عامر نور: من شندي إلى شيكاغو: (لا كرامة لنبي في وطنه!) .. بقلم: عوض محمد الحسن


aelhassan@gmail.com

تُبهجنا مجموعة دال بين الفينة والأخرى، وفي زمن الغمِّ والظلمة هذا، بإشراقات تُطوق بها عنقنا. في الأسبوع الماضي، شهد “مركز التميّز” في الخرطوم بحري أمسية لا تُنسى مع نحات عالميّ الشهرة، سودانيّ الأصل، أمريكيّ الجنسية والإقامة، لم يسمع به أهل السودان رغم أن أعماله ملأت الدنيا وشغلت الناس، وزينت ساحات المباني الفدرالية في شيكاغو ومدن أمريكية أخرى، وعُرضت في متاحف أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، وفي المغرب، وستُعرض قريبا في الشارقة.

تخرج عامر إبراهيم نور، من أهالي شندي، في كلية الفنون الجميلة في معهد الخرطوم الفني، عام 1957، وأكمل دراسته في (سليد) والكلية الملكية في لندن، ثم في سانت أندروز في اسكتلندا، وجامعة ييل في نيوهيفن بالولايات المتحدة، حيث أقام إلى يوم الناس هذا، وجوّد صنعته، وبلور عبقريته، ورفع اسم شندي، التي أوحت له ببعض أعماله المشهورة، واسم السودان، الذي أصبح يُسمي الأعمال الفنية الرفيعة أصناما!

عرض البروفسور نور بعضا من أعماله في تلك الأمسية، وتحدث عنها في لغة دارجية (مُباشرة وصادقة وقديمة) أنعشت آذاننا بعد أن (ضرستها) لغة التنطع والتقعر التي يلجأ إليها سياسيو هذا الزمن، و”خبراؤه الاستراتيجيون”، ومذيعو ومذيعات الراديو ومحطات التلفزيون السودانية، صباح مساء، والتي تمتلئ ببثور لغوية تحلق فوق هامات خلق الله من أمثال (سوح)، و(إطلالة)، و(عبق)، و(عبير)، و(مساكن القمر)….والجروف واللوبيا!

استمعنا لعامر نور عن سيرته (قليلا) وعن أعماله (كثيرا) بمزيج من الفخر والحزن. الفخر لأن سودانيا من شندي حاز، بكدِّه وجدِّيته وتجويده وعلمه، على مكانة سامية وشهرة عالميّة في مجال النحت؛ والحزن لأننا تساءلنا، سرا وجهرا، ونحن نستمع له، هل يخنق السودان، وسودان اليوم على وجه الخصوص، الإبداع والمواهب والتجويد؟ لماذا يُبرِّز السودانيون في مختلف المجالات وهم خارج وطنهم؟ وكم من المواهب المقبورة داخل هذا الوطن؟ وهل كان عامر نور، رغم موهبته، سيبلغ هذا الشأو إن ظل أستاذا في كلية الفنون الجميلة، يشكو الفاقة والإهمال والكبت والهوس الذي يُحطم التراث الإنساني والأعمال الفنية، ويُكبر باسم الجلالة!

حين سئل بروفسور عامر نور لماذا تُعرض أعماله في مختلف مدن العالم وساحاته ولا تُعرض في بلده، أجاب في بساطة وأسى ما معناه: لأن بلدي لا يُريدني!

تحدث عامر نور كثيرا عن أهمية “تجويد الصنعة” المسنود بالعلم، وعن الإمكانات التي توفرت له في الولايات المتحدة لتجويد فنه وترقيته والصعود به إلى مستوى الشهرة العالمية. ولا أعتقد أن إهمال التعليم عموما، ورعاية الفنون والمبدعين في هذا البلد المكلوم، يعود إلى قلة الإمكانيات (المشجب الذي يُعلق عليه كل إخفاق في القيام بالواجبات الأساسية للدولة – هو والمقاطعة الأمريكية)، إذ كيف تتوفر الإمكانيات لتزويد كل مدينة في السودان بالغاز المسيل للدموع (وليس بغاز الطهي)، ولتنظيم مهرجانات التسوق والسياحة (حتى في الجزيرة)، ولبناء البروج السامقة المجلدة بالألمنيوم، ولبناء مستشفيات من الزجاج الخالص (تحت شمس الخرطوم اللاهبة)، ومن الخرصانة المسلحة، لتظل هياكل ينعق فيها البوم (ومرضانا يفترشون أرضيات مشافي البلاد)، ولرصف الخلاء القفر جنوب مطار الخرطوم (والمدينة تغرق في شبر ماء كل خريف)، ولغيره من “الأفيال البيضاء” والأفيال الوهمية، ولا تتوفر للتعليم وللصحة ولرعاية الفنون وكافة مجالات الإبداع؟

مرة أخرى نستشهد، في باب التجويد والإتقان، بما قاله خير الدين التونسي المتوفى في 1890، في كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك): “لا تنصلح أحوال الممالك إلا بحُسن الإمارة (الحكم الرشيد)، المتولِّد عنه الأمن، المتولِّد عنه الأمل، المتولِّد عنه إتقان العمل!” – وأنّى لنا بحسن الإمارة؟

مرحبا بعامر نور في بلده، وشكرا لمجموعة دال التي يسّرت لنا لقياه، والإستماع إليه، والأستمتاع بصحبته وبساطته وعلمه، ورؤية صور أعماله الفنية… ولفتقها لجراحنا التي لا تندمل!

aelhassan@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً