محمد صالح محمد
ثمة غياب يترك في الروح ثقباً أسود و يلتهم كل ألوان الحياة ويتركنا نغرق في رماد الذكريات. أكتب إليكم اليوم والقلب ليس على ما يرام، أكتب بمداد من الدموع الساخنة التي تجرح الوجنتين وبلغة صاغها الفقد الذي لا يرحم وعمّادها حبٌّ لا يموت ورومانسية باتت تبكي على أطلال ماضٍ كان يجمعنا.
شتات الروح في غيابكم …
كيف أخبركم عن حالي دون أن يتفطر قلبكم كما تفطر قلبي؟ منذ أن رحلتم والوقت واقف في غرفتي والساعات أعلنت إضرابها عن الأمل. كل زاوية في هذا المكان تفوح بعطركم الراحل وكل تفصيل صغير يصرخ باسمكم.
ألوذ بوجهي إلى وسادتي المثقلة بدموع الليالي الطويلة أبحث عن طيفكم، عن لمسة إيد عابرة أو حتى عتاب خفيف يعيد إليّ نبض الحياة.
“إن الفراق ليس مجرد مسافة تقطع بل هو انتزاع للروح من جسد لا يزال مرغماً على التنفس.”
أنظر إلى مرآتي فلا أرى نفسي بل أرى بقايا إنسان حطمه الشوق. الحب الذي زرعتموه في داخلي تحول إلى قيد مخملي يربطني بذكراكم ويجعلني عاجزاً عن الخطو نحو الأمام.
كيف للرومانسية التي كانت تسعدنا أن تتحول اليوم إلى لحن جنائزي يبكيني كلما مر صدى صوتكم في خيالي؟
صرخة صامتة …
أنا أحتاجكم… أقولها بملء انكساري وبكل ما أوتيت من ضعف. أحتاجكم حد البكاء، حد الاختناق، حد الرغبة في تمزيق هذا البعد الذي يفصل بيننا.
أحتاج إلى عيونكم التي كانت تقرأ حزني قبل فرحي.
أحتاج إلى ملاذي الآمن في دفء أحضانكم عندما تضيق بي الدنيا.
أحتاج إلى أحاديثنا الصغير التي كانت تصنع من أبسط الأشياء عيداً.
الحياة بدونكم باهتة، باردة، وخالية من المعنى. أعيش على أمل واهم ألتفت خلفي في كل لحظة ظناً مني أنني سأراكم مبتسمين كما كنتم دائماً لكنني لا أجد سوى الفراغ… فراغ موحش يهمس لي في أذن الليل: لقد رحلوا.
وفاء بطعم الدموع …
رغم هذا الألم المرير الذي يعتصرني ورغم هذه الرومانسية المبكية التي باتت تطوق تفاصيل يومي سأبقى أحبكم بذات النقاء وبذات العمق. سأظل أترقب طيفكم في أحلامي وأنسج من حنيني إليكم حكايات عشق لا تنتهي حتى وإن كان البكاء هو لغتها الوحيدة.
إلى من غابوا عن عيني واستوطنوا في خلايا جسدي …
أنا أحتاجكم وسأظل أحتاجكم حتى يلتقي النبض بالنبض مجدداً.
ينطفئ آخر بريق للأمل في عيني وتتلاشى الحروف لتترك مكانها غصّة صامتة في حشرجة الصوت.
سأغلق دفتر حكايتنا الآن لا لأنني نسيت بل لأن دموعي بللت السطور حتى محتها. سأبقى هنا كعاشقٍ مهجور في مدينة أموات أحتضن طيفكم في خيالي وأقبل الفراغ الذي تركتموه خلفكم.
إنها ليلتي الأخرى بدونكم ليلة أدرك فيها بكل مرارة أن حبكم كان أجمل ما حدث لي وأن فقدانكم هو الموت الذي أعيشه كل يوم وأنا على قيد الحياة.
حتى يجمعنا الكفن أو ينتهي هذا الوجود سأهمس لوسادتي وللظلام الذي يبتلعني: “لقد أحببتكم حد الاحتراق وأحتاجكم حد الموت… فليت الفراق كان رجلاً ليعلم كم قتل فيّ من حياة.”
يوليو ٢٠٢٣ – المرابيع وداللبيح (مذكرات نازح)
binsalihandpartners@gmail.com
