقيدة ويبدأ العلم، وتلك نقطة يدخل منها الإنسان عهد إنسانيته، ولأول مرة في تاريخه الطويل”.
محمود محمد طه، 1970

مع النقد الذي وجهناه لما ورد في كتاب الدكتور أمين، وكنت قد أثرت طرفًا يسيراً جداً منه في ندوة كانت عن كتاب الدكتور أمين، نظمها الملتقى العربي للفكر والحوار، برلين، (عبر تطبيق زووم في 14 يوليو 2026)، رد الدكتور أمين بكل تواضع، شاكرًا، ومعبرًا عن ذلك بقوله: “بعض ما أورده الأخ عبد الله جديد عليَّ”. وإلى جانب ذلك، فإننا نلتمس له العذر من جهة أخرى، ذلك أن الفكرة الجمهورية اتسمت بالفعل بدرجة عالية من الغرابة، وهو ما يجعل أمر دراستها، دون الرجوع إلى مصادرها الأصلية وإعطاء الاعتبار لهذه الغرابة، أمرًا بالغ الصعوبة. يقول محمود محمد طه إن غرابة الإسلام ارتبطت بالتوحيد، ويستشهد بقول المعصوم: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، كما بدأ). وقد صحبت الغرابة تحقيق (لا إله إلا الله) وتجسيدها عبر العصور، وتجيء الغرابة في التوحيد دائمًا وأبدًا؛ لأن النفس، كما يقول، لا تألف التوحيد، وإنما تألف التعدد. ويشرح ذلك بقوله إن وسائل النفس إلى العالم الخارجي هي الحواس، والنفس حين تدرك فإنما تدرك بالحواس، والحواس متعددة وتعطي التعدد ولا تعطي الوحدة. ومن ثم فإن التوحيد هو الغريب عندنا، ولذلك كانت دعوة الأنبياء إلى ربنا، من لدن آدم إلى محمد، هي: (لا إله إلا الله، وحدوا الله). وقد اختلفوا فيما اختلفوا فيه من شرائعهم، لكن التوحيد هو العنصر الثابت في الرسالات كلها. ثم يبين محمود محمد طه أن الغرابة التي جاء بها إنما تتمثل، في حقيقتها، في الارتفاع بالتوحيد إلى مستوى جديد يناسب القامة الكوكبية للإنسان المعاصر. ويطرح، في هذا السياق، سؤالًا بالغ الدلالة: إذا كانت وسائل المواصلات قد وحّدت الكوكب، فهل يمكن أن يتوحد في الفكر؟ (1975).
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم نقاط الدخول إلى فهم الطرح الفكري لمحمود محمد طه. فغرابة الفكرة الجمهورية ليست، في نظر صاحبها، خروجًا عن جوهر الإسلام، وإنما هي محاولة لإعادة تقديم ذلك الجوهر، وفي مقدمته التوحيد، في مستوى يتناسب مع تحولات العالم، ومطالب العصر واحتياجات الإنسان المعاصر. ومن ثم، فإن التعامل مع هذا الفكر لا ينبغي أن يبدأ من السردية الموروثة عنه، ولا من الأحكام المسبقة التي تكونت حوله، وإنما من مصادره الأصلية، ومن داخل بنيته الفكرية نفسها. فالفكرة، مهما بدت غريبة أو مخالفة للمألوف، لا تُفهم بالأحكام عليها، وإنما بدراستها.

