(كلام عابر)
تمر هذه الأيام اثنان وأربعون سنة على انقلاب 25 مايو 1969م الذي حمل اسم ثورة وهو الاسم الذي يطلق على كل انقلاب عسكري ناجح في السودان كعلامة تميز الانقلابات العسكرية السودانية على ما سواها من انقلابات عمت القارة الأفريقية وكل بلدان العالم التي تتراوح درجات تخلفها، وقد بقي نظام مايو في الحكم ستة عشر سنة من بين السنوات الخمس والأربعين التي تعاقبت فيها الأنظمة العسكرية على حكم السودان مند الاستقلال تخللتها ثماني أو تسع سنوات من الديمقراطية البرلمانية. إلى نظام مايو تعود جذور معظم العقبات التي تقف بلادنا أمامها اليوم مثل تراجع أو انهيار نظام الخدمة المدنية ونظام التعليم والحكم المحلي والسكة حديد، وفي مايو استن مبدأ عنف وقهر الدولة لمواطنيها كثقافة جديدة وغريبة على المجتمع السوداني، خبرها الناس في الجزيرة أبا وودنوباوي في سنوات النظام الأولى ثم أصبحت ثقافة سائدة مع توالى بطش الدولة وجريان السنين.
وللصحافيين من بطش دولة مايو نصيب ، فلأول مرة يتم اختطاف مواطن سوداني من وسط شوارع بيروت في مطلع عام 1970م ونقله عبر مسار بري وجوي طويل إلى الخرطوم بما يشبه أفلام جيمس بوند ، وهو الصحافي الشهير صاحب جريدة الناس محمد مكي محمد وكان من أشرس معارضي نظام مايو في بداياته، وتضاربت الأقاويل حول تفاصيل اختفائه المثير، ولكن الأرجح أنه قضى تحت التعذيب في الخرطوم كما جاء في كتاب الكاتب الصحفي المصري الراحل يوسف الشريف “السودان وأهل السودان” . ولم يفتح ملف جريمة قتل محمد مكي محمد بعد الانتفاضة حتى لو كان ذلك من مبدأ “المكاشفة والمصالحة”.جريدة “الناس” أول جريدة للإثارة في السودان وهو النهج الذي سارت عليه بعض الجرائد اليومية المعروفة بعد الانتفاضة وربما لهذا كان له الكثير من الأعداء، ولكن تبقى جريمة اختفاء محمد مكي،أيا كان نهجه السياسي، سقوطا أخلاقيا مخيفا ووصمة دائمة في جبين نظام مايو . اعتزل كثير من الصحافيين العمالقة المهنة في سنوات مايو وبعضهم هاجر بقدراته وخبراته الثرية للدول العربية ومنهم من انتقل إلى جوار ربه الكريم في المهجر مثل الصحافي العملاق عوض برير صاحب “أخبار الأسبوع” الذي عاد للسودان في تابوت ملفوف بعلم العراق وجريد نخيل العراق. وما زال بطش الدولة يطال الصحافيين في أيامنا هذه باعتبارهم هدفا سهلا، وآخر نماذج هذا البطش والتحرش هو مسلك السيد وزير المالية مع زميلنا الأستاذ أبوالقاسم ابراهيم، وهو مسلك غير موفق وغير حضاري يضع الوزير في حرج شديد ويضع اتحاد الصحافيين في حرج أشد. فضلا عن أن هذا المسلك يعكس معاناة الصحافة السودانية من عنف الدولة المستمر الموروث من نظام مايو وهو عنف تمدد وترسخ تحت مظلة المشروع الحضاري.
قبل الختام:
التهاني القلبية للأخ الأستاذ حسين حسن حسين رئيس جمعية الصحافيين السودانيين في المملكة العربية السعودية والصحافي في مجلة الفيصل الثقافية التي تصدر في الرياض في مناسبة حصوله على جائزة الصحافة العربية في الدورة العاشرة لمنتدى الإعلام العربي في دبي وتفوقه في “الحوار الصحفي” .
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم