عن الحقد النوعي أو ضغينة المنشق .. بقلم: إبراهيم عثمان
4 يناير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
87 زيارة
بعض الكتابات تعطيك تصورا ومعلومات عن سيكولوجية الكاتب ونوازعه أكثر من الموضوع الذي يتناوله بالكتابة ! تلك هي الكتابات المشحونة حتى التخمة بالمواقف القصوى التي يُراد لها أن تكون مبررة عبر كمية من التلاعبات و محاولات تصنيع الأدلة وتضخيمها لتجعل هذه المواقف الحدية المتطرفة هي الإستجابة الطبيعية المبررة ، ولذلك يجب أن تُرسم صورة للآخر حدية وفاقعة ونموذجية للتعبير عن الشر المطلق ، الشر الأصلي الذي لا يبدر فعل الخير من صاحبه إلا كتمهيد أو ستار يتخفى وراءه أسوأ أنواع الشرور ، هنالك نقطة محددة لا تفلت من مراقبة الحصيف ، نقطة يخرج بعدها الكاتب من فضاء البحث عن الحقيقة إلى فضاء آخر ، فضاء البحث عن أدلة على حقيقة مركزية مسبقة يتبناها و يتشبث بها ويحاول إثباتها لآخر ذرة من مصداقيته ! من بعد هذه النقطة لا تبحث عن الإنصاف أو العدالة أو التحوط لديه ، بل هي سلسلة متصلة من محاولات إثبات أنه كان ذات يوم في قلب الباطل النقي المطلق ! محاولات بقدر ما تصبغ ذلك الباطل بكل ما يجعله باطلاً أصلياً تكوينياً غير طارئ ولا يشكل انحرافاً عن خطة حق ، بقدر ما تقدم صورة عن ذات مشوهة للكاتب ، ذات ملوثة تعايشت مع ذلك الباطل الذي تدعيه و مارست أقصى صوره ، وكان لها من عمى البصيرة المقدار الذي يعميها عن رؤيته ويريها العكس تماماً ، ومع ذلك يُراد لها أن تخرج من حصيلة ذلك بشهادة براءة و تطهر ، بل وخيرية مطلقة تزايد على خيرية الآخر المكتشفة للتو .
نقطة الإنشقاق الحرجة إضافة إلى أنها نقطة اللاعودة ، فهي أيضاً نقطة اللاقرار ، نقطة السباحة الحرة والتجول بين الأفكار والمناهج والأيديولوجيات ، سباحة خفيفة نزقة و مرتبكة لا ناظم يضبطها سوى إرادة التجريم لذلك الماضي ، نقطة يصبح بعدها الآخر القديم ذاتاً نرجسية خيرة يُدافٓع عنها بأكثر مما يفعل أصحابها الأصليون ، و تزول كل التحفظات و تنمحي كل الفواصل ، نقطة بعدها تختل الموازين و تتبدل المعايير ، فالخطأ الذي كان يثير الغضب حقاً أصبح يثير الغبطة المعلنة ، كيف لا وهو يقدم حجة اضافية تسند الحكم الضخم البات المبرم ، ولا مانع من تضخيمه أو إعطائه أبعاد أكثر مما يحتمل لكي يفيد لهذا الغرض ، و العدوان الذي كان يُقابل بالرفض أصبح حدثاً هامشياً لا ينبغي أن يُخضع لأي تقييم مبدأي أو أخلاقي طالما أنه يصب في غير صالح العدو الجديد . نقطة يصبح بعدها اكتشاف أن الذات الماضية هي الباطل المطلق هو الحدث المركزي الذي يُراد له أن يعيد ترتيب الكون ، والمنشق دون أن يشعر يعطي الباطل المطلق ذلك أكثر مما يستحق ، إذ يعطيه ميزة أن يكون الفاعل الأول في حياته ، الفاعل الذي يحدد حركته و اتجاهاتها و يحدد تصوراته و مواقفه من كل ما حوله ، فيتحول إلى مسخ مشوه ويتناقض و يتقلب بين التيارات الفكرية والسياسية