نحو حساسية تجاه أمن المعرفة والفكر
دفاعًا عن حق الفكر في أن يُقرأ قراءةً علمية

ولعل هذه السلسلة، في نهاية الأمر، تمثل دفاعًا عن حق الفكر في أن يُقرأ قراءةً علمية، وعن حق القارئ في أن يتعرف إلى الأفكار من مصادرها، لا من الأحكام التي تُطلق عليها. إن نقد فكر محمود محمد طه حق مشروع، بل هو ضرورة فكرية، كما أن الاختلاف، من حيث المبدأ، حق لا يحتاج إلى تبرير. غير أن ممارسة هذا الحق لا تستقيم إلا بالعلم والفكر، والبحث، والتوثيق، والإنصاف، والاطلاع على المصادر الأصلية. أما إطلاق الأحكام دون دراسة، على نحو ما فعل الدكتور أمين، وتكرار المزاعم دون تحقق، وإقصاء الفكرة قبل فهمها، فذلك لا ينتج معرفة، وإنما يعيد إنتاج المواقف الموروثة. ومن هنا فإن السؤال الذي تطرحه هذه المقالات، ومن واقع ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه، يتعلق بكيفية إنتاج المعرفة في السودان، وبالحدود التي تفرضها السلطات الدينية والسياسية والأيديولوجية على حرية التفكير، وبقدرتنا على التعامل مع الأفكار التي تتجاوز السائد والمألوف دون خوف أو إقصاء. ولذلك فإن مشروع “ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه” لا ينتهي بانتهاء هذه الحلقة، وإنما يبدأ منها طور آخر من الرصد والتوثيق والدراسة؛ دراسةً لا تستهدف الأشخاص، وإنما تستهدف الظاهرة، ولا تنطلق من الرغبة في الانتصار، وإنما من ضرورة استعادة شروط الحوار الفكري والعلمي المسؤول.
فالفكر لا يُواجه بالتكفير، ولا يُحسم بالتجاهل، ولا تُنقض أطروحاته بإطلاق الأحكام عليها، وإنما يُواجه بالصدق والعلم، وبفكر أقوى، وبحث أعمق، وحجة أوثق، وأخلاق أرفع. وفي ذلك وحده يمكن أن نؤسس لفضاء معرفي سوداني وإسلامي وإنساني أكثر حرية، وأكثر قدرة على استيعاب الاختلاف، وأكثر أمنًا على الفكر والمعرفة.

استشراف المستقبل: الواجب الأخلاقي تجاه الفهم الجديد للإسلام

“الثورات لا تُرى بالعين The Invisibility of Revolutions ” (1962)
توماس س كون (1922- 1996)

وإذا كان لنا أن نستشرف المستقبل، فإننا نرى أن المستقبل يحمل لفكر محمود محمد طه آفاقًا أوسع مما توحي به محدودية حضوره في الكتابات السودانية. فالتدافع المتزايد في العالم لدراسة فكره، وإعادة اكتشاف أطروحاته في قضايا الإسلام والحداثة والحرية وحقوق الإنسان والسلام، يكشف أن الفكرة التي جرى إغفالها وتجاهلها وتهميشها أو محاصرتها في بيئتها الأولى، أصبحت تجد فضاءات كوكبية جديدة للحوار والبحث والدراسة والتدريس والاحتفاء بها خارج بيئتها، وللأسف، خارج السودان. وربما كان هذا هو أحد المعاني العميقة لعبارة المفكر الأمريكي توماس س. كون الواردة في كتابه: بُنية الثورات العلمية The Structure of Scientific Revolutions: “الثورات لا تُرى بالعين”؛ فالثورة الفكرية لا تُقاس بما تحدثه من ضجيج في لحظتها، ولا بعدد من يصفقون لها أو يعارضونها، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي، وبقدرتها على إعادة تشكيل الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه وعلى عصره. وقد تحتاج بعض الأفكار إلى زمن طويل حتى يظهر مداها الحقيقي، خصوصًا حين تسبق عصرها أو تصطدم بالبنى المعرفية والاجتماعية السائدة. وعن هذا، كان أحدهم قد سأل محمود محمد طه، قائلًا: “والله يا أستاذ، فكرتكم جيدة، لكن بتأخذ زمن طويل.. كل الأحزاب حكمت ونزلت، إلا أنتم، متى ستجيئون؟”. فأجاب محمود محمد طه، قائلًا: “إذا كان العمل بفكر يأخذ زمنًا طويلًا، فإن العمل بدون فكر يأخذ زمنًا أطول.. وأما أن غيرنا حكموا ونزلوا، فلأننا نحن طالعين بوزننا، وأولئك خفاف الوزن، يطلعون بسرعة وينزلون بسرعة. وأما عن تساؤلك: متى بِنَجي [نجئ]، فاسأل نفسك أنت: متى بِتَجي [تجئ] إلينا؟”.
لعل المستقبل هو الميدان الذي ستتضح فيه القيمة الحقيقية لهذا الطرح الفكري: الفهم الجديد للإسلام، بعيدًا عن الأحكام التي أحاطت به في بيئته الأولى. وما نشهده اليوم من اتساع دائرة الاهتمام العالمي بفكر محمود محمد طه ليس إلا بداية لمسار يتجاوز حدود السودان، ليضع هذا الفكر في فضاء أوسع من الحوار الإنساني حول الإسلام والحداثة ومستقبل الإنسان. ولعل المفارقة أن يعود هذا الفكر إلى السودان من خارجه، بعد أن ظل حضوره فيه، طوال عقود، محدودًا ومحاصرًا بالتجاهل والإغفال والإقصاء.
أما واجبنا ومسؤوليتنا اليوم، فهي أن نهيئ لهذا المستقبل بيئة معرفية حرة، وأن نمنح الفكر حقه في أن يُقرأ ويُحاور ويُختبر بالعلم، لا أن يُحاصر بالإقصاء والإبعاد، أو يُحجب بالأحكام المسبقة. وهذا، في جوهره، واجب أخلاقي تجاه المعرفة والفكر: أن ننصف الفكرة قبل أن نحكم عليها، وأن نقرأها من مصادرها قبل أن ننقل عنها، وأن نكفل للمختلف حقه في أن يُسمع ويُناقش، وأن نترك للأجيال القادمة حرية اكتشاف ما قد نعجز نحن عن رؤيته في حاضرنا.

