عمر عبد السلام حامد حميدان (1907-1991) رجل عصامي من الزمن الجميل

 


 

 

أحمد إبراهيم أبوشوك


(1)

راجت عبارة الزمن الجميل في الأوساط السودانية التي انخفضت فيها مناسيب الإبداع والابتكار، وأضحت عقول الناس مثقلة بالقنوط والإحباط؛ لأن استجاباتهم قد فشلت في وضع الحلول المناسبة للتحديات التي تواجههم. فالحلول الموضوعية التي تأتي من رجل عصامي أو امرأة عصامية يكون لها طعم ومذاق خاص؛ لأن أي منهما قد استطاع ان يحقق غاياته المنشودة بجهده ومهاراته المكتسبة واستغلاله الفطن للفرص المتاحة. وأغلب الشخصيات العصامية لم ترث مجداً من آبائها، بل كونت مجدها من بين فرث جهد ودم مثابرة، جعلاها تحمد السُرى عندما أشرق عليها الصبح. هكذا كان المرحوم عمر عبد السلام حامد حميدان، الذي وُلِدَ بكُورتي عام 1907م، ودرس بخلوة أم بكول على الشيخ محمد ود مدني، ثم هاجر إلى مدينة أم درمان في عقد الأربعينيات من القرن العشرين، وبدأ عمله التجاري تاجراً عمومياً وصاحب ترحيلات. وقد تتواتر الشهادات بأنه أول من دشن طريق أم درمان دُنْقُلا عام 1947م، بسيارة بدفورد، موديل 1946م، بصحبة سائقه سيدأحمد عبد المجيد من أهالي قنتي، وود أبوجبة أحد الخبراء البدو. وبعد تلك الرحلة الاستكشافية أسس عمر عبد السلام تدريجياً اسطولاً من اللواري والبصات، أفلح في ربط معظم أنحاء السُّودان بعضها ببعضٍ، مما أكسب سفريات السلام لصاحبها عمر عبد السلام شهرة واسعة في مجال النقل والترحيل. هكذا نشأ الحاج عمر عبد السلام عصامياً، وصاحب عزيمة وقدرة على الابتكار إلى أن وافته المنية في العام 1991م، ودفن بمقابر البكري بأم درمان.


(2)

ومن الشواهد الدالة على عزيمة الرجل ومثابرته، رواية السائق سيدأحمد عبد المجيد عن مغامرة افتتاح طريق أم درمان القبولات، بعد ثلاثة عشر عاماً من المغامرة الأولى التي قام بها السائق علي محمد ساتي، أحد مواطني أوربي بالولاية الشمالية، المقيمين بالسجانة عام 1934م. ويقول سيدأحمد عبد المجيد: "


أول رحلة كانت عام 1947 مع عمر عبد السلام صاحب اللوري، وكانت عربة جديدة لنج على الشاسي، ما فيها صندوق، ماركة فورد موديل 1946، كنا شاحنين شاي، والشاي كان يوزع بالتموين، والإنجليز بسموا التهريب بالبرشوت. التموين فكوه، خرجنا بالشاي (برشوت) من أم درمان، قبل أن يصل خبر فك التموين إلى حمرة الوز، وتصبح أسعار الشاي عادية. ركب معنا عربي اسمه ود أبو جبة، قال ماشي حمرة الوز .. طلعنا من أم درمان بعد المغرب، عشان البضاعة ممنوعة .. ووقفنا غرب المرخيات حوالي الساعة العاشرة، أو الحادية عشر ليلاً للعشاء، وأثناء العشاء تذكرنا أن حمرة الوز فيها تلفون، وخبر فك التموين أكيد سيصلها سريعاً، وبها نقطة بوليس أيضاً .. فغيَّرنا رأينا، وقلنا نمشي دنقلا، كانت المنطقة الواقعة بين كريمة وكرمة كلها تسمى دنقلا، سألنا العربي المعانا ود أبو جبة إذا كان يعرف طريق يوصلنا دنقلا، فقال: إنه لم ير دنقلا إلا مع أبوه، وكان عمره وقتها عشر سنوات، وكان مشى سوق تنقاسي مع أبوه، ولكنه قال: إنه ممكن يودينا ... اتجاه البحر؛ لكن ما عارفين تنزلوا في أي منطقة. ولم أسلك هذا الطريق في حياتي، ولا حتى عمر عبد السلام .تحركنا من غرب المرخيات، وأصبحنا في قوز أبوضلوع، ثم جبرة، ومنها قطعنا وادي المقدم، وخليناه في يميننا، مشينا غربه حتى بوحات في يومين... بعد ربع ساعة أو أكثر قليل مشينا وادي أبوعشر، وكان أثر سير العربات التي تبعناه قد أوصلنا حتى جبرة، حيث كانت تأتي من أم درمان، تحل سم الجراد في جبرة، وكان يخزن في مخزن خاص قبل أن يوزع بالجمال إلى المناطق الأخرى. في أبو عشر لقيناه وادي وسيع، فيه رملة شديدة، وفيه جمام (مثل الماء النابع)، عندما وصلنا منتصفه العربية غطست حتى الشاسي، والعجلات بقت لافة في الهواء، طبعاً العرب في المنطقة ديك متجمعين؛ لأنه في موية، بهائمهم، وأولادهم، وهم عرب هواوير، لميناهم وفزعناهم، شالو البضاعة أول حاجة (شوالات وصناديق) مرقوها بغادي، لمينا الجمال وجبنا حبال الشعر، وفتلناها مع بعضها، وربطناها في التصادم، ومع حركة المكنة قدرنا نمرق العربية بعد ساعتين كده يعني، وكنا قد وصلنا أبو عشر هذه، بعد بوحات، حوالي الساعة عشرة صباحاً، لما مرقنا منها الشمس كانت غابت. اشترينا خروف من العرب، من راجل اسمه حماد علي، ذبحناه للعشاء، وعندنا طبعًا السكر والشاي والتمر والرغيف، اتعشوا معانا العرب ساهرنا، وأصبحنا قبلنا لليوم الثالث، وفي الصباح فتلنا حبال تاني، عشان نربط بيها البضاعة، بعد صلاة الظهر كان في قدامنا تبس شديد والوادي وسيع، كلما نمشي شوية العربية تطلع في التبس تقطع الحبال، وتقع البضاعة، لما مرقنا من الوادي الشمس كانت غابت، وتعبنا تعب شديد في وادي أبو عشر، لما غابت الشمس لينا رقدنا في السهلة ديك من التعب، وكان رغيفنا كمل، عندنا دقيق قمح، ولعنا النار، وعملنا قراصة، وكنا اشترينا السمن من العرب، فأكلنا القراصة بالسمن، وأصبحنا على اليوم الرابع. الحقيقة شفقنا لأن أغلب زوادتنا كملت، فطرنا تاني بالقراصة بالسمن، وبعد الفطور دخلنا وادي الملح، هذا لم نتعب فيه كتير .. مرقنا منه فى حوالي ساعتين، ووصلنا بير الآخريت، ودي فيها سيال كتير، كان فيها شوية عرب وموية؛ لكنها مُرَّة وعفنة، قيَّلنا معاهم، واسترحنا، ثم نزلنا بعد داك وادي النعام، مشينا فيه زي ساعتين، الشمس غابت، قلنا أحسن نمشي بالنهار، وقلنا المشي بالليل ما كويس، رغم أننا ختينا النجمة في يميننا؛ لكن برضو خفنا، وفضلنا المشي بالنهار. في وادي النعام نطلع قلعة وننزل قلعة، مشينا زي ساعة أو أقل ظهر لينا ترى (نجم) اسمه أبو بان قريب للبلد، لقينا جنب جبل (التُدي) بير اسمها بير النور، منها في ديداب (درب بهائم) ... نازل سوق قوشابي ، نزلنا عن طريق هذا الديداب قوشابي، واتجهنا إلى القبولاب، -سُميت على اسم خبير الطرق أيام السفر بالدواب عباس قبولي، من عرب قنتي، والآن أصبحت آثار، وانتقلت القبولاب إلى موقعها الحالي يمين مسار الطريق القديم- لأنه فيها سوق الأحد، وصلنا القبولاب وأرسلنا في طلب عباس قبولي من سوق الأحد سالناه عن خبر التموين فكوه ولا .. لأنه نحن أخذنا خمسة أيام في الطريق، فوجدنا خبر فك التموين لم يصل إلى هناك. قسمنا الشاي قسمين، قسم وديناه دبة الفقراء جنوب الدبة، وأخذنا النص التاني إلى قرية اسمها الغريبة جوار كورتي. الكلام دا كلو في يوم واحد تقريباً، سلمنا الشاي للتجار، واستلمنا قروشنا، وأخذنا راحة حوالي ستة أيام، فكرنا بعدها في الرجعة. قمنا لقطنا الجلود الموجودة في البلد، ... ربطناها كويس. عندي كنبة عند أهلي في قنتي أخذتها لكي يجلس عليها الركاب، ورجعنا بنفس الطريق، وإن ذلك أسهل قليلاً، رغم أن الجلود كانت تتقطع حبالها وتسقط، وعدنا هذه المرة في ثلاثة أيام.


(3)

يعكس هذا الاقباس الطويل الماتع ولغته الدارجة الهجين، طرفاً من أحاديث المعاناة، التي تجشمها أولئك الرواد الذين دشنوا طريق أم درمان-القبولاب-دنقلا، مغامرين بأنفسهم وأموالهم في طريق وعر المسالك، وفيافيه قاحلة، ورماله ممتدة على أفق البصر، وأخباره مقطوعة، لا يعلم سرها إلا الطيور التي كانت تحلق في فضاءاته غير المعمورة ولا تبث الخبر. لذلك جاءت إفادات السائق سيدأحمد عبد المجيد، مشحونة بروح المغامرة، ومجاهدات المغامرين، وخالية من متعة الترحال، وأنس المسافرين، وجلساء المقاهي التي كانت في رحم الخيال.

فلا جدال في أن ما ذكر أعلاه نمط من أنماط التحديات الحقيقية التي وصفها الأستاذ عباس محمود العقاد بأنها أجمل ما في الحياة الدنيا؛ لأن تقدم الشعوب والأفراد يقاس بمدى قدرتهم على فهم التحديات ووضع الحلول المناسبة لها. لكن للأسف إلى الآن لم يفهم الساسة السودانيون والعسكر التحديات الكامنة وراء الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023؛ بل ظلوا مشغولين بالتحشيد والتحشيد المضاد، وبث الأخبار والشائعات المرهقة لذاكرة المواطن السوداني البسيط الذي يعيش في كنف الأمرين (مرارة الحرب ومرارة فقد الأموال والأنفس والثمرات)، دون أن يقدموا اطروحات ممكنة ومبتكرة لحل الأزمة الراهنة التي قاربت عامها الأول، بل ظل شغلهم الشاغل تخوين بعضهم بعضاً، واتصالاتهم المتكررة بالعالم الخارجي التي لا تجدي فتيلاً، وتجاهلهم المطبق لحال المواطن السوداني، ولذلك أضحوا كالمُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.


ahmedabushouk62@hotmail.com

 

آراء