دون تحفظ نكايةً في ذلك الباطل ! يلغي شخصيته و يعيد تعريفها بالسلب على أنه ذلك الكائن الذي يتصالح مع كل شئ وأي شئ غير ذلك (الباطل) ، بل يعيد تعريف كل الأشياء ليخرجها جميعا من شبهة الباطل ليبقى هناك باطل وحيد ضخم أيقوني لا يشوش عليه باطل آخر . يحاول المنشق أن يثبت أن انشقاقه نهائي و بات و حقيقي و مؤسس ، فيجعل من محاولات الإثبات هذه هي الحدث المركزي الذي يصبغ كل تصرفاته ، وللمفارقة فإنه بهذا الأداء الرث إنما يثبت العكس ، إذ يثبت أن عدوه الجديد لا زال يؤثر فيه بشكل أساسي ، نعم تغير نوع التأثير و اتجاهه ، ولكن بقي التأثير و ربما ازداد حجمه . يكفي أن المنشق يحاول أن يقول أنه كانت له شخصيته المستقلة نوعا ما وسط ذلك الباطل المطبق ، فيمتعنا ببعض القصص التي تكشف عن بذرة “خير” و “توبة” و “تطهر” قديمة كان يحمي نفسه بها وسط جماعته من أهل الباطل ، بينما الآن يسعى ما وسعه الجهد ليثبت أن تماهيه مع قومه الجدد كامل ولا تشوش عليه أي فكرة مما يُظن أنها قد تبقى معه من ماضيه . مما يثبت أن كراهية (باطله) القديم ستكون هي الفاعل و المحرك الأساسي لديه ، فلا يتحوط من الوقوع في أي باطل جديد ، فالقانون لديه : كن مع كل ما هو ضد ذلك الباطل الأصلي أياً كان و أنت مطمئن بأنك في الجانب الصحيح ، عطل عقلك النقدي ليتفرغ بالكامل لأصدقاء الأمس أعداء اليوم ، عطل انسانيتك أو بالأصح شغلها في اتجاه واحد ، عطل فكرك ، و تبتل في محراب الكل ما داموا ضد الباطل الأصلي . في محاولات المنشق لأيقنة الباطل ، الذي تركه خلفه و تفريده فإنه يتنازل طوعاً عن حقه كمواطن و كأنسان في أن ينتقد و يصوب أي باطل غير ( باطله ) القديم ، فيشوش على صورته الجديدة التي يحاول تسويقها ، صورة الإنساني الحساس التطهري الذي لا يرضى بأي شبهة انحراف عن جادة الصواب و الحق و الطريق المستقيم ، إذ يضطر كثيراً لأن يتضامن مع ما لا ينسجم مع متطلبات الإنسانية و التطهر ، فيدافع بشدة عن كل أفعال حلفائه الجدد ، مهما كانت فاقعة في مفارقتها لمعاييره الحساسة الجديدة ، إن اهتجاسه بأيقنة الباطل الذي يتصوره يجعله يخشى على الدوام أن يكون على ظهر الأرض أي باطل آخر يزاحمه ، فيضطر لتبرئة كل باطل ، فيسئ أول ما يسئ إلى ذاته و إلى (توبته) و صورته الجديدة ، و يجعل ظهر توبته ينوء بحمل ثقيل جديد كان هو في غنى عنه لو أنه لم يشغل نفسه بهذه النظرة المانوية الثنوية لإنقسام بين نور و ظلام كاملين ، فبدلاً من أن تكون مهمته وحيدة و هي اثبات ان قديمه كان باطلاً مطلقاً ، فإنه يتبرع بمهمة أخرى و هي اثبات أن آخره القديم كان خيراً مطلقاً ( أو يقترب من أن يكون كذلك ) . مهمة مستحيلة أن يقوم أحدنا بعملين متضادين في ذات الوقت : صياغة معايير صارمة للمحاسبة تحاسب على الأفعال و النوايا ، الوقائع و الشبه ، المثبت و المدّعٓى ، و من ناحية أخرى تعطيل هذه المعايير تماماً في التعامل مع ما يقوم به الحلفاء الجدد .
عزيزي المنشق ، صدقني ، تستطيع أن تعارض ماضيك بشراسة و أن تكون أقرب إلى تحقيق هدفك دون أن تحتاج إلى أن تلغي ذاتك و أن تجعل من عدوك الجديد قيداً مستمراً عليك تتنازل له عن شخصيتك و ذاتك دون أن تدري فيتحكم فيها بالسلب كما تحكم فيها بالإيجاب ! تستطيع أن تقول لا لآخرين غير عدوك الجديد ، دون أن يتضرر موقفك الكاره له ، تستطيع أن تسوق لشخصيتك (الإنفتاحية) الجديدة ، دون أن يكون خطاب الكراهية المضخمة هو عمدتك في ذلك . للإنسان . أي انسان ، في كل وقت آخره ، و لن تستطيع تسويق صورتك الجديدة كمنفتح على الآخر وأنت ، في هذه اللحظة ، تقوم بتقديم المثال الأقصى في كراهية الآخر ، لا تحاول أن توهم الناس بأن آخرك هم من تكيل لهم المدح الآن و تدافع عنهم بأكثر مما يفعلون ، تلك حيلة لن تنطلي على أحد ، فآخرك هم من تقف على النقيض منهم الآن ، و على حجم كراهيتك لهم يتوقف الحكم على موقفك من الآخر و انفتاحك . عزيزي المنشق إن كانت واقعة إنشقاقك بالنسبة لك هي الحدث المركزي الذي أعاد صياغتك ، فلا تكن متضخماً وتظن أنها كذلك واقعة مركزية سيضطرب لها الواقع ويتزلزل ويعيد صياغة نفسه طبقاً لما تحب هكذا ضربة لازب ! إذ لن تستطيع أن تلغي عدوك الجديد تماماً كما لم تستطع أن تلغي عدوك القديم الذي أعدت اكتشافه ، لا تستحي من الإعتراف ببعض حسنات من فارقتهم ، إن لم يكن من باب الإنصاف ، فمن باب تبرير اصطفافك السابق معهم ، لتقول: خدعتني هذه الحسنات الحقيقية وأعمتني عن (شرور) أخرى كنت لا أقيمها التقييم الصحيح ، حتى لا تضع نفسك مظنة السذاجة إن قلت أنك اكتشفت مؤخراً بأنهم منبع كل الشرور ، أو مظنة تأصُّل الشر فيك إن استطعت أن تنفي عن نفسك تهمة السذاجة . ولا تجد أي حرج من الإعتراف ببعض أخطاء أصدقاءك الجدد وأن اصطفافك الحالي معهم لن يجعلك تتتغافل عنها ، خاصةً الكبيرة منها ، فبهذا وحده تستطيع أن تقول بأن بعض عداءك السابق لهم كان مبرراً ولم يكن نتيجة شر تكويني محض كان يتلبسك ! لا تتطرف فتسئ إلى ذاتك وتقدِّم نفسك بهذه الصورة الرثة كشخص تتحكم فيه الغرائز والنوازع وتحرمه من القدرة على الحكم الصحيح ، شخص حاقد لا ناقد ، تحركه الضغينة ويتصرف بطريقة صاحب الغبينة ، بل الغبينة الشخصية جدا ، فمن يعترف أمام الجميع بأنه إلى حينٍ قريب كان لا يحسن أن يصدر حكماً صحيحاً على عدو أو صديق ، سيقول للناس دون أن يشعر : لا تثقوا بأحكامي الحالية فأنا شخصٌ أنفق الشطر الأكبر مما مضى من عمره وهو في حالة عمى تام ، والطبيعي للأعمى الذي أبصر للتو ، أن تكون هناك فترة استكشاف يرى فيها ما لم تُتح له فرصة رؤيته ، ويتدرب فيها على الإبصار ، ويكف لفترة عن إصدار الأحكام المضخمة ، فهو بإعترافه لا زال تلميذاً يتدرب على كيفية الحكم الصحيح .أخيراً عزيزي المنشق لا تقل دون وعي منك بأن السذاجة والجهل وربما الحقد والضغينة وما جاورهما من نوازع شريرة هي التي بررت عداواتك السابقة ، فبذلك لن تستطيع بسهولة أن تقول أن نقائضها هي التي أعادت تموضعك ، لأنك دون أن تشعر قد أثبت بألا تاريخ لك مع نقائضها ، ولأن الحكم ينبغي أن يُبنى على الوقائع لا النوازع شريرة كانت أو خيرة ، وخبرتك في الحكم على الوقائع ( كما رويتها ) لا تحمس أي منصف للثقة فيها .
salaby2013@yahoo.com