الجولة الثانية: نحو حوار جديد

“لا ينفعُ العقلُ بغير ورعٍ.”
عبدالله بن المقفَّع (724م–759م)

قبل الختام، أستميح القارئات والقراء الكرام عذرًا في أن أجدد، وبالنص ذاته، هذه الدعوة وهذا النداء من أجل انطلاق حوار جديد. فقد أطلقت هذه الدعوة في كتابي: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، الصادر عام 2013، وكتبت حينها:

لقد اتسم الحوار الفكري والنقد في السودان خلال القرن الماضي، ولا سيما في علاقته بالأستاذ محمود محمد طه، بسمات غلبت عليها العاطفة والخطابة والوعظ. فقد اختطف الفقهاء والوعاظ منابر الحوار وسوح السجال، وسيطروا عليها في السودان، وكذلك في العالم الإسلامي. وقد تجلى ذلك بوضوح، كما يبينه هذا الكتاب، في الحوار الذي دار مع الأستاذ محمود محمد طه. فكان إرث الحوار في السودان، وفي ديار الإسلام كذلك، إرثًا فظًّا، غابت عنه الحكمة وحرية الفكر، وانتفت فيه حُسن إدارة الحوار، فكان من نتائجه بترُ المعارف وتشويهُ العقول وإظلامُها. ومن واقع تاريخ وخبرة السوح الفكرية الإسلامية، والسوح السياسية والثقافية في السودان، وكما يحدث كلما التقى الجديد بالقديم، فإن الحوار والسجال يظلان في حاجة إلى التطوير والضبط والتقنين، على أساس من العلم والأخلاق.
واليوم، أجدني مضطرًا إلى تجديد هذه الدعوة، ولكن في سياق جديد؛ إذ أرى أن هذا الكتاب يدشن، في تقديري، الجولة الثانية من الحوار حول طرح المفكر محمود محمد طه. ومن ثم، فإنني أذكّر نفسي أولًا، وأدعو الآخرين ثانيًا، ولا سيما النقاد والمختلفين معي في الرأي والرؤية، في السودان وخارجه، إلى أن تكون هذه الجولة مختلفة عن سابقاتها، وأن ترتقي بالحوار إلى مستوى ما يقتضيه البحث العلمي والنقد المسؤول. ومن أجل إثراء الحوار الفكري، أرجو من المختلفين معي أن يكونوا علميين في نقدهم، دقيقين في تعبيرهم عن اختلافهم، واضحين في دحض الحجج وتفنيدها، وأن يواجهوا ما أطرح من آراء وحجج بالنقد القائم على الأدلة، لا بالأحكام المسبقة أو الخطابة أو العاطفة. وبالمثل، فإنني أُلزم نفسي بما أطالب به الآخرين، وأتعهد بأن يكون الحوار قائمًا على الوثيقة والدليل، وأن أخضع ما أطرح للنقد والفحص والمراجعة، متى قامت الحجة على خلافه.
