عبد الله الغذامي.. الأنساق الثقافية المضمرة و عرقلة التحول الديمقراطي

 


 

طاهر عمر
12 April, 2024

 

طاهر عمر

الناقد السعودي عبد الله الغذامي من القلائل الناجين من سطوة روح القطيع في مجتمع عربي تقليدي يتجلى ذلك في حديثه عن تقدم الشعب و سقوط النخب و في حديثه عن التحول الديمقراطي و إستعداد الشعب للتحول نحو الديمقراطية و يزيد إحترامك لأفكاره أنه نبع من بيئة يندر أن يخرج من طياتها بما خرج به عبد الله الغذامي من أفكار في دفاعه عن إستعداد الشعب للتحول الديمقراطي و عجز النخب و سقوطهم.
عبد الله الغذامي في كتاباته و نقده الثقافي يحفر بروح الاركولوجي الدقيق ليكتشف ظاهرة المجتمع البشري منذ ليل الحياة و عقلانية الفرد و أخلاقيته و يربطها بدور الإنسانية التاريخية و الإنسان التاريخي و يأمل أن تساعد المجتمع العربي التقليدي في فك طوقه و الشب عنه ليلحق بمواكب البشرية و قد حققت مجد العقلانية و إبداع العقل البشري و قد إنعكس في إزدهار مادي في صور الرفاه الإقتصادي.
جهود عبد الله الغذامي تكشف رأيه الذي يسبق شجاعته التي قد ساعدته في أن يدخل في حيز الشخصية التاريخية في تجاوزه لكساد عقل جمعي أقعده تاريخ الخوف من أن يلحق بمواكب البشرية و بالتالي يصبح عبد الله الغذامي فاتح تاريخ الذهنيات الذي ينفتح لمن في مصاف الشخصية التاريخية من أمثاله و هم قليلي العد عبر التاريخ و يظهرون لحظة إنقلاب الزمان حيث تحتاج فيه مجتمعاتهم للحكماء و الفلاسفة و الأنبياء.
في حديثه عن الفكر الليبرالي شجاعة نادرة في مجتمع عربي تقليدي يجافي معادلة الحرية و العدالة في إنتصارها للعقل و الفرد و الحرية و يرفعه الى مصاف كل من عالم الإجتماع الفلسطيني هشام شرابي و عالم الإجتماع العراقي علي الوردي رغم مجيئه من جهة النقد الثقافي.
إدراك عبد الله الغذامي للأنساق الثقافية المضمرة و هي تمثل قيود للفرد في أن ينشد الحرية و يتخلص من سلطة الأب و ميراث التسلط فتحت ذهنه للحديث عن الفكر الليبرالي في إنتصاره للفرد و حديثه عن الفكر الليبرالي و ظاهرة المجتمع المكون من أفراد و فيه يرنو الفرد للحرية كقيمة القيم و هنا يلتقي مع دفاع عالم الإجتماع العراقي علي الوردي عن الفكر الليبرالي و أنه يمثل حل مشكل مجتمعات عربية تقليدية هشة في تراكيب هياكلها الإجتماعية و لا يخرجها من متاهتها غير الفكر الليبرالي المنتصر للفرد و العقل و الحرية.
و في إلتقاءه في دفاعه عن الفرد المنعتق من الأنساق الثقافية المضمرة يلتقي مع هشام شرابي في دفاعه عن حرية المراءة قولا و فعلا و عبر حرية المرأءة عند شرابي ينفتح باب الأنتصار للفرد المكون لمجتمع ينفك من طوق مجتمع تقوده روح القطيع. حديثنا عن عبد الله الغذامي الناقد السعودي في فكره الليبرالي يفتح لنا باب مقارنة فكره الليبرالي و إنتصاره للفرد و العقل و الحرية مع فكر نخب سودانية كاسدة و يندر في إنتاجها فكر النقد الثقافي الذي تحدث عنه عبد الله الغذامي بطريقة مميزة.
و هو يختلف عن نخب سودانية عاجزة عن مواجهة التحدي و التغلب عليه أي نخب تسوقها روح قطيع النخب السودانية الفاشلة و هم يتحدثون عن أدب الهوية بدلا عن أدب الحرية التي إنتصر لها عبد الله الغذامي في حديثه عن الفكر الليبرالي المنتصر للفرد. و إلتصاق النخب السودانية و إستسلامها لأدب الهويات القاتلة كما يقول أمين معلوف فتح لها كهف معتم في ظلامه و بسببه لم تدرك النخب السودانية الفرق بين أدب الهويات المعادي لفكر النشؤ و الإرتقاء في تجاوزه للعرق و الدين.
و بالتالي ما زال أعتى النخب السودانية و أثقلهم وزن يغوص في وحل أدب الهويات القاتلة و يجهل أدب الحريات الذي يفتح طريق الإنتصار للفرد و العقل و الحرية عبر مسيرة الفكر الليبرالي و بالتالي أصبح قادة فكر الهويات في السودان عاجزون عن مجابهة فكر الحريات مستسلمين لليأس و الإحباط و يلفهم ثوب العدم و قد تجلى في عجزهم عن إعمال العقل في إدراك فكر يفضي لتحول ديمقراطي في السودان. و هذا العجز قد فتح أبواب الجحيم و قد تجسدت في حرب عبثية في السودان و قطعت طريق التحول الديمقراطي.
و هي في حقيقة الأمر تفضح عجز النخب السودانية و عدم قدرتها على الوصول لمصاف الريادات الوطنية الواعية التي تقود بإتجاه مواكب بشرية قدم فلاسفتها فكر ينتصر مجتمع الفرد و العقل و الحرية. في ظل عجز النخب السودانية عن إدراك أدب الحريات يظهر غوص بعضهم في وحل أدب الهويات القاتلة و عجزه عن مفارقة وحل الفكر الديني و في حقيقة الأمر ينفتح مشهد لمثقف تراجيدي كحالة عبد الله علي ابراهيم و محمد محمد خير.
مثقف تراجيدي يبشّع بنفسه بشاعة لحد لا يقدر عليه أعتى أعداءه أن ينجزه و ينفتح باب بشاعة النخب السودانية الكيزانية بنفسها في غوصهم من جديد في وحل فكرهم الديني و رجوعهم الى ضلالهم القديم مفتكرين أن عجز النخب السودانية عن التحول الديمقراطي يعطيهم شرعية رجوعهم الى وحل فكرهم الديني و هيهات.
نقول للمبشعين بأنفسهم أمثال محمد محمد خير و عبد الله علي ابراهيم و خالد التجاني النور و عادل الباز و عثمان ميرغني أن غياب فكر ليبرالي و غياب ريادات وطنية واعية تنزله على أرض الواقع لا يعني أن هناك شرعية للرجوع الى عصر الظلام الكيزاني و بالتالي أن لحظة حرب الكل ضد الكل نتاج حرب البرهان العبثية الى حين و بعدها سوف تدركون الى أي مدى تنكمش دائرة إدراككم الضئيل.
مسألة رجوع مثقفي الكيزان الى ضلالهم القديم كما تحدث عنه دكتور النور حمد و قد ذكر بأنه كان يعتقد بأن نقدهم لتجربتهم الكيزانية نقد جاد و صادق إلا أنه تفاجاء بأنهم جميعا عادوا لضلالهم القديم و هذا القول للنور حمد يلومه هو أولا قبل إدانة الكيزان لأنه صدّق بأن الكوز يمكن أن يتغيّر و فات على دكتور النور حمد أن الكوز قد ذهب للحزب قبل أن يذهب للكتب مثله مثل الشيوعي السوداني لا رجاء ينتظر من نقدهما لتجربتهما و الأثنيين عدوين للإشراق و الوضوح بسبب وعيهما الزائف.
و نقول للباقر العفيف في مقاله الأخير ردا على عادل الباز بأنه فتح لهم مركز للحوار بأن يلومه نفسه أولا قبل أن ينتقد ميت شعور كعادل الباز. بالمناسبة مثل حالة الخذلان التي ذكرها دكتور النور حمد و دكتور الباقر العفيف من الكيزان تشبه دخول الشيوعيين و في مقدمتهم فاطمة احمد ابراهيم لبرلمان الكيزان و هذه تجارب تفتح باب لدراسة ظاهرة سودانية غريبة و هي قدرة الكوز السوداني على خداع النخب السودانية غير الكيزانية مثل خداع الكوز خالد التجاني النور في لقاء نيروبي لكل من كمال الجزولي و رشا عوض و دكتور النور حمد و قد قدّموا له شيك على بياض لشراء فكر الكيزان الديني.
و يأتي السؤال لماذا لم تظهر إلا صورة المثقف المنخدع من قبل الكيزان و في نفس الوقت يزعم بأنه مقاوم للفكر الكيزاني؟ و هنا نذكر خذلان الباقر العفيف منهم و كذلك خذلان النور حمد بعد فوات الأوان كما ذكرا رأيهما في أعلى المقال و ما سبب سهولة وقوعهما ضحيتين للمكر الكيزاني؟ و هنا يأتي معنى الأنساق الثقافية المضمرة و دور البناء الأسري و خاصة ظلال الأسرة الجذعية و دورها في إنتاج ثقافة لا تنتج إلا ظلال نظم شمولية في فكر مثقف سوداني تهيمن عليه ثقافة سلطة الأب و ميراث التسلط عكس ثقافة الأسرة النووية و دورها في إنتاج نظم ديمقراطية ليبرالية تنتصر للفرد و العقل و الحرية.
رغم أن النور حمد و الباقر العفيف يفتخران بأنهما من تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه كأكبر إستقرائي في السودان إلا أنهما لن يتحسبا لمكر الكيزان. البناء الأسري له دور كبير في إنتاج نظم الحكم و السودان القديم و عبر التاريخ في حضارته الكوشية كانت تعمه ثقافة الاسرة النووية و لكن بسبب خروج الثقافة الكوشية من مجرى التاريخ عمت بعدها و خاصة الآن ثقافة عربية إسلامية تقليدية مسحت التراث السوداني القديم بطبقة سميكة من ثقافة الأسرة الجذعية الآتية مع الحضارة الإسلامية العربية التقليدية و النتيجة الآن مثقف سوداني منخدع أو مثقف يسهل خداعه و لهذا نجد أن الكوز نتاج ثقافة أسرة جذعية لا تنتج غير ثقافة سلطة الأب و ميراث التسلط و لا يعرف الكوز طريق للإنتصار للفرد أما ضحايهم فكذلك أبناء سلطة و ثقافة الأسرة الجذعية و لذلك يسهل خداعهم مثل ما ذكرنا كحالة كمال الجزولي و النور حمد و رشا عوض و الباقر العفيف في مكر عادل الباز عليه.
الخروج من ثقافة سلطة الأب و ميراث التسلط نتاج ثقافة الأسرة الجذعية إبنة الثقافة العربية الإسلامية التقليدية لا يكون بغير الرجوع لثقافة الأسرة النووية كما كانت في حضارات السودان القديم أي السودان الكوشي و نقول هذا القول و نتذكر قول عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر بأن مصر لن تزدهر إلا إذا عادت لعقلها الروماني الإغريقي القديم و تخلصت من الثقافة العربية الإسلامية التقليدية كأكبر منتج لثقافة سلط الأب و ميراث التسلط و في ظلها يصعب تحقيق تحول ديمقراطي.
و في ختام المقال نتذكر جهود عبد الله الغذامي الفكرية و دفاعه عن الفكر الليبرالي كما فعل من قبله علي الوردي و احمد لطفي السيد و طه حسين و لاحظ أننا في الساحة السودانية لا نجد مفكرين قدموا فكر ليبرالي كما فعل عالم الإجتماع العراقي علي الوردي و هشام شرابي و طه حسين و احمد لطفي السيد و المضحك نجد أغلبية النخب السودانية تعتقد في الإشتراكية و حتى غير أتباع اليسار الرث كما يتجسد في فكر الحزب الشيوعي السوداني المتكلس أغلبية النخب السودانية تفتكر أن فكر الإشتراكية هو آخر مطاف البشرية و كله بسبب سيطرة ثقافة الأسرة الجذعية التي لا تعرف سبيل لحرية الفرد.
و لهذا نجد أن المثقف السوداني الآن واقف على أعتاب ثقافة فلاسفة ما بعد الحداثة في منتصف ستينيات القرن المنصرم و هي تساوي ما بين النظم الديمقراطية و النظم الشمولية كما كان إلتباس مفهوم السلطة و إلتباس مفهوم الدولة عند فلاسفة ما بعد الحداثة و قد فات عليهم مطالب مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و ليس مجتمعات ما بعد الغستعمار.
و نذكّر القارئ السوداني أن يلاحظ بأن هناك غياب لمفكرين سودانيين يقدمون فكر ليبرالي يرتقي لفكر احمد لطفي السيد و فكر علي الوردي الليبرالي و فكر طه حسين و السبب بأن النخب السودانية كانت ضحية إهتمامهم بفكر الهويات بدلا عن فكر الحريات. و كذلك نذكّر القارئ أن الفكر اليبرالي لم يكن فكرا رميم كما يعتقد المثقف السوداني المعتقد في الإشتراكية بل هو فكر العقد الإجتماعي عبر فكر جون لوك و روسو عمانويل كانط و علم إجتماع منتسكيو و آخر جهود إحياء الفكر الليبرالي في جهود جون راول في نظرية العدالة و مسألة إحياء العقد الإجتماعي و إنتصاره لفكرة أن أقصر الطرق لتحقيق العدالة إنصاف هو الفكر الليبرالي في إستفادته من النظريات الإقتصادية و تاريخ الفكر الإقتصادي و نظريات النمو الإقتصادي.
و الملاحظ أنه يندر ان تجد في كتابات النخب السودانية أن توظف النظريات الإقتصادية مثلما وظّف جون راولز في نظرية العدالة نظرية المنفعة و الإشباع من حيز معادلات السلوك للفرد الى إشباع المجتمع ككل. و نظرية العدالة قدمها جون راولز في عام 1971 و هي تطوير لمقال بداء كتابته منذ عام 1951 و كيف أعاد فيه جون راولز ألق العقد الإجتماعي و فكرة العدالة إنصاف و كيفية تحقيقها عبر الشرط الإنساني و هو بعدي الفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية الذين إنشغل عنهما مثقف الستينيات في السودان بفكر مثقفي ما بعد الحادثة و فكر الهووي الصاخب الذي يتحدث عن الهوية بدلا عن الحرية و شتان ما بين نظرية العدالة إنصاف و أدب الهويات القاتلة كما شاع في أوهام الغابة و الصحراء و ابادماك و العودة الى سنار.
و من هنا نؤكد بأن التحول الديمقراطي طريقة أدب الفكر الليبرالي و بعيدا عن تكلس الشيوعي السوداني في طرحها الجذري المفتقد للفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية.
و أخيرا نقول بأنه لا يمكن تحقيق تحول ديمقراطي في السودان في غياب مفكريين ليبراليين سودانيين يصل مستوى وعيهم الى وعي هشام شرابي و علي الوردي و احمد لطفي السيد و طه حسين و بالطبع لمستوى فكر عبد الله الغذامي كناقد يختلف عن مثقفنا السوداني و إنتاجه الأدبي إنتاج الهووي الصاخب و حديثه عن الهويات بدلا عن الحريات.

taheromer86@yahoo.com
/////////////////

 

آراء