وكما سعيت في هذا الكتاب، (الإشارة لكتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ) وأرجو أن أكون قد وُفِّقت، إلى الالتزام الصارم بالمنهج التوثيقي، فإنني أرجو من المشاركين في هذه الجولة الجديدة أن يلتزموا هم كذلك بهذا المنهج؛ فلا تُطلق الأحكام دون شواهد، ولا تُنسب المواقف دون وثائق، ولا تُدحض الحجج إلا بحجج أقوى منها. وليكن معيار النقاش هو النص والدليل والبرهان، ولتكن لغة الحوار لغة العقل، لا لغة الخطابة والعاطفة. ذلك لأن الغاية ليست أن ينتصر طرف على طرف، ولا أن يُسجَّل الغَلَبُ لفريق على آخر، وإنما أن نقترب، عبر الحوار الحر والمنضبط، من فهم أكثر دقة وإنصافًا لطرح محمود محمد طه، وأن نفتح في المجال الفكري السوداني والإسلامي والإنساني أفقًا جديدًا لحوار تتقدم فيه المعرفة على الخصومة، والفكر على الخيال، والحجة على الانفعال، والوثيقة على الادعاء.
فلنستهل، إذن، جولة جديدة من الحوار؛ حوارًا جديدًا، أكثر علمية، وأعمق نقدًا، وأرفع أخلاقًا، وأكثر حرصاً على أمن المعرفة وأمن الفكر.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والامتنان للدكتور أمين حامد زين العابدين، الذي كان كتابه شرارةً أولى حفزتنا على التأمل، ودفعتنا إلى التفكر، وفتحت أمامنا أبوابًا واسعة للسؤال والنقاش. فلولا كتابه، لما وُلدت هذه المقالات، ولما اتخذت طريقها اليوم إلى كتاب يجمعها بين دفتيه. فهو صاحب الفضل في إثراء هذا الحوار وإطلاق مساحاته، وفي أن جعلنا نعيد النظر، ونسأل، ونتأمل، ونراجع، ونعبر عن اختلافنا، لكننا في كل الأحوال ظللنا نمضي في الطريق نفسه: طريق البحث عن المعنى والحقيقة. فله خالص الشكر، وله جميل التقدير، على الفكرة التي أشعلت فينا السؤال، وعلى الكتاب الذي كان سبباً لهذا الحوار.

Author

عبدالله الفكي البشير

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
كتاب “خمس سنوات في السودان” (2 – 1)
منبر الرأي
التهديد لن يخيف الثوار أيها الشيخ الغافل!! .. بقلم: زهير عثمان حمد
منبر الرأي
لم العجل يانديم نجم الدين خليل ..
منبر الرأي
هل تمنع السلطات السودانية الصادق المهدي من مغادرة البلاد . بقلم: محمد فضل علي .. كندا
رحمة الله على رفيق الصحبة الفريدة الأستاذ حسن عثمان حاج أحمد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أبْ لِحَايَة، تقديم بروفسير- محمد المهدي بشرى: مجموعة الحكايات الشعبية التي أعدها عادل سيد أحمد

طارق الجزولي
منبر الرأي

زيارة جديدة للتاريخ (3): أعادة كتابة التاريخ: جمال الدين شريف نموذجا .. بقلم: خالد موسي دفع الله

خالد موسى دفع الله
منبر الرأي

مؤتمر قضايا تعليم أبناء المغتربين.. حتى لا نحرث في البحر … بقلم: هاشم بانقا الريح

هاشم بانقا الريح
منبر الرأي

الإبقاء على جذوة الأمل .. بقلم: عمر العمر

عمر العمر
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss